على ارتفاع 30 ألف قدم فوق أجواء سوريا.. ركاب لا تقلقهم سوى المطبات الجوية

المشهد أراض جافة خلال 70 دقيقة تقطعها الرحلة بين بيروت وعمان

منظر عام لمدينة دمشق (غيتي)
منظر عام لمدينة دمشق (غيتي)
TT

على ارتفاع 30 ألف قدم فوق أجواء سوريا.. ركاب لا تقلقهم سوى المطبات الجوية

منظر عام لمدينة دمشق (غيتي)
منظر عام لمدينة دمشق (غيتي)

من داخل طائرة تحلق باتجاه الشرق على ارتفاع يبلغ 30 ألف قدم، وتخلف وراءها التلال والمزارع المتنوعة في لبنان، تظهر أمواج الصحراء السورية على الأفق كأنها شواطئ رسمتها حركات المد والجزر.
في مكان ما في الجنوب توجد العاصمة دمشق، حيث تقوم الطائرات الحربية الحكومية بقصف الضواحي المتمردة وتتطاير قذائف مدافع الهاون الخاصة بالمسلحين لتستقر في وسط المدينة تقريبا. وتوجد في شمال البلاد مدينة حمص، التي تحول وسطها إلى أكوام من الركام بفعل سنوات متواصلة من القتال، وتوجد أبعد من ذلك دير الزور، تلك المحافظة الصحراوية التي تقصف فيها المقاتلات الأميركية آبار النفط التي يديرها مسلحو تنظيم داعش.
لا يبدو أن أيا من هذه الفوضى الموجودة تحتنا على الأرض قد ألقت بالرعب في الركاب الموجودين على متن هذه الرحلة المتوجهة من بيروت إلى عمان، عاصمة الأردن.
تعتبر شركة «طيران الشرق الأوسط»، اللبنانية واحدة من الشركات القليلة التي لا تزال تعبر المجال الجوي السوري بشكل روتيني. والكثير من الأشخاص المنتظمين على هذه الخطوط، بمن فيهم هذه المراسلة الصحافية، فضلوا هذه الرحلة لأنها، حتى ولو انحرفت قليلا عن مسارها الذي كان موجودا قبل الحرب لتتجنب دمشق، تستغرق 70 دقيقة فقط وهو معدل يقل بمقدار 40 دقيقة عن الطرق الملتوية التي تسلكها شركات الطيران الأخرى.
قام ركاب كانوا محظوظين لدرجة أنهم حصلوا على صف من المقاعد بالاستلقاء عليها بأخذ غفوة قليلة من النوم، وتجاهلوا المضيفات اللاتي كن يحملن ساندويتشات بالجبن والزيتون. كان الأطفال يتأملون في المقاعد، بينما كان رجال الأعمال والمسؤولون الأمميون يطالعون أوراقهم. وكان الركاب السوريون الذين طردتهم الحرب إلى المنفى يتتبعون مسار الطائرة عبر خريطة موجودة على شاشات موجودة على ظهور المقاعد ويتأملون بحزن أثناء فترة ما بعد الظهر من خلال النافذة كما لو كانوا يتعلقون بأمل النظر إلى منازلهم.
أعلن الطيار، أثناء رحلة طيران ليلية مؤخرا: «نحن نحلق الآن فوق منطقة غير مستقرة. يرجى العودة إلى مقاعدكم». لم يكن يشير إلى وجود سياسات أو مناورات عسكرية موجودة في الأسفل، ولكنه كان يشير إلى وجود مطبات جوية.
أصدرت السفارة الأميركية في بيروت، الشهر الماضي، تحذيرا يحث رعاياها على تجنب رحلات الطيران في الأجواء السورية وحظرت على موظفيها القيام بمثل هذه الرحلات - وتعتبر هذه الرحلات مصدر قلق مبرر بعد إسقاط طائرة ماليزية في شهر يوليو (تموز) عن طريق صاروخ انطلق من منطقة صراع أخرى، وهي أوكرانيا.
ولكن بالنسبة لكثير من المسافرين على شركة «طيران الشرق الأوسط»، تتلاشى مثل هذه التحذيرات وسط ضجيج الصراع الدائم والدائر في المنطقة.
تعتبر الحركة الجوية من بيروت حاليا أكثر أمانا مقارنة بسنوات الحرب الأهلية، عندما كانت عمليات اختطاف الطائرات تتم على نحو روتيني، سواء على يد الميليشيات الشيعية التي قتلت غواص البحرية الأميركية الذي كان على متن طائرة «تي دبليو أي» الرحلة «847» عام 1985 وألقت به في مدرج المطار، أو الطيار الساخط الذي طالب بترقية ومعاطف شتوية لعمال المطار. لم يعد مطار بيروت يشبه المطار الذي كان موجودا في ثمانينات القرن الماضي، فهو يتلألأ بأضواء عيد الميلاد ومحلات بيع منتجات «شانيل» من مستحضرات التجميل، والأحذية المرصعة بالجواهر، والبقلاوة. ينتظر الركاب عند البوابات للقيام برحلات جوية إلى مدينة النجف في جنوب العراق وإلى دبي وإلى الرياض، ويحلق الكثير كذلك في أجواء سوريا دون ضجيج.
تحلق الطائرة التي تنطلق متجهة إلى عمان، شمالا بمحاذاة الساحل اللبناني، ثم تتجه نحو الشرق عبر الجبال الخضراء التي تزينها تجمعات من الفيلات والمباني السكنية. ثم تعبر وادي البقاع، الذي انطلق مقاتلو «حزب الله» من خلاله إلى داخل سوريا لمساعدة الحكومة على استعادة السيطرة على بلدة القصير، وفوق جبال القلمون السورية، التي لا تزال تؤوي متمردين.
تعرض الشاشات الموجودة خلف المقاعد مقطع ممنتج للدعاية لنسخة الشركة المعلنة من المعالم السياحية في لبنان: نعم توجد غابات الأرز وحلويات الفستق، ولكن يوجد كذلك أماكن حفلات الزفاف الفخمة وعيادات جراحات التجميل، حيث يمكن للعملاء التعافي في غرف موجودة بها تشبه أجنحة الفنادق. يستعرض الركاب الصحف المجانية لمعرفة آخر الأخبار اللبنانية. «مقتل 6 جنود في كمين للإرهابيين».
على متن رحلة حديثة، كان جوزيف كميد، وهو مصمم ديكور داخلي، متجها لوضع الديكور لمتجر جديد معفى من الرسوم الجمركية في مطار عمان المتلألئ الذي خضع لتوسيعات، وكان فرمان الشكري مسافرا من أجل عمله الخاص بصناعة الملابس، وقد ظهرت علامات الدهشة على الشخصين تفاعلا مع سؤال عما إذا كانت تنتابهم أي مخاوف من الطيران؟
قال شكري: «مشكلتي هي أن العمل سيئ». وأعرب عن شكواه من أن الصراع المتواصل منذ أكثر 3 سنوات تسبب في إغلاق مصانع النسيج السوري وتثبيط السوق. يبدو أن مخاطر الرحلة، ومعاناة هؤلاء الذين يستطيعون تحمل تذكرة ذهاب وعودة ثمنها 250 دولارا، ضئيلة مقارنة بما يواجهه السوريون العالقون على الأرض: فالمدن والاقتصادات في حالة خراب، ولقي أكثر من 200 ألف شخص مصرعهم. كما تسبب القتال في فرار أكثر من 3 ملايين لاجئ، مليون منهم في لبنان، و620 ألفا آخرين في الأردن.
وتشتمل الحرب في سوريا وتحذيرات السفر الحادة الصادرة من القنصليات في لبنان على مخاطر، على سبيل المثال لا الحصر، التعرض لهجمات صاروخية وتفجيرات انتحارية واندلاع اشتباكات بين السلطات والعناصر الإجرامية، والقتال الذي قد يندلع في أي وقت بين الجماعات المسلحة وإسرائيل.
كل تلك المخاطر موجودة، على أرض الواقع، ولكن هذه القائمة من الكوارث المحتملة تختفي أمام الخبرات اليومية في لبنان في مواقع البناء الصاخبة والاختناقات المرورية، ومراكز التسوق المتلألئة والمزارع الموحلة، فدولة لبنان بلد، رغم أزمة اللاجئين والصراع الموجود على الحدود وتنقلات الأغنياء والفقراء للعمل والمدارس، نادرا ما يواجه تهديدا مباشرا أكثر من نقطة تفتيش تابعة للشرطة.
بعد الهبوط في عمان في إحدى الأمسيات مؤخرا، ذكرت إحدى المضيفات أن تحذيرات السلامة «جميعها مدفوعة سياسيا، لتجعل صورة سوريا تبدو سيئة»، وأن الشركات المنافسة تتحاشى المجال الجوي السوري لأنهم يخشون من انتقام الطائرات الحربية الحكومية منها بسبب دعم دولهم للمعارضة ضد الرئيس بشار الأسد.
«لن نهدر حياتنا وحياة الطيار»، هكذا أضافت مضيفة الطيران التي تقوم برحلتين يوميا على الأجواء السورية وامتنعت عن ذكر اسمها لأنه غير مصرح لها بالحديث بالنيابة عن شركة الطيران. وقالت: إن «الركاب غالبا ما يسألون: هل هي آمنة؟ ولكنها تشك في أنهم خائفون لهذه الدرجة، وإلا فلن يكونوا على متن الطائرة».
من جانبها، قالت ايرينا برينتس، وهي مسؤولة أممية تقوم بهذه الرحلة بانتظام: إنه «عندما بدأ المسلحون السوريون في إسقاط طائرات عمودية وطائرات حربية تحلق على ارتفاعات منخفضة في بعض الأحيان قبل عامين، أعادت التفكير في خط سيرها، ولكن سرعان ما اختفت مخاوفها وقامت بشراء تذكرتها التالية».
ويرى المسؤولون الأمميون الذين يقومون برحلات مكوكية من وإلى دمشق، حيث تم قصف فندق فور سيزونز الذي كانوا يقيمون بها، أن التفكير في الطائرة يعتبر أقل اهتماماتهم.
تأملت برينتس وكان يعلو وجهها الأسى والحزن خلال رحلة طيران مؤخرا وهي تنظر إلى أراض جافة تخطها طرق رمادية وتجمعات متناثرة من المنازل، وقالت إنها «تتطلع إلى يوم ننظر فيه من الجو إلى الأرض ونعلم أن الحرب قد وضعت أوزارها».
* خدمة «نيويورك تايمز»



العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.