شريف الصيفي: التراث الجنائزي لمصر القديمة فلسفة كاملة عن العالم

ترجم «الخروج إلى النهار»... و«متون الأهرام» أحدث إنجازاته

شريف الصيفي
شريف الصيفي
TT

شريف الصيفي: التراث الجنائزي لمصر القديمة فلسفة كاملة عن العالم

شريف الصيفي
شريف الصيفي

بترجمة «متون الأهرام»، أحد عيون التراث الجنائزي المصري القديم، الذي سيصدر قريباً عن دار «تنمية» للنشر بالقاهرة، يواصل شريف الصيفي، المقيم في العاصمة برلين، مشروعه في ترجمة أدبيات النصوص الجنائزية المصرية القديمة بكل ما تكتنزه من فلسفة ودراما وحكمة، بداية من ترجمته «الخروج للنهار» الذي نال صيتاً واسعاً منذ صدور أولى طبعاته من «المركز القومي للترجمة»، والذي أنجز ترجمته مباشرة من اللغة المصرية القديمة مباشرة دون اللجوء للغات أجنبية وسيطة.
هنا حوار معه عن الترجمة الجديدة، وخصوصية العلاقة مع التراث المصري القديم التي أسسها عبر سنوات من البحث في علم المصريات
> ما المقصود بمصطلح «متون الأهرام» وما هو موقع هذا الكتاب من مشروعك بترجمة أدبيات التراث الجنائزي المصري القديم؟
- «متون الأهرام» هو أقدم نص ديني دوَّنه الإنسان على الإطلاق. كان التدوين الأول له على الجدران الداخلية لهرم الملك «ونيس»، آخر ملوك الأسرة الخامسة (2300 ق. م تقريباً)، ثم استمر هذا التقليد في أهرامات ملوك الأسرة السادسة، ولهذه المتون موضوع محدد، وهو صعود الملك إلى السماء، إذ تحوي نصوصاً درامية، وتراتيل دينية، وتعاويذ سحرية، تضمن أن يحظى الملك المتوفى بوضع إلهي، وحياة أبدية، عبر التماهي مع الآلهة، وتدمير أعدائه، ونقل صلاحياتهم إليه، ودرء كل الأخطار التي قد تصادفه في مسيرته، من الجوع والعطش ولدغات الثعابين، وألا يُجبر على تناول الفضلات، أو السير مقلوباً رأساً على عقب في العالم الآخر، وأن يبحر في سلام مع مرافقي إله الشمس «رع» من النجوم التي لا تعرف الفناء. ترجمة التراث الجنائزي حلم قديم تبلور في إحدى اللقاءات مع الكاتب الراحل جمال الغيطاني، وظهر كتاب «الخروج للنهار» عبر «المركز القومي للترجمة» وظلت باقي الترجمات حبيسة الأدراج حتى كان اللقاء مع مكتبة «تنمية» التي رحبت بتبني المشروع.
> «الخروج للنهار» أو «كتاب الموتى» كان أول وأبرز ترجماتك في محيط التراث الجنائزي المصري القديم، برأيك ما الأسئلة الفلسفية والقضايا الكبرى التي يطرحها هذا الكتاب المهيب؟
- المصري القديم مثل باقي البشر كان مهموماً بالتساؤلات التقليدية والحية دوماً: من أين جئنا؟ وأين سنذهب بعد الموت؟ هل وجودنا على الأرض عبث، يتساوى فيه الطيب والشرير في آخر المطاف؟
وكانت النصوص الدينية في تلك الفترة المبكرة محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، وبها خلع المصري القديم المعنى على هذا الكون. وأنا أعتبرها محاولة جنينية وجادة لطرح تصور فلسفي عن العالم، واستفاد رواد الفلسفة الأفلاطونية، والأفلاطونية الحديثة، وبقية المدارس الغنوصية (العرفانية) من الحكمة المصرية وهم يبحثون عن إجابات للأسئلة الكبرى التي أرقتهم؛ مثل قضية الشر في العالم، وعلاقة الجسد بالروح، وقضية الحق؛ فالنصوص تعطي للشر وجوداً مستقلاً ومحدداً بنشاط واحد يومي لا يحيد عنه، وهو محاولة تخريب دينامية العالم، وهذا الشر الذي لا يملك أي سلطان على البشر، بمعنى أنه ليس محرضاً على الشر، أي أنها تُحيل الموضوع برمته إلى الإنسان واختيارات. ففي ختام «كتاب الطريقين» واحد من أهم الكتب الدينية في عصر المملكة الوسطى، يتحدث فيه الإله، بأنه خلق البشر متساوين، وأن الإله لا يعرف الشر، ولم يخلقه في البشر. فالذنوب إذن فعل إرادي حر يقوم به «الإنسان العاصي»، وهو المسؤول الوحيد عنها.
طرحت النصوص ذلك التصور الخصب حول وجود هيولي خامد مظلم يتجلى في المحيط الأزلي (نون)، يقع في مكان ما بين السماء والأرض، ويمثل المادة الأولى للخلق. بمعنى أن الكون لم يُخلَق من العدم، بل من مادة غير نشطة أبدية. وهي هنا لا تتطابق مع التصور اليوناني حول الفوضى البدائية، بمعنى الهاوية، بل المادة الطينية الأولى التي خرجت منها الحياة. فلم يكن الفيلسوف اليوناني طاليس الملطي أول من تحدث عن المبدأ الأول والنهائي، الذي منه خرج كل شيء ويبقى هو نفسه بلا تغيير. وكل ما يحيا ويوجد يدين بوجوده في نهاية المطاف لهذا المبدأ، وسيتحلل فيه مرة أخرى، وهذا ما اكتشفه المصري القديم قبل ميلاد طاليس بعشرين قرناً.
> وكيف تنظر للتلقي السائد إلى اليوم بأن تلك النصوص الجنائزية تكشف عن تسخير المصري القديم حياته لصالح الموت وقداسة العالم الآخر... كيف نضع هذا التلقي في نصابه الصحيح من الناحيتين التاريخية والفلسفية؟
- النصوص الجنائزية ليست دعوة للانسحاب من العالم، ولا تقديساً للموت، إنها دعوة للتوحيد بين الإنساني والإلهي والطبيعة في منظومة واحدة أبدية غير قابلة للتفتيت، تقود حركتها وتدعم دورتها قوى الخير والحق الموجودة في العناصر الثلاث؛ فأصبح الموت عنصراً استثنائيّاً مثل ساعات الليل؛ فيها تناضل الشمس القوى التي تحاول إعاقة هذا النظام الكوني، وكأنه موسم مؤقت تُعَدُّ فيه الحقول استعداداً لمخاض جديد.
لم يقدس المصري القديم الموت ولا أحبه، ولم يحيا له، بالعكس أحب الحياة وأقبل عليها، ومن فرط حبه للحياة خلق في العالم الآخر نسقاً موازياً مفعماً بالحركة ونزق الحياة. لغوياً لم تستخدم كلمة «موت» التي تتشارك فيها ما يسمى باللغات الحامية والسامية إلا في صيغة النفي، واستخدم تعبيرات أخرى للتعبير عن هذا الانتقال، مثل صعد للسماء، سافر، أبحر ورسى، اتحد مع قرص الشمس. بالطبع كان المصري واعياً بأن الموت انفصال، لكن أصر على رفضه بأن أخذ عالمه الأرضي معه. في أغلب الأحيان كانت التجهيزات الجنائزية التي توضع مع المتوفى في قبره هي متعلقاته في حياته الدنيا. وكذلك حرصه باستخدام التعاويذ السحرية أن يظل سليم الجسد وأن يؤمّن له الطعام الجيد والحليب الرائق، وأن تتعاظم فحولته الجنسية. اختصاراً هو لم يسخر حياته لصالح الموت، بل العكس هو سخر الموت من أجل حياة غنية، بأن روَّضَه فلم يصبح ذلك الوحش الذي يفني البشر ويبيدهم، بل هو جسر لحياة أخرى أهم سماتها، أن لا موت فيها.
> صدرت ترجمة «الخروج للنهار» قبل سنوات من المركز القومي للترجمة وتوالت طبعاته، لكن الترجمة الأحدث قمت فيها بإدخال نصوص إضافية، ما هي؟
- مبدئياً لم تخلُ القراءة الأولى التي نشرت من قبل «المركز القومي للترجمة» في طبعتين وثالثة عبر مكتبة الأسرة من أخطاء، قمت بتصحيحها في الطبعة الأخيرة. نعم تم إضافة بعض النصوص، فقد كان لبعض النصوص أكثر من صيغة، فكنت أترجم الصيغة الأكثر رواجاً، لكن في الطبعة الجديدة ترجمت جميع الصيغ. في الطبعات القديمة توقفت عند ما يسمى بنهاية العصر الفرعوني الكلاسيكي، لكن في الطبعة الجديدة وسعت الحيز التاريخي حتى العصر اليوناني الروماني، طبعاً إلى جانب إضافة المزيد من الشروح والتعليقات.
> بدأت دراسة علم المصريات واللغات السامية القديمة في جامعة ماربورج في عمر متقدم نسبياً رغم صعوبة هذه العلوم وعدم رواجها بطبيعة الحال، ما الدافع القوي الذي قادك لخوض هذا المشروع العلمي، وهل كان للرغبة في الترجمة نصيب من هذا الدافع؟
- هذا السؤال نفسه عبرت عنه البروفسورة «أورسولا فون هوفن» رئيسة قسم المصريات في جامعة ماربورج عندما تقدمت للالتحاق بالمعهد، كنت آنذاك في الخامسة والثلاثين، وأجبت أستاذتي بأني لست مهموماً بوظيفة في سلك المصريات، بل أنا مهموم بأن أكون مصرياً بالوعي وليس فقط بالسليقة وبحكم التنشئة. وأن أكون يوماً ما قادراً على نقل أمين لهذا التراث للعربية، أي جسر بين العلوم الأكاديمية ومثقفي البلاد ليعبروا بها لآفاق أوسع، تبدأ بتمصير مصر، وبعد أن أتممت دراستي للمصرية القديمة واللغات السامية انتقلت لجامعة جونتجن لدراسة اللغة القبطية، لكني بعد حادث وفاة طفلي الأول توقفت عن الدراسة ومشروع الدكتوراه، وبعد فترة استعدت حماسي لكني تفرغت للترجمة. لم أعد مهموماً بالهدف القديم (تمصير مصر)، أنا مستمتع بترجمة النصوص القديمة وأريد أن أنقل هذه المتعة للآخرين.
> من الغريب أن تكون أبرز الأعمال التي كشفت الكثير من فصول التاريخ المصري القديم كانت على يد باحثين أجانب، حتى ما نُقل إلينا منها كان عبر لغات أوروبية وسيطة، بداية من هيرودوت وحجر «رشيد» مروراً بكتاب «فجر الضمير» لجيمس برستد، كيف ترى إلى هذه المفارقة؟
- ليس في الأمر أي غرابة، فعلم المصريات وكذلك كل العلوم الشرقية هي علوم أوروبية خالصة حتى اليوم، والباحث العربي في هذه العلوم دون إتقانه على الأقل للغة أوروبية واحدة لن يلم بأسس هذه العلوم. ويعود الفضل هنا لجيل الرواد من علماء المصريات الذين أسسوا للعلم بالسهر والمثابرة. ومع كل الاحترام للأمثلة التي ذكرتها، فهناك مئات من الباحثين الجدد والآلاف من الكتب والأبحاث، التي تتناول الشأن المصري ولا تعلم مصر عنهم شيئاً.
> برأيك لماذا ما زالت قصة بناء الأهرامات تُثير كل هذا الجدل، كان آخرها تدوينة الأميركي إيلون ماسك المُدعية أن من قام ببنائها كائنات فضائية؟ لماذا ما زالت قصة هذا البناء تلك محط شك كبير في الغرب تحديداً؟
- محض هراء، القائلون به لا يستندون على أي مصدر علمي، أما الثابت هو أن أهرامات الجيزة العملاقة هي نتاج تراكم خبرات امتدت لأكثر من قرن ونصف، وزيارة واحدة لمنطقة بناء الأهرامات من أبو رواش في الجيزة وحتى هوارة على أطراف الفيوم مروراً بسقارة والبدرشين كافية للبرهنة على سخف هذا الطرح، فهناك عرض بانوراما كرونولوجي يمتد لأكثر من 150 عاماً لتطور بناء الأهرامات من قبر بمصطبة ثم قبر متعدد المصاطب (هرم زوسر المدرج)، ثم محاولة بناء الهرم الكامل، التي بدأت مع الملك سنفرو والد الملك خوفو. حيث بنى أول أهراماته في ميدوم من عدة مصاطب مكسواً بطبقة من الحجر الجيري لكنه انهار، ثم بنى هرماً ثانياً في دهشور لكنه في منتصف عدل مهندسوه زاويته من 58 إلى 43 درجة، وهو ما يعرف بالهرم المائل، ومن الواضح أن المنتج لم يعجب الملك، فحاول مهندسوه مرة أخرى ونجحوا في محاولتهم الثالثة في بناء أول هرم حقيقي وهو الهرم الأحمر شمال الهرم المائل في دهشور. واستثمر مهندسو خوفو كل هذا التراكم من الخبرات في إبداع الهرم الأكبر.
> بعد «متون الأهرام» ما الخطوة التالية في مشروعك؟
- قريباً جداً وعبر مكتبة «تنمية» أيضاً سيصدر الضلع الثالث في هذا المشروع، والمتمثل في كتابي «الطريقين» و«متون التوابيت»، وهما من أهم نصوص التراث الجنائزي المصري وأكثرها خصوبة، وبدرج مكتبي نحو ثمانية كتب مختلفة المواضيع، منها مخطوطات نجع حمادي الغنوصية، وكتاب حول المدارس الغنوصية المختلفة في القرون الأولى للميلاد، وكتاب عن إيزيس، ثم اتفرغ لإكمال مشروعي الكبير عن تاريخ اللغة المصرية.



في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»