«بنت شيخ العربان»... الذات مدخلاً لقراءة التاريخ

ميرال الطحاوي تعيد طرح «سؤال الهوية» عبر البحث هذه المرة

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي
TT

«بنت شيخ العربان»... الذات مدخلاً لقراءة التاريخ

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي

لطالما كان موضوع الهوية سؤالاً لروايات الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي، قبل أن تتناوله في دراسات أكاديمية. وقد أصدرت من قبل كتابين؛ «محرمات قبلية... المقدس وتخيلاته في المجتمع الرعوي روائياً»، و«الأنثى المقدسة... أساطير المرأة في الصحراء»، ثم كتابها الجديد «بنت شيخ العربان» الصادر مؤخراً عن دار العين بالقاهرة.
يتوسل الكتاب لموضوعه بعنوان شارح «دراسة في التاريخ الثقافي والتراث الشفاهي للعربان في مصر»، لكن الكاتبة لم تُلزم نفسها بالثقافي، بل تعرضت للتاريخ الرسمي، القديم منه والحديث، وخصوصاً ثورة عرابي التي يختلف الباحثون حول كفاءة زعيمها ومسؤوليته في الإخفاق وعلاقته بتدخل الإنجليز واحتلالهم مصر، على الرغم من الهالة التي تحيط بها بسبب التبني الرسمي لها، بالعكس من الإهمال الذي يلف تاريخ ثورة عام 1919 الشعبية.
يبدو الكتاب، وكأن الكاتبة التي تعيش وتعمل في جامعات الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات، أرادت أن تطرح كل الأسئلة التي يمكن أن تساعدها في إيجاد جواب لسؤالها الأساسي؛ سؤال الهوية، وبلغتها هو محاولة لفهم تلك الهوية المشطورة.
هكذا ينطلق الكتاب البحثي، الذي يقع في 336 صفحة، من مدخل ذاتي تماماً، لم تنس فيه الأكاديمية أنها ساردة بالأساس. يصافح القارئَ في أول الكتاب فصلٌ بعنوان «البداية» يقوم مقام المقدمة، وكان من الممكن أن يكون جزءاً من سيرة ذاتية، لكن وظيفته هنا هي الكشف عن الدافع الذاتي الملحّ الذي جعل روائية وأكاديمية في مجال الأدب تضع نفسها في قلب الدراسات التاريخية.
في المدرسة، تجلس الصغيرة بين زميلاتها تعيد عليهم حكايات جدتها «عن عباد وبلاد، وجِمال تخوض الصحاري، تُحرِّك الصغيرات رؤوسهن بحيرة، فُأدرك غرابة عوالمي التي تثير التندر، وتترك المساحات الشائكة بين ما أروي وما أعيش».
وما تعيشه الطفلة هو عيش على الحافة بالمعني الحقيقي، لا المجازي؛ حيث تعيش القبيلة على الحافة بين الصحراء وأول اللون الأخضر الذي تصادفه القبائل النازحة من الجزيرة العربية إلى مصر، وتسميه كتب التاريخ «الحوف الشرقي». الذي سيصبح الآن محافظة الشرقية.
في البيت، تغني الجدة لحفيدتها «ما أنتِ للي يصد عويل ولا أنتِ صيدة للرعيان»، وكثيراً من الأغنيات التي تفتح باب المتخيل عن الفقد والترحال، وسيرة الصحراء التي صارت بعيدة في الجغرافيا والتاريخ.
وتتطلع الطفلة، فلا تجد حولها صيداً أو رعياناً أو غنائم، لكن بنية القبيلة قائمة، وبيوت العائلة متناثرة داخل حوش واحد، ولم تكن الطفلة تدري سبباً لهذا المعمار القبلي الذي يشبه القلاع، هل هو في مواجهة الفضاء الصحراوي أم في مواجهة الذوبان في المجتمع المصري؟
وعندما تعبر الأبواب الضخمة التي تُسيِّج طفولتها، ترى في ذهابها إلى المدرسة بيوت الفلاحين الصغيرة المتشابهة، ينظرونها ويقولون «بنت عربان»، وهو وصف حمَّال أوجه، إذ تربط أصحاب الأرض الأصليين من فلاحي مصر والبدو الوافدين من الجزيرة «البدوان» علاقة ملغزة، كلا الطرفين يحتقر الآخر ويقدسه في الآن ذاته.
«البداوة لم تكن خياراً مكانياً أقدم فيه نفسي كاتبةً لادعاء الجدة أو الغرابة، ولم تكن أرضاً معرفية، وطئتها لأجترّها بسهولة» تكتب ميرال الطحاوي، وكأنها تريد أخيراً أن توضِح نفسها وتشرح ما لم تفهمه «الجماعة الثقافية» المصرية التي بدت ذات يوم شديدة الحساسية تجاه الاختلاف.
عندما يتعلق الأمر بتماسك الجغرافيا والثقافة المصرية، يتحسس كثير من المثقفين من الحديث عن خصوصيات عرقية أو إثنية، سواء أكان ذلك ارتباطاً بالفكر القومي أم دفاعاً عن سلطة تريد دائماً ما تيسر من الأعداء لتأجيل سؤال الديمقراطية. وقد آن الأوان للاعتراف بخطأ التحسس من الأقليات، لأن التنوع داخل الجماعة البشرية هو ما يمنحها غناها، ولا يكون خطراً إلا عند قمع الاختلاف.
وقد تعرّضت ميرال ذات يوم لمثل هذه المواقف عندما تحدَّثت في شهادات بمؤتمرات عن أصولها في الجزيرة العربية، وربما كان هناك من ينظر بتحفظ لخصوصية عالمها الروائي نفسه الذي تجلت فيه تلك العزلة، وتلك الهوية المشطورة.
لم يكن الفتح العربي أول لقاء للبدوان بمصر؛ فالعبور من الصحراء إلى البلد الذي شكَّل دائماً النقيض الثقافي ووجهة الهجرة منذ رحلة أبي الأنبياء إلى مصر. وقد ارتبط العبور بالنبوة والتجارة والحرب واللجوء، حتى إن المؤرخ «سترابون» الذي زار مصر في أوائل العصر الروماني (القرن الأول قبل الميلاد) يقول إن مدينة «قفط» بوسط الصعيد تكاد تكون مدينة عربية.
ولطالما دفع القحط بموجات من البدو النازحين لمصر، بينهم أبناء قبائل شمال الجزيرة العربية بكل عناد المحاربين الذي يتحلون به، وقبائل الجنوب المسالمين الذين اندمج كثير منهم مع المصريين بالتزاوج.
لكن على وجه العموم، ظلت الأغلبية تخشى الذوبان في وعاء ثقافي واحد، وقاومت ما أمكنها هذا الذوبان. وجاء الفتح العربي ليعزز من هذا الوجود ويؤسس لأرستقراطية محاربة، سنّ لها الامتيازات. واستمر الأمر قرنين، حتى بدأ الوعي بالأجناس غير العربية كمكون من مكونات الحكم في الدولة العباسية، التي أصبحت ثقتها في الأجناس الأخرى أقوى من ثقتها في القبائل العربية.
وهذا ما سيفتح الباب للمحاربين المحترفين «المماليك» وسيكون لدولتهم بدورها تاريخ من الإحن والثأر مع البدو، والبدو من جهتهم ظلوا ينتهزون فرص ضعف المماليك أو انشغالهم بالحروب الخارجية ليوسعوا من نفوذهم على من يحيط بهم من الفلاحين.
ولم يصل محمد علي إلى حكم مصر إلا وكانت شوكة العربان قد قويت، يبالغون في الإغارة وفرض الإتاوات، واتسمت سياسته معهم بالتعقل الحازم؛ فمزج بين حملات تأديبهم وبين منحهم الأراضي لتوطينهم ودمجهم في بنيان الدولة الحديثة التي يضع قواعدها.
مع ثورة عرابي، يتقوى الخط الذاتي في الكتاب؛ وتورد ميرال شهادة من عرابي وردت في مذكرات محاميه وصديقه «اللورد بلنت» يوافق فيها بلنت على اعتقاده بأن سعود الطحاوي، جد الكاتبة، من بين من خانوه اعتماداً على أن جد سعود قد انضمّ إلى بونابرت قبل نحو 100 عام من ثورة عرابي.
يمثل التاريخ الرسمي خيطاً ناظماً للكتاب؛ حيث نرى قيام وانهيار نفوذ البدو، على مر التاريخ في المنطقة، وفي مصر تحديداً، بينما لا يغيب الخط الذاتي، إذ كان اسم الجد، صديق دليسبس، سؤالاً آخر من الأسئلة غير المحلولة أمام الكاتبة في طفولتها، بوصفه البدوي الذي التصقت به تهمة الخيانة.
يرسم التاريخ الرسمي، إلى جانب المرويات الشفاهية، صورة شديدة التناقض لشيخ العرب في المخيلة البدوية والمخيلة الشعبية المصرية. وهذه الصورة هي شاغل القسم الثاني في كتاب «بنت شيخ العربان». تنسجم رؤية الفلاح للبدوي، مع صورته في كتب التاريخ القاتمة والدموية في كتب التاريخ، كما جاء عند المقريزي وابن إياس، وكما وصفه ابن خلدون. لكن صورة البدوي عن نفسه غير ذلك تماماً؛ فهو الفارس الشجاع والسيد.
ومن صورة الرجل إلى صورة المرأة التي تخصص لها الكاتبة القسم الثالث من الكتاب، وذلك من خلال غناوة، أو غناء الحب في الشعر الشفاهي النسائي البدوي، الذي دوّنته من أعراس ومناسبات القبيلة، وجمعت شطراً منه من الفيوم ومناطق أخرى من مصر حيث سعت وراء بعض أبناء القبيلة الذين تفرقوا في أكثر من محافظة، بالإضافة إلى ما يتوفر الآن في مواقع نصوص ومقاطع فيديو على شبكة الإنترنت. وتستعين الكاتبة في دراستها بكثير من الدراسات السابقة لنقاد الأدب الفصيح والشعبي، من شوقي ضيف إلى الطاهر لبيب وليلى أبو لغد.
«غناوة العَلَم» وأحياناً «الحجة» هو الاسم الذي يشار به إلى الشعر الشعبي الذي يضم الغزل بين موضوعاته، وتتألف «غناوة العلم» عادة من بيت واحد، يبرز فيه رثاء الذات والتضرع الرومانتيكي لحبيب مجهول والمجاز. بينما يبدو غزل «المجاريد» حسياً، ويفصح فيه العاشق بجرأة عن نية الإغواء.
يؤلف الغناوة الرجال، والنساء، وتعيش في مجالسهن، وقد ضمنت المشاعية وغياب اسم المؤلف مرور هذا التراث دون تعارض حاد مع قيم القبيلة التي تضع الشرف في تناقض مع التعبير عن الحب!
وقد يبدو قسم «غناوة الحب في الشعر الشفاهي النسائي البدوي» قطعاً في السياق للوهلة الأولى، لكنه شديد الاتصال بموضوع الكتاب، فهذا الشعر لا ينفتح على جيران، على بعد خطوات من القبيلة، ويبدو ملغزاً تماماً على الفلاحين، وكأنه شيفرة خاصة تحمل تقاليد لا يريد البدوي أن يشاركها مع جار يتقاسم معه المكان، بينما يحن إلى مكان آخر!



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».