«السودان على طريق المصالحة»... شهادة حية على الثورة

رصدها دبلوماسي موريتاني وقدّم لها الرئيس المالي الأسبق عمر كوناري

«السودان على طريق المصالحة»... شهادة حية على الثورة
TT

«السودان على طريق المصالحة»... شهادة حية على الثورة

«السودان على طريق المصالحة»... شهادة حية على الثورة

صدر أخيراً عن المركز الثقافي ببيروت كتاب «السودان على طريق المصالحة»، في نسخته العربية، للدبلوماسي الموريتاني محمد الحسن ولد لبّات، وهو وزير خارجية سابق في بلده. الكتاب جاء كشهادة حيّة من الكاتب عن تجربة المصالحة التي خاضها الفرقاء السياسيون في السودان إبّان الأحداث الدامية التي أعقبت ثورة إسقاط نظام عمر حسن البشير. وكان صاحب الكتاب هو الوسيط الرئيسي فيها منذ البداية وحتى تحقيق اتفاق المصالحة الذي تمخض عنه في الأخير تشكيلُ مجلس انتقالي للسيادة في البلاد. ومنذ الصفحات الأولى لهذا الكتاب، تبرز كلمات الإهداء المختصرة والمؤثرة إلى أرواح الضحايا ممن فقدوا حياتهم في مسيرة سلمية على طريق المصالحة والسلام.
الكتاب قدّمه الرئيس المالي الأسبق عمر كوناري، بكلمات عن أفريقيا والصراعات وعن السلام كحتمية لا بد من الوصول إليها عند كل معترك تخوضه الأمة الأفريقية في مسار بناء الوحدة والاستقرار، وقد خصّ السودان بكلمة مطولة عن تاريخه الضارب في القدم وعن حاضره الصعب الذي رأى أن معطياته ما فتئت تعبّر دائماً عن حالة الفشل الأفريقية في بناء مفهوم الدولة الموحدة على نحو صحيح، ثم ما لبث أن أثنى على تجربة الوساطة والوفاق السوداني الداخلي منبّهاً في الوقت نفسه إلى الحاجة الماسّة إلى استدعاء عنصر اليقظة كشرط ضروري للحفاظ على مكتسبات المصالحة وتعزيزها داخلياً، ومن ثمّ تعميم خلاصاتها الجوهرية على الصراعات الأفريقية الأخرى.
سياق الوساطة كان هو أول ما تطرق إليه المؤلف في مسار سرده لحيثيات الأزمة والمعطيات التي صاحبَتْها داخلياً وإقليمياً. فالحادي عشر من أبريل (نيسان) 2019 شكّل تاريخ انطلاق السرد مع وصول موسى فكي محمد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، إلى الخرطوم بعد عشرة أيام فقط من حدث كبير هزّ السودان بأسره «إسقاط الرئيس عمر حسن البشير» بعد عقود طويلة من الحكم وبعد سلسلة من المظاهرات المطالبة برحيله وما تلا ذلك من مواجهات كانت في معظمها عنيفة وراح ضحيتها الكثير من الأبرياء.
يروي الكاتب تفاصيل تلك اللحظة الأولى والصادمة، حيث التوتر المشوب بالحذر يسيطر على المشهد العام، وحيث المخاوف مشتركة بين الفرقاء من جهة وبين وسطاء الحل من جهة أخرى، كما وصف الكاتب بدقّة ملامح اللحظة التي أرّخت لتعيينه رئيساً لفريق الاتحاد الأفريقي المكلف تنفيذ القرار الصادر عن مجلس السلم والأمن، وما أثاره هذا القرار في صميم كيانِه من مشاعر عميقة وهو يستحضر صورة السودان في ذهنه وارتباطَه بهذا البلد روحياً وثقافياً، وامتداد ذلك كله في أعماق وجدانه، إنها عناصر جعلت من المهمة التي أُنيطت به أكثر من مجرّد مهمّة رسمية صارمة القواعد.
وقد استفاض ولد لبّات في هذا الجزء من الكتاب في وصف الحياة السياسية السودانية واستعراض معطياتها الملتبسة وتسليط الضوء على شخوصها وثِقَل التيارات التي يمثلونها كمّاً وكيفاً. لقد وصف حالة الشلل التام التي كانت تسيطر على العاصمة عند لحظات التغيير الأولى تحت وقع مظاهرات حاصرت قطاع الدولة الرسمي والعسكري بصفة خاصة، مع سلسلة من المشاهد الدراماتيكية التي أعقبت قرار الإطاحة بالرئيس المخلوع على يد وزير دفاعه ابن عوف، والذي أُطيح به هو الآخر من رئاسة المجلس العسكري بعدها بساعات. ولأن السودانيين في صفوف الثورة -في تلك اللحظة الأوليّة- لم يكونوا على قدر كبير من الود مع الاتحاد الأفريقي، فقد كان لزاماً على ولد لبّات –كما يصف- أن يُنضِج الوساطة بأكثر من حيلة.
إنضاج الوساطة هو هدف محوري خصص له صاحب الكتاب فصلاً كاملاً، ويمكن إجمال أفكاره عموماً في رهان كسب ثقة الأطراف، وهو ما تأتّى للدبلوماسي الوسيط كما يبدو من خلال إقناع الفرقاء باستقلاليته عن الأجندات الخارجية وباحترامه الصارم لمرجعية الاتحاد الأفريقي وانحيازه للسودان عاطفياً مع استحضار كل ما يربط موريتانيا بالسودان روحياً على الأقل.
من جهة ثانية، أشار ولد لبّات إلى أهمية التراكم الذي حققه خلال مشاركته الفاعلة في وساطات سابقة بعدد من نقاط التوتر في القارة الأفريقية تحت إشراف كوكبة من الأسماء الدبلوماسية البارزة كنيلسون مانديلا، ورئيس بُتسوانا السابق كاتميلي ماسيري، ورئيس تنزانيا السابق جوليوس نيريري، وغيرهم، وهو ما سمح له بالوصول إلى خلاصات عزّزت ثقته الشخصية بجودة الوساطة الأفريقية وجعلته متشبعاً بدروس الإنضاج الضروري لأي تجربة وساطة كشرط أوّلي وحاسم لنجاحها.
ولعل أهم ما ساعد ولد لبّات في عميلة الإنضاج هذه هي القدرة على امتلاك الحكمة ومقاومة الرغبة في التسرع وشطط الاندفاع والتأنّي في كل شيء، حتى في تقديم الاقتراحات... لذا، فقد كان مقترح «مجلس السيادة» الشهير محطّ تأنٍّ بالغ من لدن ولد لبّات، وهو ما يستند بالطبع إلى شرط التعرّف الجيد على الأطراف، وإلى ضرورة إشعارهم بأهمية اللحظة التي يعيشونها ويشاركون في صنع ملامحها الحاسمة والمستقبلية.
في هذا السياق، يذكر ولد لبّات كيف كان حريصاً على تجنيب السودان الوقوع في السيناريوهات المظلمة التي تجعله ينزلق إلى قاع الفشل والاحتراب العنيف، ولعلّ النقطة الحاسمة في هذا الجانب كانت تتمثل أساساً في قدرة الوساطة على جعل الفرقاء يفكرون في نيات الحشود المجتمعة في الميدان، والتي لم تكن تحمل سوى أجندة واحدة هي إقامة نظام جديد على أنقاض الماضي بعد تخليصه من الشوائب والهنات. وهو أمر غير ممكن تماماً دون تواصل مباشر مع الحركات الثورية في الشارع ممثلة في إعلان قوى الحرية والتغيير، ودون إدراكٍ عميق كذلك لأهميّة عنصَرَي الأمن والدفاع في الحفاظ على السودان الآمن والمستقر، لذا فإن أي مساس بهما كان سيُدخل البلاد لا محالة في مهاوي النفق المظلم. وكان سيُخرج الوساطة بالطبع عن مسارها الصحيح.
وبالرجوع إلى مسارات الوساطة، يشير الكاتب إلى أهمية موافقة الطرفين المبدئية على الحوار والتفاوض بكثير من الحماس والاندفاع أحياناً، فكان ذلك مُفتتحاً مميزاً لفعل الوساطة بمعناه العملي. يشرح ولد لبّات كيف ما لبث هذا الحماس أن خفّ تحت وطأة التوترات والمخاوف المتبادلة من الطرفين، فمخاض مجلس السيادة لم يكن سلساً كما تخيّله الجميع، حتى أولئك المتفاوضون الذين كانوا يبشرون منذ اليوم الأول بسقف عالٍ من التفاهمات.
لكن الوصول إلى الاتفاق النهائي كان ثمرة الإرادة السودانية والوعي المتبادل، وثمرة كذلك للمرجعية الأفريقية في الوساطة مع دعم دبلوماسي عربي ثمّنه الكاتِب وأثنى عليه، مسجِّلاً في الآن نفسه شيئاً من الحزن إزاء غياب تعاون عربي أفريقي يليق بحجم الفرص الممكنة أمام الطرفين.
مسارات الوساطة التي قادت السودانيين إلى اتفاق تقاسم الحكم مبدئياً، فتحت الباب أيضاً أمام عدد كبير من تحدّيات المرحلة الانتقالية. ويرى ولد لبّاتْ أن مجمل هذه التحديات تنبع أساساً من النظام السياسي الجديد ومن طبيعة القوى السياسية الحاضرة في الساحة، ومن قضايا السلم والأمن، إضافةً إلى الدور المحوري للمحيط الإقليمي والدولي لا سيما في طريقة تعاطيه مع الحكم الانتقالي في السودان الجديد. وقد شدّد ولد لبّاتْ في هذا السياق على ضرورة تفادي الطابع الانتقامي في التعامل مع الأطياف السياسية المنتمية للسودان، وضرورة تجاوز الماضي الأليم بكيفية منصِفة وسليمة دون أن يمسّ ذلك بواجب المساءلة وعدم إفلات المجرمين من العقاب، لكن دون أن يؤدي ذلك في المقابل إلى شيطنة تيار سياسي بعينه أو تكريس اجتثاثه لما قد يحمله هذا المسار الخطير من آثار عكسية تنسف رؤية التغيير وتهددها بالفشل التام.
ويطرح ولد لبّاتْ في نهاية الكتاب تساؤلات حارقة حول المستقبل. تساؤلات تنطلق من تلك الأولويات التي قامت على أساسها قواعد المرحلة الانتقالية، وهي في ذات السياق أسئلة «حكيمة» تهدف إلى استخلاص الدروس من هذه التجربة من حيث طبيعة الوساطة الأفريقية - الأفريقية والنتائج التي تمخضت عنها... «أوليس التساؤل هو المقدمة الأولى للحكمة؟» يقول ولد لبّات في الصفحة الأخيرة من كتابه.
- كاتب من المغرب


مقالات ذات صلة

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

ثقافة وفنون الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

حسين الحربي
كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه
TT

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه

تزامناً مع الذكرى الثلاثين لرحيله، التي تصادف 29 أبريل (نيسان) أعلنت اليوم لجنة جائزة الشاعر الكردي السوري حامد بدرخان عن أسماء الفائزين في دورتيها لعامي 2025 و2026.

وقد ارتأت اللجنة منح الجائزة في دورتها لعام 2025-2026 للشاعر محمد علي طه، «تقديراً لدوره الإبداعي في مجال الشعر، ولمواقفه الإنسانية إلى جانب حضوره الثقافي الفاعل»، كما منحت اللجنة الجائزة في دورتها لعام 2026 للشاعر محمد شيخ عثمان، «الذي عُرف بقربه من الشاعر الراحل ومرافقته له في مسيرته الأدبية حتى وفاته».

ويعد الشاعر حامد بدرخان (1945–1996) أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأدب الكردي في سوريا، وقد كتب باللغات الكردية والتركية والعربية (إلى جانب إتقانه الفرنسية) وترك أثراً واضحاً في التجربة الشعرية الحديثة بصفة عامة.

تألفت لجنة الجائزة للدورتين الأخيرتين من كل من: د. هفال ميرو، والدكتور ولات محمد، والشاعر إبراهيم اليوسف.

ومحمد علي طه شاعر من مواليد دمشق 1937، عمل في التعليم منذ 1962، وبدأ كتابة الشعر مبكراً ونشره في الصحف، وشارك في أمسيات أدبية عديدة. أصدر ديوان قمر إلى فهد (1995) واليمامة (2013)، إضافة إلى كتب فكرية وسردية، وحافظ على حضور ثقافي وسياسي متواصل.

محمد شيخ عثمان

أما محمد شيخ عثمان فهو من مواليد 15 يناير (كانون الأول) 1946، نشأ في ظروف قاسية وانتقل إلى حلب حيث تابع دراسته وعمله، وعمل في جامعة حلب ابتداء من عام 1973. جمع في حياته بين العمل والدراسة، وشارك في النشاط الشعري، وأصدر مجموعته «ملهاة التجدد والأيام» عام 1996، وارتبط بعلاقة وثيقة مع حامد بدرخان منذ 1982 حتى وفاته.

وكانت جائزة حامد بدرخان للشعر قد أُطلقت في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2009 وتُعد واحدة من الجوائز التي يشرف عليها الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الكرد في سوريا، وقد مُنحت منذ تأسيسها لعدد من الشعراء السوريين والكرد، وهم، علي كنعان ومنذر مصري، ومها بكر، ورشيد عبد المجيد، ونازلي خليل، وصبحي حديدي، فرج بيرقدار، وفواز قادري 2016، محمد علاء الدين عبد المولى، وحسين حبش.


مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).