رشدي العامل... تجربة شعرية في الحد الفاصل بين الحداثتين الخمسينية والستينية

ثلاثون عاماً على رحيل صاحب «حديقة علي»

TT

رشدي العامل... تجربة شعرية في الحد الفاصل بين الحداثتين الخمسينية والستينية

ينتمي الشاعر العراقي رشدي العامل (1934-1990) الذي تمر اليوم الذكرى الثلاثون لرحيله إلى جيل من الشعراء العراقيين عُرف فيما بعد باسم «الجيل الضائع»، وسُمي بهذا الاسم لظهوره بعد جيل الرواد في العراق، الذي يضم إضافة إليه الشعراء سعدي يوسف، ومحمد سعيد الصكار، ويوسف الصائغ، ومحمود البريكان، وحسب الشيخ جعفر... وآخرين.
ويعد العامل أكثر من أي شاعر آخر سواه من شعراء هذا الجيل اقترن اسمه بالرومانسية: اتجاهاً فنياً، ومضامين شعرية.
أصدر ثمانية دواوين منشورة؛ كان أولها «همسات عشتروت» (1951)، وآخرها «الطريق الحجري» (بغداد 1991). وهو شاعر متماهٍ مع قصيدته، يمثل علاقة متفردة في الشعر العراقي الحديث جعلته قريباً من قلوب الناس.
استعادة الشاعر الخمسيني الراحل رشدي العامل يستلزم الوقوف عند اهتمامات جيله «التي كانت السياسة شاغله، والواقعية منهجه في الشعر والسرد، تعبيراً عن رؤية اجتماعية تزدهر في الصراعات الطبقية والعقائدية، حيث تتصادم الرؤى وتعبر عن نفسها مباشرة بصوتٍ عالٍ، وغنائية تنعكس على لغة القصائد وصورها وإيقاعاتها».
وهنا عدد من الأدباء العراقيين يستذكرون تجربة الشاعر، ويطرحون آراءهم النقدية حول قصائده:
- الناقد فاضل ثامر: ما زال يبتسم للحياة
يمثل الشاعر الراحل رشدي العامل علامة فارقة في سفر حركة الحداثة الشعرية العراقية. وتمتلك تجربته خصوصية كونها تقع في الحد الفاصل بين تجربتين حداثيتين، هما: الحداثة الخمسينية، والحداثة الستينية. ولذا، لم يخضع الشاعر لعملية تخصيب جيلي، وأطلق عليه وعلى بعض أقرانه المماثلين، أمثال محمد سعيد الصكار وصادق الصائغ وحسب الشيخ جعفر ويوسف الصائغ وسلمان الجبوري وغيرهم، صفة «الجيل الضائع»، وهو مصطلح مستعار من مصطلحات من النقد الأميركي لا يمكن أن ينطبق على تجارب هذه المجموعة الشعرية، وهو موضوع بحاجة إلى فحص نقدي خاص.
وتتسم تجربة الشاعر رشدي العامل بالتصاقها برؤية رومانسية رقيقة، لكنها تمتلك نزعة ثورية تمردية يمكن أن نصفها بالرومانسية الثورية، فهي تزاوج بين منحى غنائي ذاتي متجذر وانشغال بهموم اجتماعية وسياسية وآيديولوجية. ولذا، فتجربته تمثل من جانب آخر موازنة بين تلقائية التعبير الرومانسي والصفة الشعرية الواعية التي لا تصل إلى مستوى «التصنع» والتعقيد.
كان رشدي العامل عاشقاً للحياة مؤمناً بالمستقبل، وكان يعشق كل مظهر من مظاهر الطبيعة، لكنه كان أيضاً يطيل التأمل في جواره المتصل مع الزمن والموت، إذ تنبأ في قصيدة «رجل الأحزان» بموته:
«غداً إذا جاء رهيف الخطى
قولوا له
قد رحل الراحل...».
- الشاعر علي عبد الأمير عجام: لون شعري عميق
ظل الشاعر الكبير رشدي العامل نسيجاً وحده، ولم يواصل أحد من شعراء العراق (داخل البلاد)، رغم عددهم الكبير وزحمة أجيالهم، لونه الشعري العميق لأسباب جوهرية، منها:
> صعود «قصيدة النثر» إلى حد بدا طاغياً بعد رحيل العامل، وعلى نحو صار فيه كثير من شعراء البلاد يمضون إلى هذا الشكل الكتابي.
> اندراج كثير من الشعراء الذي حافظوا على الوزن في نتاجهم ضمن نشاط كتابي لا صلة جوهرية له بروح الشعر، فهم ذهبوا إلى مديح السلطة والديكتاتور حتى سقوطهما في 2003. وحتى الجيل التسعيني في الشعر العراقي الذي ظهر من بين أسمائه من اهتم بالوزن و«الغنائية» سقط في فخ المديح والتكسب إلا في حالات نادرة لم تتأثر بشعر صاحب «حديقة علي»، بل كانت أقرب إلى شاعر المديح الأول عبد الرزاق عبد الواحد.
> كان يوسف الصائغ أكثر الشعراء مقدرة في الحفاظ على «غنائية» قد تبدو متصلة بشعر العامل في جوهرها، لكنه انفصل عن هذا السياق لصالح كتابة خارج الشعر (المسرح خاصة)، فضلاً عن كتابة شعرية «وطنية» بدت متوافقة مع نهجه في تأييد السلطة وانتظامه في مفاصلها.
> مثل الصائغ، كان حسب الشيخ جعفر مؤهلاً لشكل كتابي (الغنائية الشعرية) رسّخه في مجموعاته الثلاث الأولى، غير أن انتباهته اللاحقة نحو الحكمة والحكاية الأسطورية والشعبية جعلته يفتقد عن هذا الشكل، فضلاً عن انهماكه في الترجمة وقصيدة الحرب «التعبوية».
> عيسى الياسري كان قريباً من «غنائية» ميّزت شعره، ولكنها ظلت «غنائية ريفية» غير تلك الغنائية العميقة ابنة المحنة المعاصرة التي تفرّد بها الراحل العامل.
> ومن الشعراء الذين كانوا خارج البلاد حين رحل العامل، كان الشاعر المجيد فوزي كريم قريباً للغاية من «غنائية» شعرية كانت متفوقة بقدرتها الفكرية واللغوية حتى على ما أنجزه العامل، لكن صاحب «أرفع يدي احتجاجاً» لم يواصل هذا المعنى، ولا الشكل، ومثله أيضاً هاشم شفيق الذي كان مؤهلاً باقتدار لمواصلة شكل غنائي تميزت به مجموعته الشعرية الأولى.
- الناقد علي حسن الفواز: القصيدة بصفتها استعادة الغائب
اشتغالات رشدي العامل الغنائية ليست بعيدة عن هاجس تأثّره بالنزعة الرومانسية، وبالحسّية التي ظلت تؤطر قصائده، وكأن تمثله للغناء الشعري معادل نفسي ثوري، حيث أزمته الوجودية، وأحاسيسه المضطربة، وهوسه بالفقد، وحيث صور الوطن - الحلم، وشغف الحرية، وهي إحالات تعكس نزوعه للرمزية، بصفتها تمثيلاً استعادياً للغائب الذي يحضر بقوة في القصيدة، أو بصفتها إسقاطاً نفسياً لعلاقته بذلك الغائب، حبيباً كان أو وطناً أو معنى يتطلب نوعاً من التواطؤ الاستعاري.
والفصاحة الرومانسية قد تكون علامة مفارقة لشاعر «خمسيني» أشبعته الآيديولوجيا والثورة والحرية كثيراً من الصخب، أو التمثيل الشعاراتي للواقع، لكن خصوصية رشدي العامل في كتابة قصيدة «الخفّة» الغنائية ظلت أكثر اقتراباً من هواجسه وحدوسه، فهي بمثابة حقل تعبيري يقارب من خلاله الشاعر العالم اللغة، والوطن، والحزب، والغائب، فمفردات مثل «بوح، أشمّ، الحديقة، النهر، الحب، الولادة، الكأس، شراع، الدجى، النسيان، وغيرها» تنطوي في سياق التمثيل الشعري على إيحاءاتٍ لعلاقة الشاعر المضطربة بالآخر، إذ تبدو القصيدة كأنها نداؤه الشعوري، أو رسالته إلى غائبٍ ما، أو تلوينه لرغبة غائرة بحميمية في الروح، أو اعترافٌ للآخر الذي يحضر عبر سكنى الاستعارة، أو عبر السؤال الذي يستأنف معه لذة الحضور.
البنية الإيقاعية في قصيدة العامل تُكرس في اشتغالها العروضي تمثلها لرومانسيته، ليس بتركيبها الصوتي فقط، بل بإيحاءاتها التي تتجاذبها ثنائية الوجود والحلم، فهو يكتب عن الضياع بصفته وجوداً منتهكاً، ويكتب عن الحلم كأنه تأويل للضياع الذي يمزقه، وبما يجعل لغته الشفيفة أكثر اشتباكاً بالإيقاع، وبالنبرة التي تستبطن صوته الداخلي.
وأحسب أن كتابه الشعري «حديقة علي» هو أكثر كتبه تمثيلاً لفكرة «الاكتمال الشعري»، وحتى لخصوصية تجربته الشعرية التي ظلت بعيدة عن التجريب والمغامرة، وكأنه يوحي من خلالها بأنّ نزعته الرومانسية في الكتابة ظلت هي المقابل النوعي للقصيدة الشخصية، القصيدة المشبوكة بالحياة والحلم والحرية، والتي لا تحتملها القصيدة الثورية الصائحة التي انحاز إليها كثيرون من شعراء الراية، كما سماهم فوزي كريم.
- الشاعر ميثم الحربي: سوناتا للوحدة
تجربة رشدي العامل تجربة إنسانية أدبية مُتميزة، ومَوردُ تميُّزها في مسيرة الثقافة العراقية بين الخمسينيات والستينيات أنها اختارت لنفسها سلوك الطريق الثالثة في ارتياد الحياة المجازية.
وأقصدُ بالطريق الثالثة ذلك الاتجاه الشعري الذي سار عليه العامل عبر ثمانية دواوين نُشرت بين عام 1951م وعام 1991م، حيث صدر ديوان «الطريق الحجري» بعد وفاته، إذ بقي مُصغياً مجذوباً لأصالة التجربة الفردية، نائياً بنفسه عن خطرين كانا يُهيمنان على الفعالية الشعرية الكلية لمُجايليه من الشعراء الرواد، وما بعدهم أيامئذ، وهُما: خطر التاريخ الآيديولوجي من جهة، وخطر التاريخ البلاغي من جهة أخرى.
ويمثل المُنجز الشعري لرشدي العامل مرآة تعكسُ صروفَ الدهر والمرائر والمحطات التي دهمت حياة الشاعر، فقد كان أميناً أمانة صمدية في تصعيد صوت البسالة الفردية داخل النسيج الشعري. ورغم أنّ للشاعر تصريحات ثقافية تصفُ أعماله الفنية بأنه «شاعر رومانسي»، مع تأشيرات نقدية بأنه «شاعر غنائيّ»، فإنّ الحال يحتمل توجيهاً مُغايراً أحددهُ: لقد كانت مسيرة الشاعر رشدي العامل شاقة، حياة وفناً، فهو -عندي- امتدادٌ لتجربة الشاعر علي الشرقي (1890-1964)، ويُشكل مع حسين مردان محطة مهمة لتمثيلات الشعر الذاتي، نجدُ حضورها واضحاً لدى الشاعر فوزي كريم على أتمّ صورة. ومن خصائص شعر العامل، يُمكن القول إنّ الكائن الشعري الذي يرسمه فؤاده الإنساني يبدو بطلاً سردياً تُحاول الأداة الشعرية صياغة ملامحه، والكشف عن حكايته الفردية التي تتحرك بين عواطف وأفكار من خلال الاستعانة بطرق بناء مُختلفة.



«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.