يد على الزناد وعين على المفاوضات... هجوم «طالبان» على قندوز يكشف استراتيجيتها

وفد «طالبان» يصل الدوحة لإجراء محادثات السلام مع الحكومة الأفغانية (أ.ب)
وفد «طالبان» يصل الدوحة لإجراء محادثات السلام مع الحكومة الأفغانية (أ.ب)
TT

يد على الزناد وعين على المفاوضات... هجوم «طالبان» على قندوز يكشف استراتيجيتها

وفد «طالبان» يصل الدوحة لإجراء محادثات السلام مع الحكومة الأفغانية (أ.ب)
وفد «طالبان» يصل الدوحة لإجراء محادثات السلام مع الحكومة الأفغانية (أ.ب)

ظل خان أغا صابراً يتحمل العنف في قندوز على مدى سنوات، لكن ما أثار انزعاجه كان الهجوم الذي شنته حركة «طالبان» على المدينة الاستراتيجية بشمال شرقي أفغانستان، في وقت تستعد فيه الحكومة والمتمردون لدخول محادثات سلام تاريخية.
قال أغا، وهو سائق يبلغ من العمر 46 عاماً، لوكالة «رويترز» للأنباء «يعيش معظم سكان قندوز في خوف مثلي... عندما ننظر إلى ما يجري، يمكن (استنتاج) أن أي شيء قد يحدث في أي لحظة».
جاء هجوم «طالبان»، التي طوقت قندوز وأوشكت على الاستيلاء عليها أواخر الشهر الماضي، قبل أسابيع فقط من جلوس حكومة كابل مع أعدائها الألداء في الدوحة، يوم السبت الماضي، لبدء محادثات تحمل وصف «التاريخية» بهدف إنهاء الحرب الدائرة منذ 19 عاماً والتي قُتل وأصيب فيها أكثر من 100 ألف مدني.
كانت مراسم الافتتاح في فندق كبير في الدوحة والتي تخللتها دعوات السلام من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ونداءات وقف إطلاق النار من عدد من الشخصيات المرموقة عبر رابط فيديو، تتناقض بشكل صارخ مع أعمال العنف الأخيرة على الأرض في قندوز.
وبعد ساعات فحسب من بدء المحادثات، اندلعت الاشتباكات بين القوات الحكومية و«طالبان» بمختلف أنحاء البلاد، حسبما قال مسؤولون، في حين يسلط الضوء على صعوبة التحدي المتمثل في إنهاء الحرب الطويلة.
كانت أعنف تلك الاشتباكات وقعت (السبت) في قندوز، عندما اشتبكت «طالبان» مرة أخرى مع قوات الأمن بهدف السيطرة على الطرق السريعة الرئيسية، في حين شن الجيش الأفغاني ضربات جوية ومدفعية.
كان أغا قد تقطعت به السبل لمدة أربعة أيام خارج المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 270 ألف نسمة، في الهجوم الأكبر الشهر الماضي عندما عجز عن الوصول إلى أسرته في طريق عودته من عملية تسليم. ومنذ ذلك الحين قام بتخزين ما يكفي من الطعام لمدة ثلاثة أشهر في منزله الصغير.
ولم يحظ هجوم أغسطس (آب) بتغطية تذكر رغم أنه الأسوأ منذ عام 2015 عندما سقطت قندوز لفترة وجيزة في أيدي «طالبان».
ويكشف تدقيق وكالة «رويترز» في هذا الهجوم كيف كثف المتمردون الضغط في الآونة الأخيرة على هذا المركز الحضري الاستراتيجي، الذي يمثل بوابة في الشمال للأقاليم الغنية بالمعادن ولوسط آسيا، ومركز نقل وتهريب المخدرات.
وتنفي «طالبان» هجوم قندوز وتقول، إن مقاتليها لم يهاجموا سوى قواعد عسكرية رداً على قيام القوات بإطلاق النار على مناطق قريبة.
وقال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم «طالبان»، «منذ بداية العام لم نخطط لشن هجمات ضخمة على أي مدينة كبيرة لسبب وحيد، هو عملية السلام... الهجوم على المدن الكبيرة يمكن أن يلحق الضرر بهذه العملية».
ورغم فشلها في نهاية المطاف، فإن المحاولة الجريئة للسيطرة على مركز حضري استراتيجي والضغط المتواصل يكشفان أن «طالبان» تطبق استراتيجية القتال مع المحادثات، وتتجاهل إلى حد كبير النداءات والمطالب الدولية الداعية إلى تخفيف حدة العنف والاتفاق على وقف إطلاق النار.
وقال دبلوماسي غربي كبير «شعلة الطموح لتوسيع السيطرة على الأراضي لم تنطفئ... يريدون أن يظل مقاتلوهم نشطين على الأرض، وهذا مبعث قلق كبير قبل المحادثات؛ لأن أساس الثقة وبناء الثقة يعتمدان على خفض العنف».
يأتي استعراض «طالبان» قوتها في وقت تسحب فيه الولايات المتحدة قواتها على عجل من أفغانستان؛ تنفيذاً لوعود الرئيس دونالد ترمب بإنهاء أطول حرب أميركية. وحدد اتفاق أُبرم في فبراير (شباط) بين واشنطن و«طالبان» موعداً للانسحاب النهائي في مايو (أيار) 2021، على أن يكون ذلك رهناً بضمانات أمنية معينة.
ومن المتوقع خفض قوام القوات الأميركية بأفغانستان إلى 4500 بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) نزولاً من أكثر من 100 ألف في 2011.
وقالت إليزابيث ثريلكيلد، نائبة مدير برنامج جنوب آسيا في مركز «ستيمسون» ومقره واشنطن، إن «هجوماً خطيراً شنّته (طالبان) على مدينة قندوز، مخالف، في روحه على الأقل، لاتفاق الولايات المتحدة و(طالبان) ونذير شؤم قبل المفاوضات بين الأفغان».
وشنّت «طالبان» هجومها في الفترة من 20 إلى 26 أغسطس، بعد إحكام قبضتها تدريجياً على المناطق الريفية المحيطة بقندوز، واستولت على نقاط تفتيش عدة وقاعدتين على الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة.
وقال ثلاثة من أعضاء المجلس الإقليمي، إن هذه الخطوات أشعلت المخاوف من أن المتمردين أصبحوا في طريقهم لفرض سيطرتهم. وقال عضو المجلس، أسد الله سعدات «اقتربوا من المدينة لدرجة أن أسلحتهم الصغيرة كان يمكنها الوصول بسهولة إلى مقر الشرطة ومجمع الحاكم».
وشرد القتال أكثر من 60 ألفاً، حسبما قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
والآن بعد أن جلست الحكومة و«طالبان» معاً لإجراء محادثات سلام، بعد أشهر من التأخير، يقول مسؤولون، إن الأولوية القصوى هي للتفاوض على وقف شامل لإطلاق النار، وهو ما طلبته الحكومة الأفغانية مرات عدة، لكن «طالبان» ترفضه.
وقالت ثريلكيلد «تمثل قدراتهم العسكرية تهديداً للحكومة الأفغانية، ومن المرجح أن يواصلوا الهجمات في الأشهر المقبلة مع بدء المفاوضات».
وقال فؤاد أمان، المتحدث باسم وزارة الدفاع، إن القوات الأفغانية صدت مقاتلي «طالبان» بضربات جوية عدة. وأضاف، أنه في واحد من أشد أيام القتال ضراوة، لاقى 34 من مقاتلي «طالبان» حتفهم وأصيب 24.
وقال عضو في المجلس المحلي، إن أكثر من 100 من «طالبان» قُتلوا وأصيب 100 آخرون.
وعلى الرغم من انتهاء التهديد المباشر للمدينة، يقول أفراد من قوات الأمن المحلية لـ«رويترز»، إن المنطقة ما زالت تحت ضغط.
وقال رجل، طلب عدم نشره اسمه، إنه خلال سبعة أعوام قضاها في قوات الأمن الأفغانية، في بعض من أشد المناطق صعوبة، لم يتعرض قط لمثل هذا الضغط الذي تعرض له في قندوز عندما ظلت وحدته في مرمى النيران على نحو متواصل ولم يكن بإمكانهم ترك عرباتهم في مكان مكشوف ولو لبضع ساعات دون أن تنطلق عليها الصواريخ.
وأضاف «نظرية شائعة هنا... كلما زادت المكاسب بساحة القتال، زادت المكاسب على طاولة المفاوضات... لقد عشت أسوأ أيام عمري هنا».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...