مثقفون يواصلون النقاش حول مصير الشعر الفلسطيني بعد درويش

لم يمت.. وما من شاعر أكبر منه.. والراحل سيظل سيد مشهده

د. عادل الأسطة  -  الشاعر نمر سعدي  -  الناقد إبراهيم جوهر  -  الشاعر غياث المدهون
د. عادل الأسطة - الشاعر نمر سعدي - الناقد إبراهيم جوهر - الشاعر غياث المدهون
TT

مثقفون يواصلون النقاش حول مصير الشعر الفلسطيني بعد درويش

د. عادل الأسطة  -  الشاعر نمر سعدي  -  الناقد إبراهيم جوهر  -  الشاعر غياث المدهون
د. عادل الأسطة - الشاعر نمر سعدي - الناقد إبراهيم جوهر - الشاعر غياث المدهون

طرحت «الشرق الأوسط» قبل أسبوع، سؤالا حول حال الشعر الفلسطيني بعد رحيل محمود درويش ومصيره. وكتب يوسف الشايب ما يلي, فاتحا مسارات للسؤال: «منذ رحيله (درويش)، والجدل على أشده بخصوص مستقبل المشهد الشعري بعده، وهل دخل الشعر الفلسطيني بدفنه في مدينة رام الله، مرحلة سبات قد تطول، لدرجة أن قال بعضهم صراحة: (لقد مات الشعر الفلسطيني بموت درويش). في حين كان آخرون أقل تعصبا، بقولهم إن الشعر الفلسطيني بعد درويش دخل مرحلة (موت سريري). إلا أن ثمة من رأى في الشعر مشهدا تركيبيا لا بداية له ولا نهاية، ولا يرتبط بأشخاص مهما كانوا مؤثرين وشكلوا علامات فارقة، وأن الحديث عن مشهد شعري بأكمله يموت بموت شاعر (فارغ) و(ساذج)».
وتلقت «الشرق الأوسط» ردودا من الشاعرين غسان زقطان وإيهاب بسيسو، ومن الناقد سميح محسن، نشرتها في عددها الصادر بتاريخ 16 ديسمبر (كانون الأول) الحالي.
أثار ما نشرته «الشرق الأوسط» جدلا وردود فعل متفاوتة لكن غنية، تلقت الصحيفة بعضها مباشرة، وتابعت بعضها الآخر على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث أعيد نشر المقال.
وفيما يلي جولة أخرى من مداخلات عدد من المثقفين الفلسطينيين تثري النقاش وتوسع دائرته، أسهم فيها، كل من الناقد حسن خضر، والدكتور عادل الأسطة، والشاعر نمر سعدي، والشاعر غياث المدهون، والناقد إبراهيم جوهر، والقاص زياد خداش.

* ما من شاعر أكبر من الشّعر
في مشاركته القيمة في النقاش، كتب د. عادل الأسطة، أستاذ الأدب العربي في جامعة النجاح في نابلس: عبر درويش عن تجارب المقاومة، والتحدي، والثورة، والخيبة - أي الانكسار. وقد تابعت هذا في كتابي «أدب المقاومة من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات». والآن، تمر القضية بمنعطف خطير، وليس ثمة من شاعر يبلورها ويعبّر شعره عنها، كما عبّر درويش عن المراحل التي مرت بها. ربما هناك قصائد، وهناك شعر، بل وثمة شعراء أيضا، ولكنني لم أر واحدا منهم فرض صوته كما فرض درويش صوته. طبعا نحن لا نتابع الشعراء الآخرين متابعتنا لأشعاره، وهذه نقطة يجب أن تؤخذ بالحسبان. هناك شعراء مهمون لا شك: باسم النبريص، ومريد البرغوثي، وأحمد دحبور الذي جنى مقاله على قصيدته، وإن كان مؤخرا نشر قصيدة لافتة أعادتنا إلى صوته الغنائي الأول المميز.
ربما يتساءل المرء: لماذا فرضت أشعار درويش نفسها علينا، ولم تفرض أشعار آخرين نفسها علينا بالمقدار نفسه؟ أنا لا أعرف درويش شخصيا معرفة عميقة. ومعرفتي به عابرة. وأعرف آخرين أكثر مما أعرفه. وأسأل نفسي: لم تابعته هذه المتابعة؟ وأقول: غنائيته، واتكاء قصائده على الموضوع الوطني، وتطويره نفسه، ثم إنه غدا، بحد ذاته، متماثلا مع القضية، وإني لأعجب من كثير من الشعراء ومن قصائدهم التي تشبههم، إذ انسحبوا من الواقع، فانسحب الشعر منهم أيضا. لقد غُبن شاعر مثل باسم النبريص، أما مريد البرغوثي، فبدأ يميل إلى التجريب، ولم ينجح فيما نجح فيه درويش: المزج بين ما هو موضوعي وطني وما هو ذاتي.
يبدو لي سؤال «الواحديّة» هذا، سؤالا عربيّا بامتياز. هل يتساءل التشيليون عن موت الشعر في بلادهم بعد موت نيرودا، أو الفرنسيّون بعد موت إيلوار، أو أراغون، أو المكسيكيون بعد موت باث؟ هل مات الشعر الإنجليزي بعد شكسبير؟ درويش شاعر عظيم متفرد لكن ما من شاعر أكبر من الشّعر نفسه. الشعر لا يموت، لا في فلسطين ولا في غيرها.

* ليسوا في جراب درويش
ونبه الناقد المقدسي، إبراهيم جوهر، من مخاطر أن «يجرنا» فخ «الشخص المعصوم»، مرّة أخرى، إلى شركه المميت. وقال: «إن درويش المتواضع: «لم يطلب منا ما ألزمنا أنفسنا به، فلزمنا ما لا يلزم. لن تقف الحياة بعد درويش، وما أتعسنا لو سمحنا لها بالتوقف، فالشعب الولاد والموهبة المتدفقة يواصلان البحث والكتابة والنشيد. درويش أتاحت له ظروفه المعيشية الخاصة، ما لم تتحه للآخرين من ذوي المواهب التي أسهمت في تشكيل المشهد الشعري الفلسطيني المعاصر. هل مات الشعر بعد درويش؟ وهل مات بعد المتنبي؟ وهل ماتت القضية الفلسطينية بعد عرفات؟».
وتابع جوهر: درويش مدرسة فنية بامتياز، والشعراء من بعده يواصلون القول والنشيد، ويزرعون بساتينهم الخاصة بورودهم التي تحمل بصماتهم الخاصة، وإن اختلطت، أحيانا، ببصمة درويشية. هو صاحب تجربة واستراتيجية فنية ظل وفيا لها، والشعراء من بعده يواصلون درب التعبير الفني. هو كان قد نادى منكرا: ارحمونا من هذا الحب القاسي. واليوم، كأني به يواصل النداء: ارحموني من هذا التقديس القاسي.
التجربة الدرويشية التي ترافقت مع ظرف تاريخي للقضية الفلسطينية السياسية، وتجربة الخروج من الوطن والعمل المباشر مع الثورة الفلسطينية في لبنان، أكسبته خبرة وشهرة وترويجا لم يحظ به غيره من مجايليه (سميح القاسم وتوفيق زياد، وغيرهما مثلا). وكان لذكاء درويش، وموهبته المميزة، ومواظبته على التجديد والتحدي، واشتغاله على لغته ورموزه، وتنقيبه عن الآثار الثقافية التاريخية التي تخدم مشروعه، دور كبير في الإدهاش والانتشار والنقد.
والشعراء الباقون حتى اليوم من الشباب ومن هم أسنّ منهم عمرا وتجربة، لن يكونوا في جراب درويش ولا تحت معطفه. وما أتعسهم لو فعلوا.

* قصيدته رسالة حياة
أما الشاعر نمر سعدي، المقيم في حيفا، الذي شارك في النقاش على «فيسبوك»، فتلقت «الشرق الأوسط» منه، المداخلة التالية: محمود درويش شاعر مذهل بحق. متمرِّس. أحد أجمل الشعراء الكونيين الممسوسين بإيقاع اللغة وجماليات الشعر الصافي. يصعب توصيفه والإلمام بجوانب عبقريته وإيقاع قصيدته وفرادته الشعرية. عاش قديس شعر ومات قديس شعر. كان الشعر يجري في مجرى نفسه وفي دورته الدموية. مَن مِن شعراء اليوم يخلص للشعر مثلما أخلص له درويش؟ من يجعل من القصيدة رسالة حياة؟
أهمية درويش تكمن في العروض، في وقت نجدُ فيه الأغلبية الساحقة من الشعراء العرب، مفتونين بقصيدة النثر التي لا أحاربها ولا أتخذ موقفا منها، فأنا حاولت أن أجرِّب كتابتها في أكثر من قصيدة وديوان. ولكنني أعتقد أنها أفقدت الشعر العربي الكثير من سحرهِ. من يتقن من الشعراء الشباب العروض اليوم؟ شعراء «التيك أوي» والنثريات الضحلة، و«فيسبوك»، والطنين الفارغ، لن يأتوا بمحمود درويش آخر، لأن الشعر لا يشكل لهم رسالة حياة. أنا أراهن على هذا الشيء، لأن الشاعر الحقيقي الموهوب، دائم البحث عن المعادلة الصعبة في كتابة القصيدة، وعن سماوات جديدة للتحليق بعيدا، وعن أرض جديدة لم تحرث. وكل ذلك من دون التخلِّي عن الموروث وجمالياته، وتجديد الإيقاع الشعري للبحور العربية، الذي أعتقد أن شيئا من أهمية محمود يكمن في هذا التجديد، بالإضافة إلى لغتهِ المنتقاة، وأساليب تعبيره اللافتة والجديدة. كيف نريد من شاعر لا يعرف البحور ولا الأوزان أن يكون محمود آخر؟ محمود كان يحثنا على الطيران في سماء الشعر، بينما نحن كنا نريد ملاصقة الأرض.

* ما زال سيد المشهد
واكتفى القاص زياد خداش، المقيم في رام الله، فشارك بفقرة قصيرة لكنها دالة، قائلا: «علينا أن نعترف أن محمود درويش، صاحب موهبة كبيرة جدا، وأنه عبقري بالفعل ولا ذنب له في عبقريته، وليس من المفروض أن يعتذر عنها. شخصيا، لا أذهب الآن إلى الأمسيات الشعرية بذات الحماسة المجنونة التي كانت ترافقني إلى أمسيات محمود. نعم لم يأت حتى الآن، من يشدني إلى المطلق بذلك السحر المحمودي. وهذا لا يعني أنني لا أتمنى أن يأتي، بالعكس، المشهد ناقص جدا من دون عبقريات أخرى، لكن هذا هو الواقع.

* أنا وترانسترومر
ومن استوكهولم، تلقت «الشرق الأوسط» من الشاعر الفلسطيني الشاب، غياث المدهون، المداخلة التالية: القول: إن درويش كان شاعرا فريدا هو كلام سليم، أما أن الشعر الفلسطيني دفن برحيل درويش فهو كلام معيب، وفي الحقيقة، انتقاص من الشعر الفلسطيني الموجود قبل درويش وقبل القضية الفلسطينية أساسا، وهو جزء من الشعر العربي قبل ترسيم الحدود بعد سايكس بيكو. أعتقد أننا لفهم ما الذي أوصلنا إلى طرح سؤال من الصعب مجرد التفكير فيه في لغات أخرى، رغم أن وجود شعراء وفلاسفة وأدباء وموسيقيين وفنانين عباقرة يموتون، يجب علينا أن نعي ذكورية الشعر العربي ككل، ومقاييسه النقدية المرتبطة بالفحولة الشعرية، والعقلية المهزومة التي تبحث عن بطل أو قائد في أي مجال حتى في الشعر، وتفشي ظاهرة الشاعر النجم التي لم يعد لها وجود في أي من اللغات تقريبا، أما المأساة الأساسية فهي العقلية الأبوية التي تحكم علاقات الشعراء أنفسهم، والتراتبية البطريركية التي تتحكم بوسطنا الأدبي. إن أي شخص مضطلع بأمر الشعر، باستطاعته ملاحظة أنه من المستحيل إقامة أمسية شعرية لشعراء عرب من دون أن تكون البطريركية سيدة الموقف. فالمشكلة تبدأ من ترتيب صعود الشعراء إلى المنبر: الشعراء الأقل أهمية في بداية الأمسية وهكذا وصولا إلى الختام مع الشاعر الأهم. أما إعلان الأمسية المطبوع فبالعكس، فالشاعر الأهم يجب أن يُكتب اسمه أولا، ثم تأتي الأسماء الأخرى من الأهم إلى الأقل أهمية. أما المأساة فهي من سوف يقرأ مع من في الأمسية نفسها، وهل هو من مستواه.
من خلال الاطلاع المتواضع والاحتكاك المباشر مع شعراء من العالم، أتاحتهما لي المشاركة في المهرجانات الشعرية، والعمل المباشر مع شعراء من جنسيات مختلفة، بدأت أكتشف أننا أمة فريدة من نوعها. قبل حصول الشاعر السويدي، توماس ترانسترومر، على جائزة نوبل للآداب بسنة واحدة، شاركنا معا في حفل تكريم الشاعر فرج بيرقدار الذي أقامه نادي القلم العالمي في استوكهولم. كنا شاعرين لا غير: شاعر شاب مغمور الذي هو أنا، وترانسترومر. هل يرضى أحد شعرائنا الكبار أن يقرأ شعره بأمسية مشتركة مع شاعر شاب؟ هذا إن كان يقبل أساسا أن يقرأ مع شاعر آخر في أمسية.
الجواب لست متأكدا منه، لكنني متأكد أن الشعر السويدي لن يموت بموت ترانسترومر.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.