«نظرية الحمص»... لمسات وهوية مختلفة لاختصاصية تغذية

مدوَّنة تقدم لذائذ المطبخ الفلسطيني التقليدي بطرقٍ صحية

TT

«نظرية الحمص»... لمسات وهوية مختلفة لاختصاصية تغذية

زعتر أو بيستو بدلاً من الصلصات الدسمة، وخضراوات لا تُستخدم عادةً في السلاطات، وريحان طازج يؤنس الأطباق، ذلك بعضٌ مما تجرّبه ديالا شاهين التي تضيف بكل حماسٍ العدس إلى السلاطة مع أن الفلسطينيين اعتادوا في تراثهم على طهيه إما في الحساء أو في المجدرة.
وترتجل اختصاصية التغذية في إجراء تعديلٍ كاملٍ على الفريكة، أحد المكونات المشهورة في المطبخ الفلسطيني والتي تُحضر كشوربة في أيام الشتاء، طاهيةً منها أكلة كريمية مليئة بالنكهات، وفي نهارات مليئة بالحب تعجن فطائر السبانخ كاملة القمح وتقدم إلى جانبها سلاطة الكينوا الفلاحية أو سلاطة البرغل مع قوس قزح الخضراوات.
تنفتح شهيتها أكثر في أيام الجُمع لتحضير الفطور الفلسطيني المعروف بغموساته، راسمةً من مكونات محلية مغذية لوحة ألوان في صحون الخزف الزرقاء المزخرفة؛ مزدانة بالشكشوكة وقلاية البندورة والحمص والفول ومناقيش الزعتر؛ واللبنة مع الجوز والتين.
ولا يقاوم محبو «البرغر التقليدي» برغر ديالا النباتي، محتفيةً بمقاديره «الفلافل والفليفلة الحمراء المشوية مع الجبنة النابلسية البيضاء والبقدونس والرمان»، وتبدو لذيذة قوارب الباذنجان البيتري -نسبة إلى قرية بيتر في بيت لحم- المشوية مع صلصة الطحينة، لقد نجحت في تغيير المفهوم النمطي للطبق الصحي والذي يمكن أن يتجاوز ما هو أبعد من سلاطة وصدر دجاج مشوي، حسب قولها.
ديالا شابة خَليلية تخرجت في جامعة بريتيش كولومبيا في كندا «تخصص تغذية وصحة»، اختارت اسما جذاباً لمدونتها «نظرية الحمص» التي تخاطب فيها منذ ثلاثة أعوام باللغتين العربية والإنجليزية المجتمع المحلي والعالمي على حدٍّ سواء.
لا رتابة في أسلوب العرض، فوميض القصة والصورة له إشراقة محببة عند حديثها عن أطباق صحية ومحّدثة ذات جذور فلسطينية تقليدية تحضرّها بطريقة بسيطة وعملية لتجذب فئة الشباب بما يتماشى مع إرشادات التغذية الصحية، ضمن توليفة تختصر الطعام والثقافة والفن والعادات والتقاليد والتاريخ تطبخها جميعاً على نارٍ هادئة، آملةً من وراء هذا الجهد أن تغدو مدونتها دليلاً نافعاً لجيل الشباب.
ديالا في حديثها مع «الشرق الأوسط» أبدت اعتزازها بالمطبخ الفلسطيني الذي تراه واحداً من أغنى مطابخ العالم بالمكونات الصحية سيما مصادر البروتين النباتية مثل البقوليات التي لا غنى عنها كالعدس والحمص والفول، ويُعد محظوظاً بزيت الزيتون والدهون الصحية والخضراوات والفواكه والأعشاب واللحوم والتي تشكّل جمعاء منه نظاماً غذائياً مثالياً.
«هل من السهل على المرء أن يتخذ قراراً بالسير على نظامٍ صحي؟»... عاشقة «الحمص الحَب والطحينية»؛ الحمص الذي ألهمها باسم مدونتها ثائرة على أي محاولة لسرقته وتهويده من قِبل (إسرائيل)، تجيب عن سؤالي بالقول: «لا بد من توفر إرادة ونية للتغيير، ومن الضرورة بمكان الاقتناع بأهمية بناء علاقة صحية بين الأسرة والطعام والأخذ بزمام المبادرة لتغيير بعض عادات الطهي في ظل توفر وصفات صحية سهلة التطبيق، أعلم أنها ليست بخطوة سهلة وتتطلب وقتاً ومعرفة كافية، فأحياناً نظن أن عاداتنا صحية في حين أنها تكون بخلاف ذلك بسبب المعلومات المغلوطة المتداولة في موضوع التغذية».
- مسخّن للأحباب
في أثناء دراستها في كندا وبعد أن صارت ديالا تعيش بمفردها اكتشفت شغفها بالطهي ثم أخذت بنهم تتابع وصفات الطهاة وتنضم لحصص طبخ إن سنحَت الفرصة، وفي تلك الفترة لاحظت أن الكثيرين لا يعرفون عن الشعب الفلسطيني وثقافته ويتساءلون حول ذلك، ثم ظهرت أمامها فجوة أخرى تكمن في عدم معرفة المجتمع العربي نفسه بمكونات المطبخ التقليدي وعظم قيمتها الصحية، مما ولّد رغبة ملحّة لديها للكشف عن كنوز الأطباق الشعبية وإبراز ما تحويه من عناصر غذائية، معقبة بالقول: «يحزنني ابتعاد الأجيال الجديدة عن المطبخ الفلسطيني واستبدال الأطعمة الجاهزة والدهون غير الصحية به».
وتضيف: «متى سندرك أن الطبق الصحي لا يعني مكونات من المستحيل إيجادها أو التنازل عن الطعم والرائحة أو الحرمان من الطعام المفضل؟ طبق صحي يعني تغييرات صغيرة وبدائل بسيطة مع تحديد الكميات».
ولأجل طبق متوازن تنصح بملء نصف الطبق بالخضراوات الطازجة «أقل من مطبوخة» وأن يحتوي النصف الآخر على نوع من الكربوهيدرات المعقدة مثل الفريكة والبرغل والباستا كاملة القمح والأرز البني والبطاطا الحلوة، وبعضاً من البروتين عالي الجودة على أن يكون النباتي منه مرتين أسبوعياً على الأقل، ونصيحتها الدائمة: «تأكدوا من إضافة خضراوات أو فواكه طازجة قدر الإمكان، وتجبنوا الإضافات عالية السعرات مثل الصلصات والتتبيلات».
تميل ديالا كثيراً إلى استخدام البقوليات مثل العدس والحمص والفول، وكذلك إلى المكونات المتوسطية مثل جبنة الفيتا والبندورة المجففة والريحان، بالإضافة إلى البهارات مثل الزعتر والسماق، كلها تمنح نكهة طيبة وتحقق التوازن المطلوب، تبعاً لقولها، أما الحمص فإنها لا تتردد في تناوله مع أي طبق وأياً كان موعد الوجبة، ولا تملّ أبداً من تحضيره بنكهات وأطباق جديدة، وبالنظر إلى الفلافل فإنها قدمته بطرقٍ مختلفة وفي جميعها كان مشوياً.
«إذا حدا بحبك كتير بحضرلك مسخن» لا يختلف اثنان على ذلك، لذا سارعت الشابة الفلسطينية إلى تحضير المسخن بطريقة صحية تتحكم بموجبها في كمية زيت الزيتون، وتحلّ هنا صدور الدجاج بدلاً من الأفخاذ مع السماق والبصل و«خبز شراك» وإلى جانبه اللبن أو السلاطة الملونة، وبطبيعة الحال نال «مسخنها» إعجاب الكثيرين، فيما قدّمت الشاورما على هيئة سلاطة وتحكمت فيها بمقدار الزيت والبهارات، وقلّلت في المخبوزات من السكر والزبدة.
وتحاول لفت الانتباه إلى التنوع؛ فبدلاً من التركيز على الدجاج واللحوم الحمراء تتجه إلى تقديم الأسماك بطرق سهلة وصحية، ولا تَغفل عن تحضير وجبات رئيسة مشبعة تعتمد على مصادر البروتين النباتية، آخذة في الحسبان الحلويات التقليدية مثل مهلبية البرتقال.
إذن من الواضح أن تطوير الوصفات يكلفها الكثير من الوقت والجهد بما تقدره بخمس ساعات يومياً يتخللها تصوير وكتابة ونشر في وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك لا تشعر بأي تعب لأنها أولاً وأخيراً تستمتع باستحداث بدائل تحتاج إليها شخصياً ومن ثم تشاركها مع الناس.
- ببساطة وذكاء وحب
تنقل ديالا لمتابعيها أجواء يومياتها في أسواق مدينة رام الله التي تجولها بصحبة والدها لتنعم بفرحة صغيرة عندما تشم رائحة الخُضرة البلدية، ويوماً بعد آخر يزيد التفاعل معها بشكلٍ يفوق التوقعات، بعد أن تعرضت في البداية لانتقادات إزاء تغييرها في بعض الوصفات، في حين يجهل كثر أن المكونات التي تدخلها إنما هي من صميم المطبخ التقليدي ولكن يندر استخدامها الآن - والكلام لها.
تختار بحسٍّ جريء وخطى مدروسة أطعمة يفضلها الناس وتصحّح مفاهيم لم يكونوا على دراية بكنهها، فالذين غرقوا في سيل المعلومات المتناثرة هنا وهناك؛ وجدوا دليلاً سهلاً وواضحاً في «نظرية الحمص» وصار بوسعهم تحضير الطعام الصحي والالتزام به.
وعلى نحو لطيف تخص بعض الأطباق بأسماء طريفة مثل «ماما غنوج» الذي راق لها عندما تناولته في أحد المطاعم «بس هون رح تلاقي بابا غنوج بطريقة غير اعتيادية ومع قرمشة أكتر»، تقول ديالا، وبعيداً عن الترويج تزاول في مدونتها نشاطاً جميلاً بترشيح مطاعم ومخابز فلسطينية تقدم خيارات صحية، منها ما يوفر الخبز كامل القمح وخالياً من الغلوتين، ومخبوزاتٍ بلا سكر، قائلة: «أحب زيارة المطاعم التي تطهو كل شيء ببساطة وبذكاء وحب زي البيت بالظبط».
مشاعر الامتنان تغمر قلبها لأن المدونة فتحت لمستقبلها آفاقاً أرحب ضمن النظام الغذائي الطبيعي، من دون التسمرّ أمام المفاهيم العلمية الجامدة التي لا يتجاوزها بعض اختصاصيي التغذية. تخبرني بارتياح أنه تسنى لها في وقت باكر البدء بصنع هويتها الخاصة من خلال تقديم طرق سليمة وعصرية وسهلة وجاذبة للعين والاهتمام.
وتحدثني عن أنشطتها في هذا الصدد: «أحاول أحياناً الدمج بين المطبخ الفلسطيني والمطابخ العالمية حتى ألفت الأنظار إلى وجود مطبخنا وتنوعه، على سبيل المثال طبق الفاهيتا المكسيكي قدمته مع خبز الصاج والحمص».
تطوير لائحة الطعام الصحي لدى المطاعم الراغبة من بين أعمالها، وكذلك تنظيم دورات مجانية للأطفال ما بين حينٍ وآخر ليقينها أن تدفق المعلومات له فوائد أكبر عندما يأتي في عمر صغير، ومما يصقل خبرتها العمل في عيادة مع أطفالٍ لديهم صعوبات سيكولوجية وتغذوية، فمثلاً مرضى الصرع منهم توصي أمهاتهم باتباع نظامٍ يعتمد على الخضار والفواكه والحبوب الكاملة واللحوم قليلة الدهون.
عائلة ديالا تُعد مصدرها الأول الذي تستند إليه في وصفاتها، وأي حيوية تسري في عروق يديها حين تطبخ «المِدردرة» التي تعلّمتها من «خالتها مها»! واصفة إياها بالنسخة الصحية لوصفة المجدرة إذ تستبدل بالأرز البرغل في هذا الطبق المغذي الخضري والذي يدفئ القلب ويجمع العائلة حول «الطنجرة» وفق تعبيرها، فالبرغل يحتوي على فيتامينات ومعادن وألياف أكثر وسعرات أقل، لتسجلّ هدفاً في شِباك مرمى المثل القائل «العزّ للرز والبرغل شنق حاله».
تسعى هذه الفتاة بجِد إلى أن تصبح مدونتها مرجعاً ميسراً عند المجتمعات عامة؛ والشباب على وجه الخصوص لإعداد أطعمة أصيلة قادرة على تفادي أمراض مهمة مثل السمنة والسكري، أما الشق الثاني من رسالة المدونة فتقول بشأنه في ختام الحديث: «أتمنى أن تشبع (نظرية الحمص) شيئاً من فضول المهتمين خارج فلسطين للاطلاع على ثقافة وتاريخ وتراث شعب يُفتخر به، إيماني قوي بأن التغذية لغة عالمية يتوجب علينا استثمارها لإظهار جوهر حضارتنا، فالغذاء والفنون جنباً إلى جنب لغة مدهشة تملك إمكانية الوصول إلى البشرية».


مقالات ذات صلة

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

مذاقات المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي.

كيلا هوانغ (نيويورك)
مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.