خريطة طريق إلى البرلمان المصري المقبل

اتجاه لتأسيس حزب كبير لمساندة الرئيس

د. شوقي السيد
د. شوقي السيد
TT

خريطة طريق إلى البرلمان المصري المقبل

د. شوقي السيد
د. شوقي السيد

منذ ثورة 1952 اعتمد رؤساء مصر القادمون من المؤسسة العسكرية، على أذرع سياسية مدنية لمؤازرتهم في حكم الدولة. لكن على أي حزب أو تيار سياسي سيعتمد الرئيس عبد الفتاح السيسي؟ أصبح هذا السؤال يطرح نفسه بين أروقة السياسيين مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات النيابية، وسعي كثير من النواب السابقين لحزب الرئيس الأسبق حسني مبارك للترشح فيها بقوة كمستقلين أو من خلال أحزاب أخرى.
توجد إجابات متعددة حول هذا الموضوع، من بينها اتجاه لتأسيس «حزب سياسي كبير» من نواب البرلمان المقبل المستقلين لمساندة حكم رئيس الدولة الجديد، لكن المشكلة، كما يقول مستشارون عسكريون وسياسيون لـ«الشرق الأوسط»، تكمن في ارتفاع عدد من يعتزمون الترشح للمجلس النيابي من حزب مبارك.
ومنح الدستور الجديد صلاحيات للبرلمان تزيد في بعض الجوانب منها عن صلاحيات رئيس الجمهورية، لأول مرة منذ «ثورة عبد الناصر» قبل أكثر من نصف قرن. وردا على أسئلة بشأن شكل العلاقة بين البرلمان ورئيس أكبر دول بمنطقة الشرق الأوسط من حيث السكان، يجيب العميد أركان حرب، عادل العمدة، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، قائلا إن الرئيس يعتمد بالفعل على «حزب الشعب المصري».

وهذا بطبيعة الحال ليس حزبا محدد المعالم، لأن العميد «العمدة» هنا يتحدث مجازا عن «حُب الشعب للرئيس وثقته فيه» منذ انحياز السيسي، حين كان وزيرا للدفاع، لملايين المصريين الذين خرجوا في صيف 2013 للشوارع مطالبين بإنهاء حكم جماعة الإخوان وحلفائها من تيار «الإسلام السياسي».
ويعطي العميد «العمدة»، مثل مستشارين عسكريين آخرين، رسائل مطمئنة عن «التحام الرئيس بالشعب»، وأنه ليس في حاجة لحزب أو تكتل في البرلمان المقبل «لأنه من غير المتوقع أن يعمل النواب ضد توجهات الرئيس». وسبق للرئيس السيسي نفسه القول إنه «لا أحد يمكنه أن يقف بينه وبين الشعب».
وفي المقابل توجد مخاوف لدى العديد من المراقبين والسياسيين من «هلامية المشهد السياسي»، وعدم وضوح خارطة البرلمان المقبل حتى الآن، بسبب خلافات الأحزاب حول التحالفات الخاصة بالانتخابات المزمع الانتهاء منها في الربع الأول من 2015، وبسبب الأعداد الكبيرة والمهمة ممن ينوون الترشح بعد أن كانوا في السابق إما نوابا في الحزب الوطني الديمقراطي الذي ثار عليه المصريون في يناير 2011، أو نوابا مما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي» الذي لفظ الشعب طريقته في الحكم في ثورة 30 يونيو 2013.
ومع هذا يبدو من النقاشات والخطط والتوقعات، التي يجري تداولها في القاهرة، أن المرحلة المقبلة ستشهد إنتاجا لـ«حزب قوي»، بحيث يجري اختيار مؤسسيه من بين النواب الذين سيفوزون في الانتخابات، على أن يكون هذا هو الحزب الذي ستعتمد عليه مؤسسة الرئاسة في دعم الحكومة التي يختارها الرئيس وتمرير ما يريده من قوانين وقرارات وتعديلات دستورية وغيره.
ويتفق العديد من السياسيين الموالين للسيسي مع هذا الاتجاه، ومن بينهم محمود نفادي، المتحدث باسم «تحالف نواب الشعب»، وهو تحالف يضم نوابا سابقين من الأحزاب ومن المستقلين، ويسعى لتمثيل قوي في البرلمان المقبل.
وكان رؤساء مصر، فيما مضى، يترأسون الأذرع المدنية للكيانات التي يعتمدون عليها في الحكم، وفي قرارات البرلمان. وكان آخرها الحزب الوطني الديمقراطي الذي ترأسه الرئيس الأسبق مبارك، وشغل نجله جمال موقع الأمين العام المساعد للحزب لشؤون السياسات.
لكن الدستور الجديد، الذي أقره المصريون مطلع هذا العام، حظر على رئيس الدولة في مادته رقم 140 الانخراط في أي عمل حزبي، وقال «لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة».
ويعود العميد «العمدة» ليعلق على هذه النقطة، قائلا إن الرئيس، وقبل أن يفوز في انتخابات الرئاسة، وحتى قبل الدستور الجديد، أعلن أنه لن ينتمي لأي حزب، وقال إن «الشعب هو حزبي».
ويضيف: أما أسلوب اتخاذ القرار في البرلمان المقبل فسيؤكد أن «كل النواب يثقون في الرئيس وسيتخذون القرارات التي تصب في صالح مصر، ومن لديه وجهة نظر سيطرحها، والبرلمان يقر أو لا يقر هذا الكلام»، مشيرا إلى أنه توجد ثقة في وعي الشعب الذي «قام بثورتين وحبس رئيسين خلال أقل من 4 سنوات». وسيتكون البرلمان المقبل من 567 نائبا من بينهم 420 بنظام الانتخاب الفردي و120 بنظام القوائم، و27 يجري تعيينهم بمعرفة رئيس الدولة وفقا للدستور. ويضيف المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، إن النواب الذين سيجري تعيينهم من الرئيس «سيغطون التخصصات النادرة المطلوبة».
لكن عدد مَنْ سيعينهم الرئيس، في رأي السياسيين، قليل للغاية، ولا تزيد نسبته عن 5 في المائة من إجمالي النواب المنتخبين. وهنا يتساءل محمد راضي، أحد شباب ثورة 30 يونيو، بعد أن استمع لمناقشات عن مستقبل علاقة البرلمان بمؤسسة الرئاسة: مَنْ يضمن أن تتخذ الأغلبية القرارات التي تتماشى مع توجهات رئيس الدولة في السياسة والاقتصاد والأمن، سواء بالنسبة للقرارات المفصلية التي تتطلب أغلبية الثلثين أو بالنسبة للقرارات العادية التي تتطلب أغلبية النصف زائد واحد؟
ويجيب العميد عادل العمدة مرة أخرى قائلا: «نحن تعلمنا في القوات المسلحة أنه قبل أن ننفذ أي شيء، لا بد أولا من القيام بإجراء تقدير للموقف من أجل استيعاب كل الجوانب.. ما هي المعطيات وما هي الإمكانيات. وفي حال كانت الإمكانيات أقل من التحديات، نلجأ لطريقة التطويع من أجل استيعاب كل التحديات والتغلب عليها».
ويضيف: «لن نترك الأمور للاجتهاد لأناس هم في الحقيقة مجرد أبواق إعلامية تستهدف استنزاف الدولة وهدمها. ليست لدينا مثل هذه الرفاهية الآن».
وبالنسبة لكثير من السياسيين فإن الأمر ليس بتلك البساطة. ويأتي هذا وسط توقعات بأن يفوز 200 أو 300، أو أكثر، من النواب السابقين من حزب مبارك ونجله جمال، في البرلمان الجديد.
ودارت مثل هذه التكهنات والمخاوف في أروقة بعض الأحزاب وبعض الدوائر الأمنية، خاصة بعد أن خرجت تسريبات تتحدث عن أن رموز الحزب الوطني الكبار سيعودون بقوة مثل الملياردير أحمد عز، الذي كان يشغل موقع أمين تنظيم الحزب حتى ثورة 2011.
ويقول الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قناة السويس، والمنسق العام لـ«تحالف العدالة الاجتماعية» الذي يضم 33 كيانا سياسيا، إنه لا بد أن يكون مع رئيس الدولة قوة سياسية منظمة.. «الواقع، اليوم، يؤكد أن الرئيس معه قوى جماهيرية، لكنها ليست منظمة في كيان سياسي محدد المعالم.. جنوده السياسيون غير واضحين»، مشيرا إلى أن كل الاحتمالات مفتوحة، بما في ذلك ما يقال عن محاولات رجال جمال مبارك العودة إلى الساحة السياسية من جديد.
واقترنت هذه المخاوف بسؤال ليست له إجابة قاطعة على ما يبدو حتى الآن، وهو: هل سيتعاون نواب حزب مبارك، حال فوزهم في البرلمان الجديد، مع الرئيس السيسي، أم سيحاولون التحالف مع نواب آخرين، بمن فيهم من سيفوز من تيار الإسلام السياسي، لتشكيل جبهة معارضة أو تكتل ذي أغلبية تمكنهم من تشكيل الحكومة، بعيدا عن اختيارات الرئيس، وهو حق منحه الدستور الجديد للبرلمان.
وتحدث أحد المصادر القريبة من دوائر صناعة القرار عن وجود «إدراك عميق لدى الدولة» لمثل هذه الاحتمالات التي يمكن أن تخلق نزاعا بين سلطات البرلمان وسلطات الرئيس مستقبلا، ولهذا، كما يقول «جرى وضع ضوابط صارمة للحيلولة دون عودة من ثار عليهم الشعب إلى البرلمان مرة أخرى».
ومن بين هذه «الضوابط الصارمة» التقسيم الجديد للدوائر الانتخابية والتي اعتمدها الرئيس السيسي قبل يومين. ويقول مسؤول سابق في حزب مبارك إن هذا التقسيم، على سبيل المثال، تسبب في خروج 3 كتل تصويتية مهمة في دائرة رجل الأعمال أحمد عز الذي يوصف بأنه أحد أهم المقربين من نجل الرئيس الأسبق.
كما أدى التقسيم الجديد للدوائر، وفقا للمصادر نفسها، إلى تفتيت الكتل التصويتية التي كان يعتمد عليها كل من نواب حزب مبارك ونواب جماعة الإخوان ونواب التيار السلفي.
وعلى سبيل المثال أيضا، كانت مناطق «الدخيلة والعامرية وبرج العرب» الواقعة في غرب مدينة الإسكندرية، دائرة انتخابية واحدة لها مقعدان في البرلمان، وكان يتقاسم هذين المقعدين الحزب الوطني وتيار الإسلام السياسي. وفي التقسيم الجديد أصبحت المنطقة تضم 3 دوائر ولها 5 مقاعد في البرلمان.. «وبالتالي فإمكانية فوز نواب من الوطني أو الإخوان أو السلفيين أصبحت أقل، في مقابل فرص أكبر لفوز وجوه جديدة ليست من تلك التي قد يكون لديها حنين للماضي».
ويقول محمود نفادي: «من يتحدث عن أن البعد الأمني وراء تقسيم الدوائر بالطريقة الجديدة، كما يزعم بعض السياسيين، أقول لهم إن البعد الأمني أصبح مطلوبا في كل شيء في مصر، لأن البرلمان المقبل، وهذه المرحلة التي تمر بها البلاد، ما زالت مرحلة انتقالية.. ما زلنا نريد أن نعبر إلى بر الأمان وإلى الاستقرار».
ومع هذا يشعر رجال أحزابٍ من المتحمسين لبناء مرحلة مختلفة عن السابق، بخطر النشاط الذي يقوم به في الوقت الراهن العديد من الطامحين للترشح للبرلمان، سواء من حزب مبارك الذي جرى حله في أبريل (نيسان) عام 2011 بحكم المحكمة، أو من الإسلاميين، من أجل توفيق أوضاعهم مع النظام الجديد للدوائر، ومع المتغيرات المستحدثة للعملية الانتخابية برمتها.
ويبلغ عدد الناخبين نحو 55 مليونا، غالبيتهم من الفقراء وأبناء العائلات والقبائل. وتقول التقارير الأمنية إن معظم هؤلاء يصوتون لأبناء دوائرهم دون الالتفات عادة لتوجهاتهم السياسية أو الحزبية.
كما يعتمد كثير من رجال الأعمال على أصوات عمال المصانع والشركات في الدوائر التي يترشحون فيها، مثل دائرة أحمد عز، الذي طالبه عمال مصانعه في مدينة السادات، الأسبوع الماضي، بالترشح لخوض الانتخابات عقب خروجه من السجن، حيث كان يحاكم في قضايا بتهم فساد مالي.
وفي حساب بسيط لعدد الذين ينتمون لحزب مبارك ممن يتوقع لهم أن يخوضوا الانتخابات النيابية المقبلة، يمكن، كما يقول أحد المسؤولين الأمنيين، أن يشكل الرقم أكثر من نصف مقاعد البرلمان، وهو رقم مؤثر في تكوين السلطة السياسية والرقابية لهذا المجلس التشريعي.
لكن نفادي يقول إن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن.. ويوضح: «العديد من الأحزاب تمكنت بالفعل من الاتفاق مع مرشحين من الحزب الوطني لكي يدخلوا البرلمان باسم تلك الأحزاب، لأن مثل هؤلاء المرشحين قادرون على حصد المقاعد، لكن في حال فازوا بالفعل، فإنهم سيعملون في البرلمان كنواب للدولة المصرية، وليس لهذا الحزب أو ذاك».
وتشبه وجهة نظر «نفادي» هذه ما ذهب إليه مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، أي افتراض «حسن النية» في نواب البرلمان المقبل، إلا أن الدكتور زهران، وهو نائب سابق أيضا، وكان معارضا لمبارك، يرى ضرورة وجود «كيان سياسي» واضح المعالم منذ البداية «حتى لا نترك الأمر للمفاجآت في هذه الظروف الصعبة».
ويقول إن مسألة وجود سند سياسي واضح المعالم، للرئيس، وله قنوات اتصال مع الرئاسة، أمر مهم في تاريخ حكم الرؤساء المصريين منذ عام 1952، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الناصر أسس ما يعضد حكمه، ومنها ما كان يعرف بـ«الاتحاد القومي» ثم «الاتحاد الاشتراكي» في بداية ستينات القرن الماضي.
ويضيف أنه بعد تولي الرئيس السادات الحكم كان لديه أيضا أذرع سياسية لكي يحكم من خلالها كان منها «الاتحاد الاشتراكي العربي»، وكان منها «المنابر» التي أسسها عام 1976، ثم اعتماده على نواب حزب مصر العربي الاشتراكي في البرلمان.
ولم يكن السادات رئيسا للحزب الحاكم وقتها (حزب مصر العربي الاشتراكي) أثناء مفاوضات السلام مع إسرائيل، بل كان رئيسه ممدوح سالم رئيس الوزراء الأسبق، ولهذا اصطدم السادات مع هذا الحزب بسبب مساعي السلام مع تل أبيب، مما تسبب في صدام مع رئيس الدولة وأسفر عن استقالة 75 من أعضائه في البرلمان.
ويزيد زهران موضحا أن السادات عقب الصلح مع إسرائيل، أسس الحزب الوطني الديمقراطي، الذي ترأسه مبارك بعد توليه الحكم عام 1981. ويبدو مبنى الحزب الوطني المحترق كئيبا حين تطل عليه من أعلى جسر السادس من أكتوبر المزدحم بالسيارات. ترى السخام المتبقي من ألسنة النار والدخان، يغطي الجدران والنوافذ والشرفات. ومنذ حرقه ونهب محتوياته على يد ألوف المحتجين في مطلع 2011، لم يقترب أحد من مكاتبه المهجورة وطوابقه التي تطل على النيل، بعد أن كانت يوما أحد أهم المقار السياسية في البلاد.
ومن أعلى هذا الجسر يمر جورج إسحاق، منسق حركة كفاية، التي كانت أول من نظم مظاهرات ضد تمديد مبارك لولايته وضد مزاعم خلافة ابنه جمال له في الحكم. وكانت الحركة تحمل شعار «لا للتمديد ولا للتوريث». ويقول إسحاق البالغ من العمر أكثر من 60 عاما، إن الحزب الوطني كان حزبا نفعيا.. كان يزعم أن لديه 3 ملايين عضو، لكن حين جرى حرق مبناه لم يدافع عنه أحد. ولا يتوقع إسحاق أن ينتخب المصريون رموز حزب مبارك مرة أخرى.
لكن نظرية إسحاق ربما لن تكون قاطعة، مقارنة بما يظهر يوما بعد آخر من استعدادات لرموز حزب مبارك، ممن يستعدون لخوض الانتخابات، ويعلقون لافتات التهاني ويقدمون العطايا الخدمية والوعود بمستقبل أفضل. ومن بين هؤلاء رجال أعمال كبار في مجال إنتاج وصناعة وتمويل شركات للحديد ومصانع للسيراميك والأسمنت والسيارات والأجهزة الكهربائية، وغيرها من قنوات تلفزيون وصحف ومواقع إخبارية مؤثرة على الإنترنت.
ويقول ياسر فراويلة، وهو سياسي مستقل، من محافظة الإسكندرية، وكان يعتزم خوض انتخابات الرئاسة في عام 2012، إن المخاوف التي يراها في دائرته الانتخابية (المنتزه) ليست من عودة بعض مليارديرات حزب مبارك، ولكن «من ردة فعل الناخبين تجاه عودتهم»، مشيرا إلى أن المخاوف من عودة نواب حزب مبارك «لها مبرراتها لأن الوضع في البلاد لم يهدأ بعد مما حدث من تجربة حكم جماعة الإخوان»، متوقعا انحسار المنافسة في هذه الدائرة بين نواب حزب مبارك والتيار السلفي.
ويعكس الصراع المبكر في دائرة ياسر فراويلة الانتخابية بالإسكندرية شكوكا حول طبيعة التحالفات المقبلة. ويقول: «تجري تربيطات قوية هنا.. الحزب الوطني تجاهل حزب النور (السلفي)، والمفاجأة التي قد تحدث هي تحالف الإخوان مع نواب مبارك نكاية في حزب النور الذي يتهمونه بأنه تخلى عن الجماعة بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي». ويتخوف أيضا من لجوء المرشحين لـ«الإنفاق المالي الكبير لاجتذاب الناخبين».
واقترنت العملية الانتخابية في مصر في العقود الماضية بما يعرف بـ«شراء أصوات الناخبين» عن طريق سماسرة الانتخابات. وتوجد العديد من الطرق المبتكرة منها «الصوت الطائر».
ويقول أحد مراقبي الانتخابات ويدعى حسين عاشور: «الصوت الطائر يعتمد على الناخبين المعوزين في المناطق شديدة الفقر وهي كثيرة.. يدخل الناخب الذي لديه استعداد لبيع صوته، إلى لجنة الاقتراع، ويأتي بالصوت فارغا دون أن يؤشر عليه ودون أن يضعه في الصندوق.. وحين يسلمه لسمسار الانتخابات في الخارج بمقابل مادي، يصل أحيانا إلى مائتي جنيه، يقوم السمسار بالتأشير على اسم المرشح المطلوب، ويعطي الصوت لناخب آخر بشرط أن يضعه في الصندوق ويأتي بصوت فارغ جديد، ويعطيه ثمنه، وهكذا».
ويضيف عاشور أن من الطرق الأخرى السهلة «قيام الناخب بتصوير الصوت، بكاميرا هاتفه المحمول، قبل أن يضعه في الصندوق، وبعد أن يخرج يقدم الدليل على اختياره للمرشح المطلوب لكي يحصل على المقابل المادي من السمسار».
ويشير عاشور إلى أن هذه الظاهرة كانت قد اختفت أثناء الاستفتاء على دستور 2014 وأثناء الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها السيسي، بعد أن شعر غالبية الشعب بأهمية الأصوات وما يترتب على نتائج الانتخابات من نتائج سياسية وأمنية واقتصادية تنعكس على حياتهم، كما حدث بعد انتخاب برلمان الإخوان ومرسي.
ويتوقع عاشور أن تعود ظاهرة بيع الأصوات مجددا، مع الانتخابات المقبلة. ويقول: «زيادة الفقر يقابلها قدرة كبيرة على الإنفاق المالي من جانب المرشحين.. حتى لو لم يكن هناك شراء للأصوات الانتخابية، إلا أنك إذا كنت مليونيرا، وأقمت مركزا طبيا لخدمة الفقراء في دائرتك، فهذا يزيد من حظوظك في جمع أصوات الناخبين ودخول البرلمان، بغض النظر عما إذا كنت من نواب حزب مبارك أو من النواب الإسلاميين. مسألة التوجه السياسي للمرشح ما زالت تحتاج إلى وعي شعبي وإلى أحزاب قوية».
ومن جانبه يعود فراويلة ويقول وهو يشرح الوضع في دائرته: «الصورة المتوقعة على مستوى محافظة الإسكندرية وغيرها من الدوائر الانتخابية في محافظات الوجه البحري، تقول إن الصراع على مقاعد البرلمان سينحصر بين نواب مبارك والسلفيين».
إلا أن جورج إسحاق يقول وهو يجيب عن فرص نواب «الوطني» السابقين: «لا أعتقد أنه سيكون لديهم فرصة كبيرة، لأنه يوجد حكم قضائي يمنع عليهم الترشح للبرلمان، ولدينا أسماء كاملة بهم جميعا، ولدينا وثائق تعلن فسادهم. وبالتالي لا أعتقد أنهم سيحصلون على أي شيء ذي أهمية».
ويبدو أن إسحاق وعددا من السياسيين الآخرين في العاصمة، ما زالوا يتحدثون عن حكم صدر في السابق وجرى إلغاؤه من المحكمة لاحقا، لأن الدكتور شوقي السيد، الفقيه الدستوري والقانوني، والذي كان نائبا مستقلا بالبرلمان، يوضح أن حكم منع ترشح نواب «الوطني»، الذي يتحدث عنه بعض الساسة اليوم «جرى الاستئناف عليه أمام القضاء وتم إلغاؤه. كما أن القضاء سبق وقال إن حل الحزب الوطني لا يعني حرمان أعضائه من الترشح.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد رجب، آخر زعيم للأغلبية للحزب الوطني بمجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان السابق) في عهد مبارك، إن الحكم القضائي المشار إليه «ألغي بالفعل»، ويضيف قائلا إن الدستور الجديد منع أي عزل لأي أحد دون محاكمة.
ولا ينوي الدكتور رجب الترشح للانتخابات المقبلة.. «لكي نتيح الفرصة لوجوه شابة جديدة وليس بالضرورة أن تظل كل القيادات هي المستأسدة على طول الخط».
ويضيف بشأن الزخم الجاري في الإعلام المصري عن كثرة نواب الحزب الوطني (المنحل) ممن ينوون الترشح، أن «العدد ليس كبيرا كما يتردد، ولكن كلٌ يتخذ قراره بنفسه، بشأن خوض الانتخابات، وبالتالي عليه أن يدرس موقفه، وإذا رأى أن الناخبين يريدونه فليتقدم للانتخابات. وإذا رأى أنه ينبغي أن يعطي فرصة لمرشح آخر فهذا حقه».
ويجيب أحد نواب مبارك عن الدائرة الانتخابية بجنوب القاهرة حول خططه للترشح للبرلمان، قائلا: «الدستور يكفل لي هذا. لم أرتكب جرما.. الناخبون يحبونني، فما المانع؟!»
وعما إذا كان يقوم بالتنسيق مع نواب آخرين سابقين من حزب مبارك، يوضح أن «التنسيق مفتوح مع المرشحين المؤثرين، سواء كانوا من نواب الحزب الوطني القدامى، أو من المستقلين.. أما بالنسبة للتنسيق بعد الفوز في البرلمان، فهذا سابق لأوانه.. لا أحد يعرف الشكل الذي ستكون عليه خارطة المجلس النيابي المقبل»، مشيرا إلى أنه ونوابا آخرين من حزب مبارك ومن معارضيه اليساريين ومن المستقلين، شاركوا في ثورة المصريين ضد حكم الإخوان، وكانوا من الداعين لترشح السيسي للرئاسة.
ويوجد في مصر نحو مائة حزب، أغلبها تأسس بعد ثورة 2011، لكن للأسف، لم تتمكن الكثير منها من اختيار مرشحين من ذوي «الوجوه الجديدة» بل لجأت للتعاقد مع مرشحين ليترشحوا باسمها، وظهر أن هؤلاء من «الوجوه القديمة».
ويقول محمود نفادي: «بعض الأحزاب أصبحت تشتري المرشحين حاليا لكي يخوضوا الانتخابات المقبلة باسمها.. أحدها تعاقد بالفعل مع نحو 70 نائبا سابقا من نواب الحزب الوطني، سعيا للحصول على أكثرية في البرلمان المقبل.. هذه تعاقدات من نوع غريب تشبه تعاقدات الأندية الرياضية مع لاعبي كرة القدم». ويضيف نفادي أن «غالبية المستقلين الذين سيفوزون في هذا البرلمان سينضمون لحزب جديد كبير يوضع له تصور الآن، لكي يكون ظهيرا ومساندا للرئاسة، كما ستندمج فيه العديد من الأحزاب».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.