فشل سلتيك في التأهل لدوري الأبطال يكشف الهيمنة الزائفة على المستوى المحلي

الفوز بلقب الدوري الاسكوتلندي للمرة العاشرة على التوالي يعكس انعدام المنافسة في المسابقة

مباراة سلتيك أمام فيرينكفاروس المجري (إ.ب.أ)  -  لينون مدرب سلتيك ناجح محلياً فقط (غيتي)
مباراة سلتيك أمام فيرينكفاروس المجري (إ.ب.أ) - لينون مدرب سلتيك ناجح محلياً فقط (غيتي)
TT

فشل سلتيك في التأهل لدوري الأبطال يكشف الهيمنة الزائفة على المستوى المحلي

مباراة سلتيك أمام فيرينكفاروس المجري (إ.ب.أ)  -  لينون مدرب سلتيك ناجح محلياً فقط (غيتي)
مباراة سلتيك أمام فيرينكفاروس المجري (إ.ب.أ) - لينون مدرب سلتيك ناجح محلياً فقط (غيتي)

فاز نادي سلتيك بلقب الدوري الاسكوتلندي الممتاز في آخر تسعة مواسم، وقد يحتفظ باللقب للمرة العاشرة في شهر مايو (أيار) المقبل. ومع ذلك، فشل الفريق في التأهل لدور المجموعات بدوري أبطال أوروبا بعد خسارته على ملعبه أمام فيرينكفاروس المجري، وهو المشهد الذي عودنا عليه النادي الاسكوتلندي في السنوات السابقة بفشله في التأهل لدوري أبطال أوروبا بعد الخسارة أمام كلوج، وأيك أثينا، ومالمو، وماريبور، رغم هيمنته على الساحة المحلية.
لكن لا تزال الحقيقة المدهشة تتمثل في أن البعض يفضل فوز سلتيك بلقب الدوري الاسكوتلندي الممتاز - في ظل منافسة معدومة أو منافسة ثنائية مع نادٍ واحد فقط - على التأهل لدوري أبطال أوروبا! ومن الغريب أن نادي سلتيك، الذي يهيمن تماماً على الساحة المحلية، قد خسر أمام فريق ينتمي لدولة تأتي في تصنيف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم خلف ليختنشتاين!
ودائماً ما تكون هناك مبالغة في الإشادة بقدرات نادي سلتيك عندما يسحق نادياً متواضعاً في الدوري الاسكوتلندي الممتاز يلعب بميزانية لا تتجاوز واحد على ثلاثين من ميزانية سلتيك. وبالتالي، يكون رد الفعل غاضباً للغاية أيضاً عندما يخسر بطل الدوري الاسكوتلندي على ملعبه أمام فريق متواضع مثل فيرينكفاروس المجري. وعندما يشيد المدير الفني لنادي سلتيك، نيل لينون، بقدرات لاعبيه، فإن ذلك يكون مفهوماً وطبيعياً تماماً، لأنه يتحدث من منطلق ما يقدمه اللاعبون على المستوى المحلي أمام أندية متواضعة، لكن الأمر يختلف تماماً عند اللعب على المستوى الأوروبي.
وعلى الرغم من ضعف مستوى فيرينكفاروس المجري، الذي لن يكون قادراً على تحقيق نتائج إيجابية في دوري أبطال أوروبا هذا الموسم، فإن فوزه على سلتيك على ملعبه لم يكن غريباً أو صادماً كما يعتقد البعض. ونظراً لأن سلتيك كان يهيمن على كرة القدم الاسكوتلندية تحت قيادة روني ديلا وبريندان رودجرز، فقد منح ذلك الأمر الفريق الفرصة لتطوير قدرات العشرات من اللاعبين، وبناء فلسفة معينة والوصول إلى مستويات أعلى من أندية منافسة مثل سانت ميرين وهاملتون.
وتجب الإشادة بسياسة النادي في هذا الصدد، لأن النادي نجح في بيع كيران تيرني وموسى ديمبيلي مقابل مبلغ إجمالي قدره 40 مليون جنيه إسترليني، ومن المؤكد أن النادي سيجني أرباحاً قياسية عندما يقرر أودسون إدوارد الانتقال إلى نادٍ آخر من أجل البحث عن تحدٍ جديد. ومع ذلك، فإن سلتيك يهدر كثيراً من الأموال، حيث يشير آخر الإحصائيات إلى أن فاتورة الرواتب بالنادي بلغت 60 مليون جنيه إسترليني سنوياً. لكن هذا النادي، الذي يمكنه أن يبيع 50 ألف تذكرة موسمية ويحب أن يصور نفسه على أنه نادٍ عملاق، يجب أن يحقق مزيداً من النجاح على الصعيد القاري.
لكن النادي يعاني حالياً فيما يتعلق بالتخطيط على المدى الطويل، خصوصاً في مجال التعاقدات الجديدة. صحيح أن الفريق يضم لاعباً جيداً مثل رايان كريستي اشتراه في صفقة ممتازة من أينفيرنيس مقابل 500 ألف جنيه إسترليني فقط، لكن في المقابل فإن النادي أبرم صفقات بالملايين للتعاقد مع لاعبين لم ينجحوا في ترك أي بصمة على أداء الفريق.
وطوال الوقت يشعر المتابع لهذا النادي أنه لا توجد سياسة واضحة في هذا الشأن، ربما باستثناء إبرام بعض الصفقات الجيدة من وقت لآخر للاعبين القادمين من الخارج. ولم يكن المهاجم باتريك كليمالا، الذي كلف خزينة النادي 3.5 مليون جنيه إسترليني، جيداً بما يكفي لقيادة سلتيك لتحقيق فوز كان في أمس الحاجة إليه أمام النادي المجري. وحتى ألبيان أجيتي انضم للفريق قادماً من وستهام يونايتد في وقت متأخر، وهو الأمر الذي لم يمكنه من حجز مكان له في تشكيلة الفريق. وعلاوة على ذلك، كان سلتيك يعاني لإيجاد حارس مرمى أساسي للفريق قبل أيام قليلة من انطلاق الموسم الجديد.
وفي الوقت الذي تغيرت فيه حدود كرة القدم بشكل كبير، وأصبحت فيه الفجوة المالية بين أندية كرة القدم الاسكوتلندية أوسع وأكبر من أي وقت مضى، فمن الغريب أن ينجح نادٍ بهذه الإمكانات المتواضعة في الحصول على لقب الدوري الاسكوتلندي الممتاز 10 مرات متتالية، وهو ما يظهر عدم وجود منافسة على الإطلاق على الساحة المحلية. بالطبع، لا يمكن إعفاء لينون من مسؤولية الخسارة أمام فيرينكفاروس، خصوصاً أن الفريق ظهر بطيئاً للغاية في النواحي الهجومية، ويرتكب أخطاء دفاعية قاتلة.
ومع ذلك، يرى لينون الصورة الأكبر أكثر وضوحاً من أي شخص آخر، وقد اعترف بذلك قبل بداية الموسم، عندما قال عن إمكانية الفوز بلقب الدوري المحلي للمرة العاشرة على التوالي: «كل شيء لا يتوقف فقط في نهاية هذا الموسم، إذا نجحنا في تحقيق هذا الإنجاز». لقد لعب لينون بقميص سلتيك وقاده كمدير فني لتحقيق تقدم كبير في المسابقات الأوروبية، وبالتالي فهو يعرف جيداً حجم المهمة الموجودة على عاتقه. إن التشدد الذي نراه عندما تُطرح الأسئلة بشأن مستوى كرة القدم الاسكوتلندية يعكس ضيق الأفق لدى من ينكرون هذه الحقيقة الواضحة. لقد كان مستوى المباريات في المراحل الأولى للدوري الاسكوتلندي هذا الموسم سيئاً بشكل صادم. ومن الواضح أن سلتيك قد فشل في أن يجعل الدوري الاسكوتلندي الممتاز مجرد نقطة انطلاق لتحقيق نجاح أكبر على المستوى القاري.
لقد كان من الغريب أن ينتقد لينون لاعبين معينين في فريقه، لأنه من الواضح أن بعض لاعبي الفريق يتطلعون بالفعل إلى الرحيل إلى أندية أخرى. ويجب أن يعرف مسؤولو سلتيك جيداً أن اللاعبين أصحاب المستويات الجيدة لا يهتمون بالحصول على لقب الدوري للمرة العاشرة على التوالي، وإنما يسعون لخوض تحدٍ أكبر في مسابقة أقوى. وفي الحقيقة، لا يمكن لأحد أن يلومهم على ذلك! وعلاوة على ذلك، فإن الأشخاص الذين يشيدون بلا داعٍ بكرة القدم الاسكوتلندية وإنجازاتها الرتيبة لديهم مشكلة أكبر بكثير من أولئك الذين يمكنهم رؤية أشياء أكبر وأفضل في مكان آخر. ومن الواضح أن سلتيك يعاني الآن من «انحراف التركيز»، إن جاز التعبير.


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: إيرانيون يستيقظون عند الفجر لتشجيع «تيم ملّي»

رياضة عالمية تابع الإيرانيون بشغف بالغ أولى خطوات منتخبهم على الأراضي الأميركية (إ.ب.أ)

«مونديال 2026»: إيرانيون يستيقظون عند الفجر لتشجيع «تيم ملّي»

ساد الصمت المهيب خلال عزف النشيد الوطني، وتعالت صيحات الفرح بعد تسجيل الهدفين... في طهران، تابع الإيرانيون بشغف بالغ أولى خطوات منتخبهم على الأراضي الأميركية...

«الشرق الأوسط» (طهران)
رياضة عالمية التعادل بين منتخبَيْ السعودية وأوروغواي حظي باهتمام واسع في الصحافة الإسبانية (د.ب.أ)

الصحافة العالمية: السعودية قلبت التوقعات أمام أبرز منتخبات أميركا الجنوبية

حظي التعادل بين منتخبي السعودية وأوروغواي (1 - 1) بالجولة الأولى من منافسات المجموعة الـ8 في «كأس العالم 2026» باهتمام واسع في الصحافة الإسبانية والأوروغويانية.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية أعلن الاتحاد الأسترالي لكرة القدم دعمه للحَكم شون إيفانز (الاتحاد الأسترالي)

الاتحاد الأسترالي يدعم الحَكم إيفانز

أعلن الاتحاد الأسترالي لكرة القدم دعمه للحَكم شون إيفانز، الذي كان محور جدل بسبب إشارة يد مرتبطة بالمتطرفين البيض، حيث ذكر أنه يتصرف دائماً باحترافية واحترام.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية انتهت مباراة إيران ونيوزيلندا المثيرة بالتعادل 2 - 2 في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

التعادل يهيمن على كأس العالم... أربع مباريات بلا فائز لأول مرة منذ 1958

انتهت أربع مباريات بالتعادل في بطولة كأس العالم لكرة القدم، مساء الاثنين (صباح الثلاثاء بتوقيت غرينيتش)، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1958، في ظل استمرار تبديد…

«الشرق الأوسط» (برلين )
رياضة عربية محمد هاني (أ.ف.ب)

شفاينشتايغر: محمد هاني لاعب كبير

حرص النجم الألماني السابق سيباستيان شفاينشتايغر على الإشادة بمحمد هاني ظهير أيمن منتخب مصر خلال مقابلته له عقب لقاء منتخب (الفراعنة) مع المنتخب البلجيكي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.