شريف الصيفي: التراث الجنائزي لمصر القديمة فلسفة كاملة عن العالم

ترجم «الخروج إلى النهار»... و«متون الأهرام» أحدث إنجازاته

شريف الصيفي
شريف الصيفي
TT

شريف الصيفي: التراث الجنائزي لمصر القديمة فلسفة كاملة عن العالم

شريف الصيفي
شريف الصيفي

بترجمة «متون الأهرام»، أحد عيون التراث الجنائزي المصري القديم، الذي سيصدر قريباً عن دار «تنمية» للنشر بالقاهرة، يواصل شريف الصيفي، المقيم في العاصمة برلين، مشروعه في ترجمة أدبيات النصوص الجنائزية المصرية القديمة بكل ما تكتنزه من فلسفة ودراما وحكمة، بداية من ترجمته «الخروج للنهار» الذي نال صيتاً واسعاً منذ صدور أولى طبعاته من «المركز القومي للترجمة»، والذي أنجز ترجمته مباشرة من اللغة المصرية القديمة مباشرة دون اللجوء للغات أجنبية وسيطة.
هنا حوار معه عن الترجمة الجديدة، وخصوصية العلاقة مع التراث المصري القديم التي أسسها عبر سنوات من البحث في علم المصريات
> ما المقصود بمصطلح «متون الأهرام» وما هو موقع هذا الكتاب من مشروعك بترجمة أدبيات التراث الجنائزي المصري القديم؟
- «متون الأهرام» هو أقدم نص ديني دوَّنه الإنسان على الإطلاق. كان التدوين الأول له على الجدران الداخلية لهرم الملك «ونيس»، آخر ملوك الأسرة الخامسة (2300 ق. م تقريباً)، ثم استمر هذا التقليد في أهرامات ملوك الأسرة السادسة، ولهذه المتون موضوع محدد، وهو صعود الملك إلى السماء، إذ تحوي نصوصاً درامية، وتراتيل دينية، وتعاويذ سحرية، تضمن أن يحظى الملك المتوفى بوضع إلهي، وحياة أبدية، عبر التماهي مع الآلهة، وتدمير أعدائه، ونقل صلاحياتهم إليه، ودرء كل الأخطار التي قد تصادفه في مسيرته، من الجوع والعطش ولدغات الثعابين، وألا يُجبر على تناول الفضلات، أو السير مقلوباً رأساً على عقب في العالم الآخر، وأن يبحر في سلام مع مرافقي إله الشمس «رع» من النجوم التي لا تعرف الفناء. ترجمة التراث الجنائزي حلم قديم تبلور في إحدى اللقاءات مع الكاتب الراحل جمال الغيطاني، وظهر كتاب «الخروج للنهار» عبر «المركز القومي للترجمة» وظلت باقي الترجمات حبيسة الأدراج حتى كان اللقاء مع مكتبة «تنمية» التي رحبت بتبني المشروع.
> «الخروج للنهار» أو «كتاب الموتى» كان أول وأبرز ترجماتك في محيط التراث الجنائزي المصري القديم، برأيك ما الأسئلة الفلسفية والقضايا الكبرى التي يطرحها هذا الكتاب المهيب؟
- المصري القديم مثل باقي البشر كان مهموماً بالتساؤلات التقليدية والحية دوماً: من أين جئنا؟ وأين سنذهب بعد الموت؟ هل وجودنا على الأرض عبث، يتساوى فيه الطيب والشرير في آخر المطاف؟
وكانت النصوص الدينية في تلك الفترة المبكرة محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، وبها خلع المصري القديم المعنى على هذا الكون. وأنا أعتبرها محاولة جنينية وجادة لطرح تصور فلسفي عن العالم، واستفاد رواد الفلسفة الأفلاطونية، والأفلاطونية الحديثة، وبقية المدارس الغنوصية (العرفانية) من الحكمة المصرية وهم يبحثون عن إجابات للأسئلة الكبرى التي أرقتهم؛ مثل قضية الشر في العالم، وعلاقة الجسد بالروح، وقضية الحق؛ فالنصوص تعطي للشر وجوداً مستقلاً ومحدداً بنشاط واحد يومي لا يحيد عنه، وهو محاولة تخريب دينامية العالم، وهذا الشر الذي لا يملك أي سلطان على البشر، بمعنى أنه ليس محرضاً على الشر، أي أنها تُحيل الموضوع برمته إلى الإنسان واختيارات. ففي ختام «كتاب الطريقين» واحد من أهم الكتب الدينية في عصر المملكة الوسطى، يتحدث فيه الإله، بأنه خلق البشر متساوين، وأن الإله لا يعرف الشر، ولم يخلقه في البشر. فالذنوب إذن فعل إرادي حر يقوم به «الإنسان العاصي»، وهو المسؤول الوحيد عنها.
طرحت النصوص ذلك التصور الخصب حول وجود هيولي خامد مظلم يتجلى في المحيط الأزلي (نون)، يقع في مكان ما بين السماء والأرض، ويمثل المادة الأولى للخلق. بمعنى أن الكون لم يُخلَق من العدم، بل من مادة غير نشطة أبدية. وهي هنا لا تتطابق مع التصور اليوناني حول الفوضى البدائية، بمعنى الهاوية، بل المادة الطينية الأولى التي خرجت منها الحياة. فلم يكن الفيلسوف اليوناني طاليس الملطي أول من تحدث عن المبدأ الأول والنهائي، الذي منه خرج كل شيء ويبقى هو نفسه بلا تغيير. وكل ما يحيا ويوجد يدين بوجوده في نهاية المطاف لهذا المبدأ، وسيتحلل فيه مرة أخرى، وهذا ما اكتشفه المصري القديم قبل ميلاد طاليس بعشرين قرناً.
> وكيف تنظر للتلقي السائد إلى اليوم بأن تلك النصوص الجنائزية تكشف عن تسخير المصري القديم حياته لصالح الموت وقداسة العالم الآخر... كيف نضع هذا التلقي في نصابه الصحيح من الناحيتين التاريخية والفلسفية؟
- النصوص الجنائزية ليست دعوة للانسحاب من العالم، ولا تقديساً للموت، إنها دعوة للتوحيد بين الإنساني والإلهي والطبيعة في منظومة واحدة أبدية غير قابلة للتفتيت، تقود حركتها وتدعم دورتها قوى الخير والحق الموجودة في العناصر الثلاث؛ فأصبح الموت عنصراً استثنائيّاً مثل ساعات الليل؛ فيها تناضل الشمس القوى التي تحاول إعاقة هذا النظام الكوني، وكأنه موسم مؤقت تُعَدُّ فيه الحقول استعداداً لمخاض جديد.
لم يقدس المصري القديم الموت ولا أحبه، ولم يحيا له، بالعكس أحب الحياة وأقبل عليها، ومن فرط حبه للحياة خلق في العالم الآخر نسقاً موازياً مفعماً بالحركة ونزق الحياة. لغوياً لم تستخدم كلمة «موت» التي تتشارك فيها ما يسمى باللغات الحامية والسامية إلا في صيغة النفي، واستخدم تعبيرات أخرى للتعبير عن هذا الانتقال، مثل صعد للسماء، سافر، أبحر ورسى، اتحد مع قرص الشمس. بالطبع كان المصري واعياً بأن الموت انفصال، لكن أصر على رفضه بأن أخذ عالمه الأرضي معه. في أغلب الأحيان كانت التجهيزات الجنائزية التي توضع مع المتوفى في قبره هي متعلقاته في حياته الدنيا. وكذلك حرصه باستخدام التعاويذ السحرية أن يظل سليم الجسد وأن يؤمّن له الطعام الجيد والحليب الرائق، وأن تتعاظم فحولته الجنسية. اختصاراً هو لم يسخر حياته لصالح الموت، بل العكس هو سخر الموت من أجل حياة غنية، بأن روَّضَه فلم يصبح ذلك الوحش الذي يفني البشر ويبيدهم، بل هو جسر لحياة أخرى أهم سماتها، أن لا موت فيها.
> صدرت ترجمة «الخروج للنهار» قبل سنوات من المركز القومي للترجمة وتوالت طبعاته، لكن الترجمة الأحدث قمت فيها بإدخال نصوص إضافية، ما هي؟
- مبدئياً لم تخلُ القراءة الأولى التي نشرت من قبل «المركز القومي للترجمة» في طبعتين وثالثة عبر مكتبة الأسرة من أخطاء، قمت بتصحيحها في الطبعة الأخيرة. نعم تم إضافة بعض النصوص، فقد كان لبعض النصوص أكثر من صيغة، فكنت أترجم الصيغة الأكثر رواجاً، لكن في الطبعة الجديدة ترجمت جميع الصيغ. في الطبعات القديمة توقفت عند ما يسمى بنهاية العصر الفرعوني الكلاسيكي، لكن في الطبعة الجديدة وسعت الحيز التاريخي حتى العصر اليوناني الروماني، طبعاً إلى جانب إضافة المزيد من الشروح والتعليقات.
> بدأت دراسة علم المصريات واللغات السامية القديمة في جامعة ماربورج في عمر متقدم نسبياً رغم صعوبة هذه العلوم وعدم رواجها بطبيعة الحال، ما الدافع القوي الذي قادك لخوض هذا المشروع العلمي، وهل كان للرغبة في الترجمة نصيب من هذا الدافع؟
- هذا السؤال نفسه عبرت عنه البروفسورة «أورسولا فون هوفن» رئيسة قسم المصريات في جامعة ماربورج عندما تقدمت للالتحاق بالمعهد، كنت آنذاك في الخامسة والثلاثين، وأجبت أستاذتي بأني لست مهموماً بوظيفة في سلك المصريات، بل أنا مهموم بأن أكون مصرياً بالوعي وليس فقط بالسليقة وبحكم التنشئة. وأن أكون يوماً ما قادراً على نقل أمين لهذا التراث للعربية، أي جسر بين العلوم الأكاديمية ومثقفي البلاد ليعبروا بها لآفاق أوسع، تبدأ بتمصير مصر، وبعد أن أتممت دراستي للمصرية القديمة واللغات السامية انتقلت لجامعة جونتجن لدراسة اللغة القبطية، لكني بعد حادث وفاة طفلي الأول توقفت عن الدراسة ومشروع الدكتوراه، وبعد فترة استعدت حماسي لكني تفرغت للترجمة. لم أعد مهموماً بالهدف القديم (تمصير مصر)، أنا مستمتع بترجمة النصوص القديمة وأريد أن أنقل هذه المتعة للآخرين.
> من الغريب أن تكون أبرز الأعمال التي كشفت الكثير من فصول التاريخ المصري القديم كانت على يد باحثين أجانب، حتى ما نُقل إلينا منها كان عبر لغات أوروبية وسيطة، بداية من هيرودوت وحجر «رشيد» مروراً بكتاب «فجر الضمير» لجيمس برستد، كيف ترى إلى هذه المفارقة؟
- ليس في الأمر أي غرابة، فعلم المصريات وكذلك كل العلوم الشرقية هي علوم أوروبية خالصة حتى اليوم، والباحث العربي في هذه العلوم دون إتقانه على الأقل للغة أوروبية واحدة لن يلم بأسس هذه العلوم. ويعود الفضل هنا لجيل الرواد من علماء المصريات الذين أسسوا للعلم بالسهر والمثابرة. ومع كل الاحترام للأمثلة التي ذكرتها، فهناك مئات من الباحثين الجدد والآلاف من الكتب والأبحاث، التي تتناول الشأن المصري ولا تعلم مصر عنهم شيئاً.
> برأيك لماذا ما زالت قصة بناء الأهرامات تُثير كل هذا الجدل، كان آخرها تدوينة الأميركي إيلون ماسك المُدعية أن من قام ببنائها كائنات فضائية؟ لماذا ما زالت قصة هذا البناء تلك محط شك كبير في الغرب تحديداً؟
- محض هراء، القائلون به لا يستندون على أي مصدر علمي، أما الثابت هو أن أهرامات الجيزة العملاقة هي نتاج تراكم خبرات امتدت لأكثر من قرن ونصف، وزيارة واحدة لمنطقة بناء الأهرامات من أبو رواش في الجيزة وحتى هوارة على أطراف الفيوم مروراً بسقارة والبدرشين كافية للبرهنة على سخف هذا الطرح، فهناك عرض بانوراما كرونولوجي يمتد لأكثر من 150 عاماً لتطور بناء الأهرامات من قبر بمصطبة ثم قبر متعدد المصاطب (هرم زوسر المدرج)، ثم محاولة بناء الهرم الكامل، التي بدأت مع الملك سنفرو والد الملك خوفو. حيث بنى أول أهراماته في ميدوم من عدة مصاطب مكسواً بطبقة من الحجر الجيري لكنه انهار، ثم بنى هرماً ثانياً في دهشور لكنه في منتصف عدل مهندسوه زاويته من 58 إلى 43 درجة، وهو ما يعرف بالهرم المائل، ومن الواضح أن المنتج لم يعجب الملك، فحاول مهندسوه مرة أخرى ونجحوا في محاولتهم الثالثة في بناء أول هرم حقيقي وهو الهرم الأحمر شمال الهرم المائل في دهشور. واستثمر مهندسو خوفو كل هذا التراكم من الخبرات في إبداع الهرم الأكبر.
> بعد «متون الأهرام» ما الخطوة التالية في مشروعك؟
- قريباً جداً وعبر مكتبة «تنمية» أيضاً سيصدر الضلع الثالث في هذا المشروع، والمتمثل في كتابي «الطريقين» و«متون التوابيت»، وهما من أهم نصوص التراث الجنائزي المصري وأكثرها خصوبة، وبدرج مكتبي نحو ثمانية كتب مختلفة المواضيع، منها مخطوطات نجع حمادي الغنوصية، وكتاب حول المدارس الغنوصية المختلفة في القرون الأولى للميلاد، وكتاب عن إيزيس، ثم اتفرغ لإكمال مشروعي الكبير عن تاريخ اللغة المصرية.



مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتين أثريتين «TT416»، و«TT417» للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد تنفيذ الوزارة مشروع ترميم وتطوير هاتين المقبرتين، بالإضافة إلى مقبرة ثالثة مفتوحة بالفعل بمنطقة الخوخة بالبر الغربي في الأقصر.

وتعود مقبرة أمنحتب المدعو رابويا (الأب) رقم (TT416)، حارس بوابة آمون بالكرنك، إلى عصر الملك تحتمس الثالث، كما تعود مقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417) إلى عصر الملك تحتمس الرابع، أما المقبرة الثالثة (TT52) المفتوحة بالفعل أمام الزائرين فتعود إلى عصر تحتمس الرابع.

ويأتي مشروع الترميم في إطار «استراتيجية الوزارة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للزائرين بصورة تليق بقيمته التاريخية»، وفق شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري الذي أضاف في بيان صحافي الأحد، أن «أعمال الترميم لا تقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يعزز من مكانة مصر بصفتها وجهة سياحية عالمية للسياحة الثقافية».

جانب من الزخارف الأثرية بعد ترميمها بأحد مقابر الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن «أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية، وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين»، مؤكداً أن «المشروع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم».

وأشار إلى أن «المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن وتصوير الحياة اليومية والعقائد الجنائزية خلال عصر الدولة الحديثة، وتُعد من الإضافات المهمة لخريطة الزيارة السياحية بالبر الغربي في الأقصر».

وتضمنت أعمال ترميم المقبرتين «TT416»، و«TT417»، المقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، تنفيذ برنامج متكامل شمل الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وأعمال الترميم المعماري للجدران، إلى جانب إزالة الرديم، والتنظيف الميكانيكي، ومعالجة الشقوق، وتقوية الألوان وصيانتها.

كما شملت الأعمال تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، بالإضافة إلى تزويد المنطقة بلوحات إرشادية وتعريفية، ومظلات خشبية ومقاعد لراحة الزائرين، فضلاً عن إعداد مادة تعريفية وكتيب إرشادي باللغتين العربية والإنجليزية.

فتح مقابر للزيارة يأتي ضمن مشروع سياحي طموح (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتتميز المقبرتان بتخطيطهما المعماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضم كل منهما صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، وصالة طولية تتضمن مناظر جنائزية. كما أعيد استخدام المقبرتين خلال العصر المتأخر، ما أضاف إليهما عناصر معمارية جديدة، مثل الغرف والآبار الجنائزية، وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أن «مقبرة (رابويا) تزخر بمناظر زراعية وطقوس جنائزية مميزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، بينما تحتوي مقبرة ساموت، رغم عدم اكتمالها، على زخارف فنية عالية الجودة».

أما مقبرة نخت (TT52)، (كاتب المخازن من عهد الملك تحتمس الرابع)، التي تُعد مفتوحة للزيارة، فقد شملت أعمال التطوير بها إحلال وتجديد نظام حماية المناظر والنقوش الجدارية، حيث تم استبدال الزجاج القديم الذي كان يحيط بها منذ تسعينات القرن الماضي بواسطة زجاج حديث يضمن الحفاظ على النقوش مع تحسين التهوية الداخلية، بالإضافة إلى تحديث نظام الإضاءة، وتنفيذ أعمال ترميم دقيقة للنقوش.

مناظر ورسومات نادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتسعى مصر إلى تطوير المواقع الأثرية بجنوب البلاد بعد تحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين خلال العام الماضي، ففي أسوان أعلن عمرو لاشين محافظ أسوان السبت عن بدء المرحلة التنفيذية لمشروع تطوير مداخل معبد فِيَلة، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وتنفيذ مؤسسة الأغاخان للخدمات الثقافية. حيث يستهدف المشروع تعزيز الهوية البصرية للمنطقة، وإضفاء طابع حضاري وجمالي على المدخل الرئيسي لمعبد فيلة بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية العريقة.


مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
TT

مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

لا يبدو أن التنازل عن عادة تناول وجبة «الفسيخ» و«الرنجة» أمر مقبول لدى المصريين، خصوصاً في موسم «شم النسيم»، رغم التحذيرات المتكررة سنوياً من مخاطر تناول الأسماك المملحة، والبيانات الرسمية التي تعلن ضبط كميات كبيرة غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

وتتصاعد وتيرة الرقابة الرسمية بالتزامن مع موسم الأعياد؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الأحد، تكثيف حملات التفتيش على أماكن عرض وبيع وتداول الأسماك المملحة والمدخنة في مختلف المحافظات، في محاولة للحد من المخاطر الصحية التي تتكرر سنوياً. وبالتوازي مع ذلك، تتوالى الأخبار عن ضبط كميات كبيرة فاسدة، مرفقة بتحذيرات متجددة للمواطنين. فقد أسفرت حملات الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن ضبط أكثر من 71 طناً من الأسماك المملحة والمدخنة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي خلال أسبوع واحد فقط، وفق بيان وزارة الزراعة المصرية الأحد.

تنظيف «الرنجة» في أحد محال بيع الأسماك المملحة (الشرق الأوسط)

وفي محافظة الشرقية (دلتا مصر) تم ضبط نصف طن من أسماك «الرنجة» الفاسدة، في حين سجلت محافظة أسيوط (صعيد مصر) نحو 850 كغم من الأسماك المملحة غير الصالحة في عدد من مراكزها، وفي بورسعيد (شمال شرق مصر) تم ضبط نحو 13 كغم من سمك اللوت في حالة فساد شديد قبل طرحها بالأسواق.

وبينما تكثف الجهات الرقابية حملاتها في المحافظات بالتزامن مع «عيد القيامة» و«شم النسيم»، يظل الإقبال قائماً، مدفوعاً بثقة البعض في مصادر الشراء، أو بتقليلهم من حجم المخاطر، فتقول حنان العطار (36 عاماً)، وهي موظفة في شركة عقارات، لـ«الشرق الأوسط»، إن عادات الشراء تغيّرت بمرور الوقت؛ إذ «أصبحت الأسماك المملحة معروضة بشكل كبير في محال السوبر ماركت الكبيرة، ونظراً لارتفاع الأسعار الكبير نقوم عادة بمقارنة عروض الأسعار، فيما أتذكر أن والدي كان يحرص على الشراء من محل (فسخاني) محدد، لارتباطه لديه بثقة طويلة في البيع، ولضمان جودة المنتج».

محال بيع «الفسيخ» تروج لمنتجاتها (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

وخلال قيامها بشراء وجبة تكفي لعائلتها للاحتفال بـ«شم النسيم»، تقول زينب عبد الحميد، وهي ربة منزل (54 عاماً)، إن «خبرة الشراء تلعب دوراً حاسماً في تجنّب المنتجات غير الصالحة، وعادة نكتفي بـ(الرنجة) و(السردين)؛ لأن أغلب المشكلات تكون مرتبطة بـ(الفسيخ)»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتوضح أنها تعتمد على «مجموعة من المؤشرات البسيطة عند الاختيار، مثل تماسك السمكة، ورائحتها، ولمعان سطحها، باعتبارها دلائل على جودتها».

وبالتوازي مع التحذيرات والضبطيات، تسعى الدولة للتدخل عبر ضبط الأسعار وتوفير بدائل أقل تكلفة؛ إذ أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية، الأحد، طرح «الرنجة» بأسعار مخفضة داخل المجمعات الاستهلاكية ومنافذها، حيث يصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 145 جنيهاً (الدولار يساوي 53.1 جنيه مصري)؛ أي أقل بنحو 45 جنيهاً مقارنةً بالأسواق الحرة التي تبدأ من 190 جنيهاً، في حين تتراوح أسعار الكيلوغرام من «الفسيخ» بين 280 جنيهاً و600 جنيه.

ذروة الموسم

ويقول مدحت شوقي، بائع في محل «فسخاني» بمحافظة الجيزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الفترة تمثل ذروة الموسم بالنسبة لهم، موضحاً: «نوفر خدمة تنظيف (الرنجة) حسب رغبة الزبائن لتكون شرائح (فيليه)، مقابل 20 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، ومن بداية الأسبوع الذي يبدأ بـ(سبت النور) حتى (شم النسيم) نكون في حالة طوارئ بسبب حجم الإقبال الكبير على شراء الأسماك المملحة على مدار اليوم».

ويربط محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة وعدة عوامل متداخلة، فـ«تزامن هذه العوامل مع ارتفاع الطلب الموسمي خلال الأعياد يضاعف من وتيرة الزيادة في الأسعار، علاوة على زيادة تكلفة الإنتاج، فالسمك البوري، المكوّن الأساسي لـ(الفسيخ)، شهد ارتفاعاً ملحوظاً، ما انعكس مباشرةً على السعر النهائي للمنتج». ويشير إلى أن «رفع أسعار السولار لعب دوراً رئيسياً في ذلك؛ كونه يدخل في تشغيل مراكب الصيد، ونقل الأسماك، وحتى إنتاج الأعلاف، ما أدى إلى زيادة التكلفة عبر مراحل متعددة»، ويضيف: «(الرنجة) لم تكن بمعزل عن هذه الزيادات؛ إذ تأثرت بدورها بارتفاع سعر الدولار، باعتبارها منتجاً يعتمد في الأساس على الاستيراد من دول مثل هولندا، قبل تدخينها محلياً»، لافتاً إلى أن «بعض الأنواع المدخنة في الخارج يصل سعرها إلى نحو 1200 جنيه للكيلوغرام».

تتراوح أسعار «الرنجة» حسب درجة جودتها (الشرق الأوسط)

وعلى حد تعبير الدكتورة ياسمين العطار، أخصائية التغذية العلاجية بجامعة القاهرة، فإن «المسألة لا تتعلق بمجرد اختيار غذائي عابر، بقدر ما ترتبط بعادة راسخة تتوارثها الأجيال، وتُستعاد بوصفها جزءاً من طقس احتفالي لا يكتمل من دونها»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «إلغاء هذا الطقس يكاد يكون أمراً مستحيلاً في مصر، لكننا نوصي دائماً بتقليل الكميات، والإكثار من شرب المياه، خصوصاً لمرضى الضغط والسكري»، مشيرةً إلى أن اقتران هذه المأكولات شعبياً بالليمون والبصل الأخضر يُعد من العادات الجيدة؛ لأنهما يساعدان على معادلة الملوحة المرتفعة نسبياً، ويحفّزان الهضم، ويقللان من حدة التأثيرات السلبية على الجسم، كما تقول.


انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)

استيقظ المصريون على حادثة انتحار سيدة أربعينية، ليل السبت، من شرفة منزلها بالدور الـ13، في محافظة الإسكندرية وذلك عقب شكواها في بث مباشر، من «ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها»، وسط صدمة وجدل مجتمعي حول الدوافع.

ومكمن الفاجعة، أنها تحدثت خلال بث مباشر على «فيسبوك»، استمر قرابة الساعة، من دون أن يتدخل أحد من أقاربها أو أصدقائها للمساعدة وإيقافها. وسبق وظهر العديد من التهديدات بالانتحار في «لايفات على السوشيال ميديا»، لرجال ونساء، قبل أن يتدخل أحد من المعارف ويمنعها.

وظهرت سيدة الإسكندرية معلقة على سور شرفتها لدقائق قبل أن تفلت يديها وتسقط. واستخدم البعض هذه الطريقة وكذلك طول مدة الشكوى في البث، للاستدلال على أنها لم تكن قد استقرت على الانتحار... وكانت تعاني صراعاً داخلياً، ورغبت في أن تجد من يساعدها.

بينما ركز آخرون، على الدوافع، سواء المادية أو النفسية، والأزمات التي تواجهها المطلقات بعد الانفصال، مع مقترح أن تتكفل الدولة بهن، خصوصاً أن بعض الآباء لا يلتزمون بالإنفاق على أبنائهم بعد الطلاق.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتصدرت قصة انتحار سيدة الإسكندرية «ترند» مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وأعيد تداول ونشر آخر دقائق في حياتها، مرات ومرات، ما دفع «المجلس الأعلى للإعلام»، إلى مخاطبة «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع المنصات.

كما حظر المجلس تداول هذه المقاطع إعلامياً، أو نشر اسم السيدة الراحلة، مراعاة للأكواد الإعلامية المنظمة لتغطية حوادث الانتحار.

وعملت الراحلة في مجال الأزياء كموديل. وأرجعت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، «زيادة حالات الانتحار خصوصاً عند السيدات، إلى ضغوطات الحياة على المرأة في العصر الحالي، ما بين العمل والأعمال المنزلية، مع تراجع دور الدوائر القريبة للدعم، من الأب والأم والعائلة بوجه عام، وحتى الجيران».

وأضافت: «الروابط المجتمعية لم تعد متينة مثل ذي قبل، بفعل حالات عدم الاستقرار في مكان واحد، وكثرة التنقل، ما أضعف هذه الروابط التي كانت تخلق حالة من التوازن النفسي والدعم من قبل».

وسبق انتحار سيدة الإسكندرية بأسابيع، حادثة أخرى هزت الرأي العام المصري، بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم في حي كرموز بالإسكندرية. حيث اعترف باتفاقه مع أمه، على إنهاء حياة الأسرة بالكامل بعد تدهور حالتهم المادية إثر طلاق الأم من الأب وإصابتها بمرض السرطان منذ 5 سنوات، وكذلك رفض الأب الإنفاق على عائلته.

وقالت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع المادية عامل من عوامل الضغط التي قد تدفع للانتحار، لكنها ليست العوامل الوحيدة... كثيرون لديهم أوضاع مادية صعبة، لكن يتحلون بإرادة قوية تجعلهم يتجاوزون هذه الأوضاع، أو يواجهونها دون التفكير في الانتحار».

ولأن حالات الانتحار باتت متكررة، «في ظل تزايد الضغوط النفسية والاجتماعية»، رأت النائبة سحر البزار أن الحل يكمن في إطلاق «خط طوارئ للنجدة النفسية»، على غرار خدمات النجدة الشرطية والإسعاف والمطافئ، في مقترح قدمته إلى الحكومة.

ويقوم خط «النجدة النفسية» على مركز وطني لإدارة الأزمات، يضم أطباء نفسيين واختصاصيين اجتماعيين مدربين، ويعمل من خلال قنوات متعددة تشمل المكالمات الهاتفية والرسائل والدعم الإلكتروني، وفق معايير جودة واستجابة محددة، حسب بيان للنائبة، التي اعتبرت أن احتواء الحالات التي قد تفكر في الانتحار «أولوية وطنية عاجلة».

وكان «المجلس القومي للطفولة والأمومة» وجه بعدم تداول محتوى انتحار سيدة الإسكندرية، «لما في ذلك من آثار سلبية جسيمة على الصحة النفسية للطفلتين وأسرتهما، واحتراماً لخصوصيتهما وكرامتهما الإنسانية».

ولا يعتبر أستاذ علم النفس جمال فرويز أن حالات الانتحار في مصر تشهد زيادة كبيرة كما هو متصور، لكن الزيادة في «تعرضنا لحالات الانتحار مع انتشار النشر عنها عبر السوشيال ميديا ووسائل الإعلام»، لافتاً إلى أن بعض الدول تحظر نشر أي أخبار أو معلومات عن الانتحار سواء في وسائل الإعلام أو حتى عبر السوشيال ميديا.

وكانت مصر تعد واحدة من أقل الدول في معدلات الانتحار وفق مؤسسة الصحة العالمية، حيث يتراوح المعدل بين 3 إلى 3.4 شخص من بين كل 100 ألف شخص، حسب إحصائية عام 2019.

وأشار فرويز في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى الأثر السلبي لانتشار هذه الوقائع وتخزينها في اللاوعي لدى المتلقي، وتكوين صور ذهنية عنها، ما تجعله عرضة لتكرارها عند المرور بأزمة ما، مستدلاً على ذلك، بانتشار حالات الانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة أمراض نفسية وأزمات شديدة يمر بها الفرد وتدفعه للانتحار حسب فرويز، مثل «حالات الاكتئاب الشديدة، واضطراب الشخصية الحدية خصوصاً لدى المراهقين والشباب، والفصام»، وكذلك الدخول في حالات مرضية نفسية نتيجة أزمات مادية أو صحية.

وكان فريق من المتفاعلين مع حادثة سيدة الإسكندرية حذروا من الخلط بين البحث عن الدوافع وتحليلها وتفاديها، والدخول في عملية تبرير للانتحار، لما في ذلك من مخاطر قد تدفع آخرين للقيام به.