خواطر حول فلسفة الزمن الحاضر

عملية تحرير الفكر العربي لا يمكن أن تحصل من دون معركة كسر عظم

هيغل  -  كيركيغارد
هيغل - كيركيغارد
TT

خواطر حول فلسفة الزمن الحاضر

هيغل  -  كيركيغارد
هيغل - كيركيغارد

هناك نظريتان لفلسفة التاريخ: الأولى تقول إنه ليس للتاريخ البشري أي معنى؛ والثانية تقول العكس: أي إن له معنى ما ووجهة محددة، ولكنها لا تُرى بالعين المجردة، وحدها عين الفلاسفة الكبار تستطيع أن تراها. الأولى تلخصها عبارة شكسبير الشهيرة الواردة على لسان ماكبث: «الوجود البشري عبارة عن قصة مروية من قبل أبله، قصة مليئة بالضجيج والعجيج والهيجانات الجنونية، ولكن لا معنى لها». ضمن هذا المنظور، يمكن أن نشعر باليأس أمام مشهد السلوك البشري. إنه عبث في عبث، تفجيرات في تفجيرات، مذابح في مذابح، طوائف ومذاهب مشتعلة... وهذا يعني أن البشر منخرطون في مغامرة عمياء لا يرى فيها العقل بصيص نور ولا أي نظام أو قانون. وهذا التصور العبثي لمسيرة التاريخ يتطابق عموماً مع تصور شوبنهاور المتشائم السوداوي. فهو على عكس عدوه اللدود هيغل لا يعتقد إطلاقاً بأن التاريخ يتقدم إلى الأمام، أو أن الإنسان يمكن أن يتحسن ويصبح أفضل مما كان عليه. ففي رأيه، لا يتطور الإنسان ولا يتغير، وإنما يظل هو هو عبر العصور والأجيال. إنه يظل أسير نزواته وغرائزه السيئة عموماً. لماذا؟ لأنه خاضع لمبدأ الإرادة الأساسي الذي يتحكم بالبشر، ألا وهو الأنانية. الإنسان أناني بطبعه، وفي أعماق أعماقه؛ إنه شخص متقوقع على ذاته، ولا ينتعش إلا على مصائب الآخرين. وقد كان كذلك منذ أقدم العصور حتى اليوم، وسيظل كذلك حتى نهاية الأزمان. الإنسان البدائي أناني، والإنسان الحضاري أناني، لا فرق في ذلك بين سكان باريس الحضارية وسكان أدغال أفريقيا البدائية؛ الجميع محكومون من قبل المبدأ والقانون الصارم أنفسهما، وبالتالي فلا تطور في التاريخ ولا تقدم ولا من يحزنون.
ولكن هناك التصور المتفائل المضاد لتصور شوبنهاور، وهو يتجسد في عدة فلسفات تقدمية للتاريخ، أولها فلسفة كانط، وثانيها فلسفة هيغل، وثالثها فلسفة ماركس، ورابعها فلسفة سان سيمون، وخامسها فلسفة أوغست كونت، وآخرها فلسفة فرانسيس فوكوياما ذات الاستلهام الهيغلي. كان كانط ينظر إلى التاريخ على أساس أنه عبارة عن تحسين تدريجي للوضع البشري، أو للإمكانات المضمرة الموجودة في الطبيعة البشرية. كان ينظر إلى التاريخ بصفته صيرورة يطور الكائن الإنساني من خلالها كل الإمكانات المضمرة التي يحملها في داخله، وهي تشبه البذور قبل أن تتفتح. وهكذا، يخرج الشيء من حالة الكمون إلى حالة التحقق الفعلي، وبالتالي فكانط متفائل بالنتيجة أو المحصلة النهائية، رغم كل هذه الفوضى الظاهرية للتاريخ أو حتى الفظائع والحروب الأهلية. والسؤال المطروح الآن هو التالي: كيف يمكن للصراعات الدموية والأهواء البشرية الهائجة والمجازر أن تكون محركاً للتاريخ أو وسيلة للتقدم البشري؟ الجواب هو أن التاريخ يصفي حساباته مع نفسه، ويعزل تراكماته من خلال كل هذه الفظاعات والتفجيرات المرعبة والآلام. وبالتالي، فنحن جميعاً لسنا إلا وقوداً أو حطباً لقطار التاريخ. وهنيئاً للأجيال المقبلة التي ستتمتع بثمار كل ذلك، والتي ستنهض على أنقاضنا. وهذا يعني أن البشر سائرون لا محالة نحو التقدم، نحو الحرية، نحو الانعتاق من براثن الماضي، ولكن بعد أن تدفع الأجيال السابقة الثمن. بعد ثلاثين أو أربعين سنة مقبلة، سوف تظهر أجيال عربية «نظيفة أو مطهرة ومنظفة»؛ أي متحررة كلياً أو جزئياً من العصبيات الطائفية والمذهبية المدمرة. ولكن بانتظار ذلك، كم ستتعذب وتحترق أجيال؟
ثم جاء هيغل، أكبر منظر لفلسفة التاريخ، الذي كان يعتقد أن وراء كل ما يفعله البشر يختبئ عقل كوني أو روح مطلقة. وهذا العقل الكوني هو الذي يقود العالم نحو مزيد من الحرية، ومزيد من العقلانية، ومزيد من الأخلاقية. وهذا ما تحقق في ألمانيا بعد أن تجاوزت مرحلة الحروب المذهبية الكاثوليكية - البروتستانتية الضارية، وأصبحت أوروبا حضارية مستنيرة. ولكن كم هو الثمن المدفوع والدم المراق؟ نصف شباب فرنسا ذهبوا حطباً أو وقوداً في حروب نابليون، وثلث سكان ألمانيا في حرب الثلاثين عاماً! والفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري يعتقد أن فلسفة كانط وهيغل والأنوار كلها ليست في نهاية المطاف إلا علمنة ناجحة ورائعة للدين المسيحي، وللمذهب البروتستانتي اللوثري على وجه الخصوص. إنها تفكيك راديكالي للانغلاقات التراثية المسيحية التي سببت الحروب الطائفية أو خلعت عليها المشروعية الإلهية. فمتى سيظهر مفكر عربي قادر على عقلنة التراث الإسلامي أو علمنته أو تنويره من الداخل؟ هذا هو السؤال المطروح حالياً، وبإلحاح: من سينقذنا من جهالات التخلف وظلاميات القرون؟
قد تقولون وما علاقة كل ذلك بالتاريخ العربي؟ علاقته أكثر من واضحة، فما ينطبق على التاريخ البشري ينطبق أيضاً على التاريخ العربي؛ نحن لسنا استثناء ولا استعصاء على الجنس البشري. الفرق الوحيد بيننا وبين الأمم المتقدمة هو أنهم حلوا مشكلاتهم، وصفوا حساباتهم التاريخية مع أنفسهم على مدار قرنين أو ثلاثة. لقد أتيحت لهم الفرصة الكافية لكي يفتكوا بأنفسهم فتكاً ذريعاً في حروب أهلية طائفية لا تبقي ولا تذر. وبعدئذ، استقروا واستكانوا وتعقلنوا وتصالحوا بعضهم مع بعض من خلال فكر ديني جديد. ولكن ليس قبل ذلك! أما نحن فلم يتح لنا حتى الآن أن نفعل ذلك ونتنفس الصعداء. لم يتح لنا أن نكنس أمام بيتنا حتى الآن، ولا أن نعزل تراكماتنا التراثية المتكدسة بعضها فوق بعض على مدار القرون. وأقصد بها تفكيك كل رواسبنا الطائفية والمذهبية والعرقية الموروثة عن الماضي البعيد. ما معنى الصراع السني - الشيعي؟ ما معنى الصراع العربي - الكردي؟ ما معنى الصراع الإسلامي - المسيحي؟ ما معنى الصراع العربي - الأمازيغي في منطقة المغرب الكبير؟ وهذه العملية التفكيكية أو التحريرية الهائلة للفكر العربي لا يمكن أن تحصل من دون معركة كسر عظم على صعيد الواقع العملي. هناك انهيار على مستوى الفكر، وانهيار على مستوى الواقع، وبالتالي فتفكيك بنية الاستبداد التاريخي الراسخة في خلايانا وشراييننا عملية ليست سهلة على الإطلاق. لهذا السبب يحصل ما يحصل الآن.
هذه هي مسيرة التاريخ البشري؛ إنه دموي عاصف قبل أن يصل إلى شاطئ الأمان. وهناك ثمن باهظ مدفوع. لقد ابتدأت عاصفة التاريخ العربي، ابتدأت الزوابع والأعاصير، ولن تنتهي عما قريب. لماذا أبيع نفسي الأوهام؟ فهناك احتقانات تاريخية ضخمة متراكمة على مدار ألف سنة، وليس من السهل تجاوزها أو القفز عليها أو حلها في يوم أو يومين، بل إن ذلك من رابع المستحيلات. لقد حاولت الآيديولوجيات التقدمية العربية ذلك، من البعث إلى الناصرية إلى الماركسية الاشتراكية الشيوعية، ولكنها فشلت في نهاية المطاف. فالعقبة التراثية الكأداء أكبر منا، إنها لا تزال أمامنا. ولذلك نقول ينبغي أن تفرغ البراكين التراثية العميقة كل احتقاناتها المتراكمة، وتقذف بكل حممها الجوفية، قبل أن ينجلي الأفق العربي عن سماء صاحية. أما الآن، فهي ملبدة بالغيوم أكثر من اللزوم، كما يقول شكسبير. ولن تصحو قبل هبوب الإعصار. بكلمة مختصرة: لقد ابتدأت تصفية الحسابات التاريخية للعرب مع أنفسهم، وسوف تهتز الأرض كلها قبل أن تنحل! ولن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام قبل المرور بمرحلة الانصهار التاريخي، وأتون المعاناة الخلاقة، والاحتراق.
أخيراً، سأقول ما يلي: لقد كان التاريخ العربي يعاني من انسدادين خطيرين كبيرين: الأول تراثي داخلي، وقد تحدثت عنه فيما سبق. وأما الثاني، فهو سياسي خارجي، وأقصد به الصراع العربي - الإسرائيلي الجهنمي المدمر. على مدار سبعين سنة، كان شغلنا الشاغل وبحق. فلم يكن من السهل تحمل كل هذا الظلم والقهر الذي لحق بفلسطين وشعبها. وكان من الطبيعي أن تجيش كل الطاقات لمواجهة هذا الكابوس الرهيب الذي فرض علينا من الخارج فرضاً بشكل اعتباطي تعسفي. ولكن بعد مرور نحو القرن على الفجيعة الفلسطينية الكبرى، وبعد كل تلك التضحيات الجسام، هل يمكن أن نستمر على الخط نفسه، أم أن هناك خطاً آخر ممكناً لقيادة الصراع؟ أقصد أنه قد يتحول من صراع قتالي إلى صراع حضاري، ومن الرفض المطلق للآخر إلى الاعتراف بوجوده. أعرف أن قبول ذلك أصعب علينا من تجرع السم الزعاف، بعد أن عشنا على كرهه ونبذه في المطلق زمناً طويلاً. ولكن لا بد مما ليس منه بد. بصراحة، التاريخ تعب من الآيديولوجيا العربية القديمة التي هيمنت علينا بكل شعاراتها ومقولاتها طيلة قرن كامل تقريباً. لقد مللنا منها، وهي الآن تحتضر أمام أعيننا، رغم كل الصراخ والزعيق والحنين لجيوش من المثقفين والصحافيين. وبالتالي، فلا بد من تجديدها، وتجريب خط آخر. فإذا كانت إسرائيل تمتلك جامعات حديثة ومراكز بحوث تؤمن لهم ليس فقط التفوق العلمي والتكنولوجي، وإنما أيضاً التفوق الفكري والفلسفي، فلماذا لا نمتلك نحن؟ إذا كانت جامعاتها تسمح بطرح كل المسائل الفكرية، بما فيها الدينية الحساسة، فلماذا لا نمتلك نحن؟ باختصار شديد، إذا كانت تسيطر على الحداثة العلمية والدينية والفلسفية، فلماذا لا نسيطر نحن؟ هذه هي بعض التساؤلات التي قد تخطر على البال. لماذا أركز كل هذا التركيز على المسائل الدينية والتنويرية؟ لأننا بحاجة إلى التطبيع مع أنفسنا أيضاً، وليس فقط مع إسرائيل! هناك تطبيعان في الواقع مطروحان علينا، لا تطبيع واحد، وإن كان التطبيع مع إسرائيل هو الأصعب والأشق على النفس بطبيعة الحال. أخيراً، لقد تجرأت الإمارات العربية المتحدة على فتح ثغرة في جدار التاريخ المسدود. من هو هذا القائد العربي الذي قفز القفزة واتخذ القرار؟ «لحظة حسم القرار لحظة جنون»، كما يقول الفيلسوف الكبير كيركيغارد. ثم تبعتها البحرين، بلد الثقافة والمحبة والخير والجمال.



دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.