قصص مراسلين ومصورين لبنانيين بدّلت الإنسانية مسار مهمتهم

إثر انفجار بيروت تخلوا عن الميكروفون والكاميرا وتحولوا إلى مسعفين

مشهد من المرفأ
مشهد من المرفأ
TT

قصص مراسلين ومصورين لبنانيين بدّلت الإنسانية مسار مهمتهم

مشهد من المرفأ
مشهد من المرفأ

في اللحظة التي حصل فيها انفجار بيروت، في السادسة وخمس دقائق، من بعد ظهر الثلاثاء 4 أغسطس (آب) الحالي، قلة من البيروتيين استطاعت متابعة الحدث عبر الشاشة الصغيرة؛ فغالبيتهم كانوا في صدمة، ولم يستوعبوا ما يحصل على الأرض، وانشغلوا بأمور كثيرة غير التلفزيون. في هذه اللحظات بالذات، كان بينهم من يركض في منزله يستطلع الأضرار التي أصابته. وآخرون، وهم كثر كان وقع الانفجار كبيراً عليهم، وهم يشاهدون الدمار الذي يحيط بهم. فهرعوا إلى أجهزة التليفون يسألون عن أحبائهم ويتأكدون من سلامتهم. فيما كان عدد منهم يتفرجون على هول الكارثة وما أحدثته من دمار وتحطيم زجاج حولهم وهم يشعرون بالصدمة.
ومن كان يتابع شاشة قناة «إل بي سي آي». في تلك الآونة لا بد أن يكون قد وصل إليه صوت مراسلة نشرات الأخبار هدى شديد وهي تذكر بصوت متهدّج أن «انفجاراً استهدف بيت الوسط» وقد تملكها الرعب والخوف؛ فهي كانت في تلك الساعة تغطي الاجتماعات التي يعقدها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في مقره ببيت الوسط مع عدد من النواب الأرمن. وكغيرها من اللبنانيين ولقوة صوت الانفجار الذي فاجأهم اعتقدوا أنه أصاب المكان الموجودين فيه.
مراسلون ومصوّرون كحسان الرفاعي من «الجديد»، وعدنان الحاج علي من «وكالة الصحافة الفرنسية»، كانوا في طليعة الإعلاميين الواصلين إلى مكان الانفجار. بينما غيرهم، أمثال جورج عيد من تلفزيون «إم تي في». هرعوا إلى مكان الانفجار لا شعورياً ملبّين متطلبات مهنة المتاعب. عيد ترك كل شيء وغادر مبنى المحطة نحو المرفأ، وقد اختلطت عليه مشاعر إنسانية مختلفة لا سيما أن والده وخالتيه كانوا موجودين بمحاذاة مكان الانفجار.
قصص وحكايات تعبق بالألم والوجع والأشلاء والجرحى والضحايا يرويها كل منهم لـ«الشرق الأوسط» مستذكرين لحظات حفرت في ذاكرتهم. كلهم أجمعوا على القول إن هذه التجربة لا تشبه غيرها طيلة مشوارهم الإعلامي.
كثيرون منهم تخلوا عن ميكروفوناتهم وكاميراتهم وتحولوا إلى العمل الإنساني؛ فالسبق الصحافي في هذه اللحظات تبخّر من رؤوسهم. ومهمتهم كإعلاميين ينقلون الحدث من أرض الواقع حوّلتهم إلى مسعفين ومنقذين. ومنهم من لم يتوانَ عن قطع البث المباشر الذي يقوم به، ليلبي نداءً إنسانياً صادفه.
التجربة كانت قاسية عليهم لا سيما أنها كانت مغطاة بالدماء، وبأشلاء ضحايا ضاعت بين تربة رمادية ودخان أسود يخيم على موقع الانفجار.
كانوا أبطالاً من نوع آخر. هجموا إلى الخطوط الأمامية من دون تردد. ولعبوا دوراً بارزاً في نقل مشهدية الانفجار، وكل ما تحمله من ألم إلى العالم أجمع. وبرع هؤلاء وغيرهم في تغطية أحداث كثيرة في الآونة الأخيرة، فاستحقوا ثقة الناس. ومع حادثة انفجار مرفأ بيروت، نقل بعضهم إلى المستشفيات، بعدما تعرّضوا لإصابات مباشرة من جراء الانفجار.
البداية مع هدى شديد التي تسببت إطلالتها من أمام «بيت الوسط» المصاب مباشرة بالانفجار بإحداث فوضى حول تحديد مكان الانفجار. وتقول هدى في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «كنت يومذاك أقوم بتغطية اجتماعات الرئيس الحريري في منزله بيت الوسط. وكانت كاميرا زميلي المصور سابا مخلوف مفتوحة تنقل الوقائع مباشرة على الهواء، عندما حصل الانفجار. للوهلة الأولى لم نستوعب ما حصل، وظننا أن الانفجار استهدف بيت الوسط، لا سيما أن أضراراً أصابت المكان». وتتابع: «عادة أكون متماسكة في هذا النوع من الحالات، ولكن عندما تطايرت الأشياء أمامنا أُصبتُ بالهلع، واختلطت الأمور علينا جميعاً، لا سيما أن قوة الانفجار دفعتنا للاعتقاد أنه أصابنا مباشرة».
وتشير شديد إلى أنها عندما سألت أحد النواب المجتمعين بالرئيس الحريري عن ردّ فعلهم إثر سماعهم الانفجار أجابها: «لقد انبطحنا ثلاثتنا على الأرض، واعتقدنا أن بيت الوسط هو المستهدف من الانفجار». وتتابع شديد أن زميلها سابا مخلوف تلقى اتصالاً من محطة «إل بي سي». قبل دقائق للتوجه إلى المرفأ حيث هناك حريق يندلع. إلا أنها طلبت منه أن يسجل لها رسالتها قبل أن يغادر. و«هذا الوقت القصير أنقذ حياته»، كما تقول.

تحوّل إلى مسعف
مصور «وكالة الصحافة الفرنسية» عدنان الحاج علي يروي قصته مع الانفجار، فيقول: «كنتُ في منطقة رأس النبع عندما سمعت دوي الانفجار. هرعت إلى المرفأ ومرَرت بمنطقة وسط بيروت وبيت الكتائب في منطقة الصيفي. الجرحى والقتلى كانوا بالعشرات. عندما وصلت المرفأ رأيت مجموعات على بعض البواخر الراسية على الأرصفة تحمل جرحاها وشهداءها. وفي كل مرة كنت أقترب لمساعدة أحدهم، ظاناً للوهلة الأولى أنه حي يرزق، كنت أكتشف أن جسده مخلوع ومكسور وأنه ميت».
ويضيف عدنان بتأثر: «في غياب وجود أي من عناصر الدفاع المدني خلال اللحظات الأولى للانفجار، كان عناصر من الجيش اللبناني يساعدون الجرحى. لم أفكر ولو لبرهة بالتصوير، وفاتني أخذ لقطات كثيرة مؤلمة. كنت أحمل كاميرتي تارة، لأعود وأتركها تارة أخرى. ونسيت طبيعة مهمتي وتحوّلت إلى منقذ أحمل الجرحى، وأبحث بين والمصابين عمّن لا يزال يتنفس».
تجربة عدنان المؤثرة، التي لم يستطع أن ينساها منذ ذلك اليوم، عاش ما يشبهها مراسل الأخبار في محطة «إم تي في». جورج عيد، الذي قال في لقائه مع «الشرق الأوسط»، إن «التجربة كانت قاسية جداً. كنت أول الواصلين إلى المرفأ بعدما تركت مبنى المحطة وتوجهت نحو موقع الانفجار».
كان عيد كلما اقترب من الموقع يرى تزايد أعداد الجرحى. أطفال وشبان ومسنّون كانوا في حالة يرثى لها منهم من اقتلعت عينه وتكسرت قدمه وآخرون يغطيهم الدم.
«سبق لي أن غطيت أحداثا كثيرة مؤلمة في مشواري الإعلامي - يقول جورج - لكنني لم أشهد مثل هذا الانفجار. ثم إن الأمر هنا طالني شخصياً، طال مدينتي التي أعشقها. كان داخلي ينزف ويبكي، لا سيما أن عقلي كان مشوشاً ومشغولاً بأوضاع والدي وخالتي الموجودَيْن في مواقع قريبة من الانفجار. وعلى مدى نحو 40 دقيقة كنت أصف مشاهداتي على الهواء مباشرة وكأنني في كابوس لا أستطيع الاستيقاظ منه. كل ما حولي كان مؤلماً، وكنت أردد نداءات مستعجلة لـ(الصليب الأحمر اللبناني)، ورجال الدفاع المدني أدلّهم على أماكن الجرحى الذين أراهم من موقعي. حاولت مساعدة رجل مسنّ مجروح وأهدئ من روع مراسلة وكالة أجنبية. المشهد برمته كان رهيباً».
ومن بين الإعلاميين الذين فصلهم عن الموت لحظة مراسل تلفزيون «الجديد»، حسان الرفاعي. «كنتُ يومها أغطي التحركات الاحتجاجية أمام وزارة الطاقة في منطقة محاذية للمرفأ. وكنت أحضّر تقريري حول الموضوع، عندما سمعت دوي الانفجار الأول. وبعد اتصال مع إدارتي عرفت أن حريقاً اندلع في المرفأ، وتوجّهت إلى هناك». يحمد الرفاعي رب العالمين، لأنه كان هو الموجود هناك، وليس واحدة من زميلاته... «بنية الرجل قد تخوّله احتمال الأضرار بصورة أكبر، وهو ما عزّاني».
يروي حسان الذي ما إن وصل إلى نقطة مقابل مرفأ بيروت قرب تمثال المغتربين حتى ثبّت كاميرا التصوير مع زميله المصور جهاد زهري، فيقول: «في هذا الوقت كان الحريق قد تطوّر، وسمعنا صوت انفجار مفرقعات نارية. وفجأة رأيتُ دخاناً على شاكلة فِطْر يتصاعد في الأجواء. فأيقنت أن انفجاراً ما سيحصل، وقرّرت تنبيه زميلي. وفي لحظة سمعت دوي انفجار هائل، ورأيت زميلي يطير فوق رأسي. تمسكت بقاطع حديدي أمامي مثبّتاً قدمي على الأرض. ارتعبت وخفت وسقطت على الأرض غائباً عن الوعي، بعدما أصبت إصابة مباشرة في رأسي».
ويتابع: «عدتُ إلى وعيي للحظات، من خلال أحدهم كان يحاول مساعدتي، ورحت أصرخ: (ساعدوا زميلي... ساعدوا زميلي). ورأيت جهاد يتقدم مني والدماء تغطيه وراح يطمئنني أنه بخير».
كان الرفاعي وزميله المصور جهاد على بعد أمتار قليلة من موقع الانفجار، ولم يتوقعا الخطر الذي يحاصرهما. إلا أنه يقول: «أتذكر كمية المصابين والأعداد الهائلة من الجرحى حولي. صورة واحدة حُفِرت في ذهني؛ الدماء المتناثرة في كل مكان. لا أذكر كيف وصلتُ إلى المستشفى وتم إسعافي. مع قوة عصف الانفجار لم أستطع المقاومة كثيراً بعدما أُصبتُ بكسور صغيرة في جمجمتي وارتجاج في الدماغ... قالوا لي إنه جرى حملي إلى المستشفى، وأنا غائب عن الوعي. إنها فعلاً أصعب التجارب المهنية التي مررت بها».
تطول لائحة قصص المراسلين والمصورين الذين عايشوا تجربة الانفجار، وجميعها تزدحم بمواقف إنسانية مؤثرة. وحكاية مذيع ومراسل نشرات الأخبار في محطة «إل بي سي آي». مالك شريف واحدة منها. فهو من الإعلاميين الذين لم يتوانوا عن ترك الهواء للحظات طويلة كي يسهم في البحث عن حمد العطار.
روى الشريف لـ«الشرق الأوسط» تلك اللحظات قائلاً: «عندما رأيت والدته تجول يمنة ويسرة في المستشفى ضائعة لا تعرف مصير ولدها شعرت للحظة وكأنها أمي تبحث عني... كانت هائمة تحبس دموعها ولا تعرف إلى أين تتجه، ومَن تسأل عن ابنها وهي تردد: (ابني حلو ومليح وعيونو عسلية حدا شافوا)». عبارتها الشهيرة تلك التي تحولت فيما بعد إلى أغنية حزينة بصوت الشاعر فارس إسكندر كانت كافية لتحريك مشاعر مالك الشريف. الذي يتابع: «عندما يتخطى الأمر قدرة الإنسان، ينسى مهنته، وتأخذ طبيعة مهمته منحى مغايراً. لقد كان في حوزتي ورقة كتبتُ عليها أسماء الجرحى في المستشفيات. وعندما شاهدتُ والدة الشهيد حمد قررت مساعدتها من دون تردد. تركتُ الهواء ورافقتُها للبحث عن ولدها في أروقة المستشفى. كنت أنا أيضا مدمراً ومكسوراً أبكي كلما ابتعدت عن الكاميرا. كنت أتمنى أن تطمئن جميع الأمهات عن أبنائهن، فأعيد قراءة الورقة مائة مرة، لعلِّي أرى اسم ابن مفقود يبحث أهله عنه... هذه التجربة كسرتني، رغم أنني سبق أن عشتُ غيرها، مما زودني بالقوة وتعلمت منه الكثير».
أما صورة كارلن حتي المفجوعة بمقتل زوجها وشقيقها وابن عمها، التي تم تداولها بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي فوقّعها المصور جوزف عيد في وكالة الصحافة الفرنسية. يقول عيد لـ«الشرق الأوسط» بتأثر: «أُصبت بصمت تام لحظة التقاطي هذه الصورة الموجعة أثناء تشييع جثامين الشهداء الثلاثة في بلدة قرطبا. استوعبت حينها أنني لا أقوم بمهمتي من باب مهنتي، بل وكأني واحد من أهالي المفقودين. المشهد بكل حزنه ومآسيه عنى لي الكثير، فلمسني شخصياً، فكانت هذه الصورة المؤثرة».
جميع المراسلين من دون استثناء تلمس حزناً دفيناً في أصواتهم وفي طريقة سردهم لقصصهم. كلّهم قالوا إن ما مروا به ترك عندهم مرارة لن ينسوها. لقد تناسوا لبعض الوقت مهامهم الإعلامية، فأنقذوا وأسعفوا وساعدوا وتفانوا إلى حدّ الذوبان.



خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».


«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.