«بنت شيخ العربان»... الذات مدخلاً لقراءة التاريخ

ميرال الطحاوي تعيد طرح «سؤال الهوية» عبر البحث هذه المرة

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي
TT

«بنت شيخ العربان»... الذات مدخلاً لقراءة التاريخ

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي

لطالما كان موضوع الهوية سؤالاً لروايات الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي، قبل أن تتناوله في دراسات أكاديمية. وقد أصدرت من قبل كتابين؛ «محرمات قبلية... المقدس وتخيلاته في المجتمع الرعوي روائياً»، و«الأنثى المقدسة... أساطير المرأة في الصحراء»، ثم كتابها الجديد «بنت شيخ العربان» الصادر مؤخراً عن دار العين بالقاهرة.
يتوسل الكتاب لموضوعه بعنوان شارح «دراسة في التاريخ الثقافي والتراث الشفاهي للعربان في مصر»، لكن الكاتبة لم تُلزم نفسها بالثقافي، بل تعرضت للتاريخ الرسمي، القديم منه والحديث، وخصوصاً ثورة عرابي التي يختلف الباحثون حول كفاءة زعيمها ومسؤوليته في الإخفاق وعلاقته بتدخل الإنجليز واحتلالهم مصر، على الرغم من الهالة التي تحيط بها بسبب التبني الرسمي لها، بالعكس من الإهمال الذي يلف تاريخ ثورة عام 1919 الشعبية.
يبدو الكتاب، وكأن الكاتبة التي تعيش وتعمل في جامعات الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات، أرادت أن تطرح كل الأسئلة التي يمكن أن تساعدها في إيجاد جواب لسؤالها الأساسي؛ سؤال الهوية، وبلغتها هو محاولة لفهم تلك الهوية المشطورة.
هكذا ينطلق الكتاب البحثي، الذي يقع في 336 صفحة، من مدخل ذاتي تماماً، لم تنس فيه الأكاديمية أنها ساردة بالأساس. يصافح القارئَ في أول الكتاب فصلٌ بعنوان «البداية» يقوم مقام المقدمة، وكان من الممكن أن يكون جزءاً من سيرة ذاتية، لكن وظيفته هنا هي الكشف عن الدافع الذاتي الملحّ الذي جعل روائية وأكاديمية في مجال الأدب تضع نفسها في قلب الدراسات التاريخية.
في المدرسة، تجلس الصغيرة بين زميلاتها تعيد عليهم حكايات جدتها «عن عباد وبلاد، وجِمال تخوض الصحاري، تُحرِّك الصغيرات رؤوسهن بحيرة، فُأدرك غرابة عوالمي التي تثير التندر، وتترك المساحات الشائكة بين ما أروي وما أعيش».
وما تعيشه الطفلة هو عيش على الحافة بالمعني الحقيقي، لا المجازي؛ حيث تعيش القبيلة على الحافة بين الصحراء وأول اللون الأخضر الذي تصادفه القبائل النازحة من الجزيرة العربية إلى مصر، وتسميه كتب التاريخ «الحوف الشرقي». الذي سيصبح الآن محافظة الشرقية.
في البيت، تغني الجدة لحفيدتها «ما أنتِ للي يصد عويل ولا أنتِ صيدة للرعيان»، وكثيراً من الأغنيات التي تفتح باب المتخيل عن الفقد والترحال، وسيرة الصحراء التي صارت بعيدة في الجغرافيا والتاريخ.
وتتطلع الطفلة، فلا تجد حولها صيداً أو رعياناً أو غنائم، لكن بنية القبيلة قائمة، وبيوت العائلة متناثرة داخل حوش واحد، ولم تكن الطفلة تدري سبباً لهذا المعمار القبلي الذي يشبه القلاع، هل هو في مواجهة الفضاء الصحراوي أم في مواجهة الذوبان في المجتمع المصري؟
وعندما تعبر الأبواب الضخمة التي تُسيِّج طفولتها، ترى في ذهابها إلى المدرسة بيوت الفلاحين الصغيرة المتشابهة، ينظرونها ويقولون «بنت عربان»، وهو وصف حمَّال أوجه، إذ تربط أصحاب الأرض الأصليين من فلاحي مصر والبدو الوافدين من الجزيرة «البدوان» علاقة ملغزة، كلا الطرفين يحتقر الآخر ويقدسه في الآن ذاته.
«البداوة لم تكن خياراً مكانياً أقدم فيه نفسي كاتبةً لادعاء الجدة أو الغرابة، ولم تكن أرضاً معرفية، وطئتها لأجترّها بسهولة» تكتب ميرال الطحاوي، وكأنها تريد أخيراً أن توضِح نفسها وتشرح ما لم تفهمه «الجماعة الثقافية» المصرية التي بدت ذات يوم شديدة الحساسية تجاه الاختلاف.
عندما يتعلق الأمر بتماسك الجغرافيا والثقافة المصرية، يتحسس كثير من المثقفين من الحديث عن خصوصيات عرقية أو إثنية، سواء أكان ذلك ارتباطاً بالفكر القومي أم دفاعاً عن سلطة تريد دائماً ما تيسر من الأعداء لتأجيل سؤال الديمقراطية. وقد آن الأوان للاعتراف بخطأ التحسس من الأقليات، لأن التنوع داخل الجماعة البشرية هو ما يمنحها غناها، ولا يكون خطراً إلا عند قمع الاختلاف.
وقد تعرّضت ميرال ذات يوم لمثل هذه المواقف عندما تحدَّثت في شهادات بمؤتمرات عن أصولها في الجزيرة العربية، وربما كان هناك من ينظر بتحفظ لخصوصية عالمها الروائي نفسه الذي تجلت فيه تلك العزلة، وتلك الهوية المشطورة.
لم يكن الفتح العربي أول لقاء للبدوان بمصر؛ فالعبور من الصحراء إلى البلد الذي شكَّل دائماً النقيض الثقافي ووجهة الهجرة منذ رحلة أبي الأنبياء إلى مصر. وقد ارتبط العبور بالنبوة والتجارة والحرب واللجوء، حتى إن المؤرخ «سترابون» الذي زار مصر في أوائل العصر الروماني (القرن الأول قبل الميلاد) يقول إن مدينة «قفط» بوسط الصعيد تكاد تكون مدينة عربية.
ولطالما دفع القحط بموجات من البدو النازحين لمصر، بينهم أبناء قبائل شمال الجزيرة العربية بكل عناد المحاربين الذي يتحلون به، وقبائل الجنوب المسالمين الذين اندمج كثير منهم مع المصريين بالتزاوج.
لكن على وجه العموم، ظلت الأغلبية تخشى الذوبان في وعاء ثقافي واحد، وقاومت ما أمكنها هذا الذوبان. وجاء الفتح العربي ليعزز من هذا الوجود ويؤسس لأرستقراطية محاربة، سنّ لها الامتيازات. واستمر الأمر قرنين، حتى بدأ الوعي بالأجناس غير العربية كمكون من مكونات الحكم في الدولة العباسية، التي أصبحت ثقتها في الأجناس الأخرى أقوى من ثقتها في القبائل العربية.
وهذا ما سيفتح الباب للمحاربين المحترفين «المماليك» وسيكون لدولتهم بدورها تاريخ من الإحن والثأر مع البدو، والبدو من جهتهم ظلوا ينتهزون فرص ضعف المماليك أو انشغالهم بالحروب الخارجية ليوسعوا من نفوذهم على من يحيط بهم من الفلاحين.
ولم يصل محمد علي إلى حكم مصر إلا وكانت شوكة العربان قد قويت، يبالغون في الإغارة وفرض الإتاوات، واتسمت سياسته معهم بالتعقل الحازم؛ فمزج بين حملات تأديبهم وبين منحهم الأراضي لتوطينهم ودمجهم في بنيان الدولة الحديثة التي يضع قواعدها.
مع ثورة عرابي، يتقوى الخط الذاتي في الكتاب؛ وتورد ميرال شهادة من عرابي وردت في مذكرات محاميه وصديقه «اللورد بلنت» يوافق فيها بلنت على اعتقاده بأن سعود الطحاوي، جد الكاتبة، من بين من خانوه اعتماداً على أن جد سعود قد انضمّ إلى بونابرت قبل نحو 100 عام من ثورة عرابي.
يمثل التاريخ الرسمي خيطاً ناظماً للكتاب؛ حيث نرى قيام وانهيار نفوذ البدو، على مر التاريخ في المنطقة، وفي مصر تحديداً، بينما لا يغيب الخط الذاتي، إذ كان اسم الجد، صديق دليسبس، سؤالاً آخر من الأسئلة غير المحلولة أمام الكاتبة في طفولتها، بوصفه البدوي الذي التصقت به تهمة الخيانة.
يرسم التاريخ الرسمي، إلى جانب المرويات الشفاهية، صورة شديدة التناقض لشيخ العرب في المخيلة البدوية والمخيلة الشعبية المصرية. وهذه الصورة هي شاغل القسم الثاني في كتاب «بنت شيخ العربان». تنسجم رؤية الفلاح للبدوي، مع صورته في كتب التاريخ القاتمة والدموية في كتب التاريخ، كما جاء عند المقريزي وابن إياس، وكما وصفه ابن خلدون. لكن صورة البدوي عن نفسه غير ذلك تماماً؛ فهو الفارس الشجاع والسيد.
ومن صورة الرجل إلى صورة المرأة التي تخصص لها الكاتبة القسم الثالث من الكتاب، وذلك من خلال غناوة، أو غناء الحب في الشعر الشفاهي النسائي البدوي، الذي دوّنته من أعراس ومناسبات القبيلة، وجمعت شطراً منه من الفيوم ومناطق أخرى من مصر حيث سعت وراء بعض أبناء القبيلة الذين تفرقوا في أكثر من محافظة، بالإضافة إلى ما يتوفر الآن في مواقع نصوص ومقاطع فيديو على شبكة الإنترنت. وتستعين الكاتبة في دراستها بكثير من الدراسات السابقة لنقاد الأدب الفصيح والشعبي، من شوقي ضيف إلى الطاهر لبيب وليلى أبو لغد.
«غناوة العَلَم» وأحياناً «الحجة» هو الاسم الذي يشار به إلى الشعر الشعبي الذي يضم الغزل بين موضوعاته، وتتألف «غناوة العلم» عادة من بيت واحد، يبرز فيه رثاء الذات والتضرع الرومانتيكي لحبيب مجهول والمجاز. بينما يبدو غزل «المجاريد» حسياً، ويفصح فيه العاشق بجرأة عن نية الإغواء.
يؤلف الغناوة الرجال، والنساء، وتعيش في مجالسهن، وقد ضمنت المشاعية وغياب اسم المؤلف مرور هذا التراث دون تعارض حاد مع قيم القبيلة التي تضع الشرف في تناقض مع التعبير عن الحب!
وقد يبدو قسم «غناوة الحب في الشعر الشفاهي النسائي البدوي» قطعاً في السياق للوهلة الأولى، لكنه شديد الاتصال بموضوع الكتاب، فهذا الشعر لا ينفتح على جيران، على بعد خطوات من القبيلة، ويبدو ملغزاً تماماً على الفلاحين، وكأنه شيفرة خاصة تحمل تقاليد لا يريد البدوي أن يشاركها مع جار يتقاسم معه المكان، بينما يحن إلى مكان آخر!



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».