بين الدمام والباحة... إبداع ثقافي رغم «الوباء»!

بين الدمام والباحة... إبداع ثقافي رغم «الوباء»!
TT

بين الدمام والباحة... إبداع ثقافي رغم «الوباء»!

بين الدمام والباحة... إبداع ثقافي رغم «الوباء»!

بدون سجادة حمراء، وبدون حشد من الفنانين والممثلين والمثقفين والجمهور وصناع الأفلام، انطلّق البارحة «مهرجان أفلام السعودية» في الظهران، ليروي واحدة من قصص النجاح التي يسطرها أهل الثقافة في بلادنا.
يرفع المهرجان هذا العام جملة شعارات من بينها: «ليكن الفن مناهضاً للعزلة بكل أشكالها»، فمنذ انطلاقه عام 2008، وهو يمدُّ جسراً للتواصل والحوار والتسامح والانفتاح، والتعبير عن هوية وثقافة وحضارة المجتمع. وتمكين الشباب والشابات من تقديم رؤية للثقافة والحياة العامة بعيداً عن القوالب التقليدية السائدة، واجتراح حلول للأزمات، وتدوير الزوايا، وإيجاد مخارج للأفكار المغلقة.
كل مسيرة هذا المهرجان كانت محفوفة بالتحدي والعزيمة والإصرار، ولكن هذه الدورة تحديداً كان التحدي فيها هو الأصعب والأشرس... فكيف ينجح مهرجان سينمائي بغياب الجمهور؟ بل وبالغياب الجسدي للممثلين والنقاد والأكاديميين... فقد تحّول المهرجان في دورته السادسة إلى العالم الافتراضي، وسيتم نقل فعالياته جميعاً من خلال المنصات الإلكترونية عبر الإنترنت، وقناة «يوتيوب».
وخلال أيامه الستة، سيعرض المهرجان 54 فيلماً، بينها 32 فيلماً روائياً، و13 فيلماً وثائقياً، و17 فيلماً من أفلام الطلبة. وسيتضمن ورشتين، و5 ندوات، و90 فعالية مختلفة.
وللعلم فإن المهرجان تنظمه جمعية الثقافة والفنون بالدمام بالشراكة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي بالظهران «إثراء»، وبدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة.
نستذكر هنا النجاح الباهر الذي حققته جمعية الثقافة والفنون بالدمام، وهي واحدة من أكثر المؤسسات الثقافية همة ونشاطاً في تنظيم هذا المهرجان، والعشرات من الفعاليات المميزة خلال جائحة «كورونا»، من بين أنشطتها المميزة، معرض «الفيديو آرت» الذي شاركت فيه 17 دولة، وتضمن 10 جلسات حوار لمشاركين من 6 دول عربية قدّموا تجارب في «الفيديو آرت»، وثلاث ورش تفاعلية (أقيم في 20 أغسطس/ آب)، كما نظمت الجمعية «ملتقى الدمام الثالث للنص المسرحي»، شارك فيه 21 كاتباً مسرحياً من 9 دول (الأول من يوليو/ تموز)، ونظمت «ملتقى الدمام الموسيقي»، وملتقى «الحكواتي» في رمضان، مع استمرار برامج «بيت السرد» و«قراءة الكتب» و«الحوار مع كاتب»، وفعاليات الفن التشكيلي والخط العربي، وكلها برامج تمّ بثها عن طريق برامج «زووم» و«يوتيوب». ويحفل برنامج الجمعية، خلال الفترة المقبلة، بتنظيم ملتقيين أدبيين «أون لاين»؛ الأول ملتقى «السرد النقدي»، والثاني «ملتقى الرواية»، مع إقامة فعالية «ليالي الوتريات العربية» في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، حيث تلتقي الآلات الوترية العربية عبر الفضاء الإلكتروني.
نجاح جمعية الثقافة والفنون بالدمام، في تحقيق التميّز في ظل جائحة «كوفيد - 19»، يلاقيه نجاح آخر يسطره نادي الباحة الأدبي الثقافي، المفعم بالحيوية والنشاط خلال فترة الركود هذه. وكانت من أبرز فعالياته التي تابعها الجمهور السعودي «ملتقى المسرح»، في دورته الأولى، وتمّ فيه تكريم ١٧ رائداً من رواد المسرح السعودي، واشتمل على تقديم ثلاثة عروض مسرحية، وجلسات نقدية (11 جلسة) تناولت النص المسرحي، ومستقبل المسرح السعودي، والدراماتورج في المسرح.
المهرجان حفل بأفكار إبداعية في الأداء المسرحي، بينها عرض «تجربة مسرح الكهوف - عرض موندراما»، وخلال الجلسات النقدية استمع الجمهور إلى أفكار جريئة، من بينها تطوير فكرة مسرح الكهوف، بحيث تتحول إلى «مسرحة الطبيعة»، وربطها بالجانب السياحي.
سجل النادي المتميز، يحفل بتنظيم خمسة ملتقيات للرواية العربية، ومهرجان الشعر العربي، ومهرجان شعر عبر الفضاء الإلكتروني، وملتقى القصة.
هناك العديد من المؤسسات الثقافية الأخرى التي تستحق الإشادة، ونحن نفتقد دور مؤسسات أخرى كان حضورها باهتاً قبل وبعد الجائحة.



قانون الآثار الإسرائيلي الجديد «يهوّد» الضفة الغربية

قانون الآثار الإسرائيلي الجديد «يهوّد» الضفة الغربية
TT

قانون الآثار الإسرائيلي الجديد «يهوّد» الضفة الغربية

قانون الآثار الإسرائيلي الجديد «يهوّد» الضفة الغربية

كانت الأراضي الفلسطينية طوال آلاف السنين مقراً وممراً للعديد من الحضارات العريقة التي تركت وراءها آلاف المواقع الأثريّة ذات الأهميّة الفائقة، ليس في تاريخ المنطقة فحسب، بل ومُجمل التجربة البشرية. وقد أصبحت المواقع بمحض القوة بعد قيام الدولة العبرية عام 1948 خاضعة لسلطة دائرة الآثار الإسرائيلية، التي لا تدخر وسعاً في السعي لتلفيق تاريخ عبراني لهذه البلاد، وإخفاء ما من شأنه أن يتعارض مع سرديات الحركة الاستعماريّة الصهيونيّة عنها.

على أن أراضي الضفة الغربيّة التي احتُلَتْ عام 1967 وتحتوى على ما لا يَقِلُّ عن 6 آلاف موقع أثَري ظلّت قانونياً خارج اختصاص دائرة الآثار الإسرائيلية، بينما تمّ بعد اتفاق أوسلو بين الدولة العبريّة ومنظمة التحرير الفلسطينية في 1995 تقاسم المنطقة لناحية اللقى والحفريات بشكل عشوائيّ بين السلطة الفلسطينية ووحدة الآثار في الإدارة المدنية الإسرائيلية، وفق تقسيمات الأراضي الثلاث المعتمدة للحكم والأمن (أ- سلطة فلسطينية، باء: سيطرة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية مشتركة مع الجانب الإسرائيلي، ج: سيطرة إسرائيلية تامة).

ويبدو أن غلبة التيار اليميني المتطرّف على السلطة في الدّولة العبريّة تدفع الآن باتجاه تعديل قانون الآثار الإسرائيلي لعام 1978 وقانون سلطة الآثار لعام 1989 بغرض تمديد صلاحية سلطة الآثار لتشمل مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967، بينما سيكون، حال إقراره، انتهاكاً سافراً للقانون الدّولي الذي يحظر على سلطات الاحتلال القيام بأنشطة تتعلق بالآثار ما لم تتعلق بشكل مباشر باحتياجات السكان المحليين (في هذه الحالة السكان الفلسطينيين).

ولحظت مصادر في الأرض الفلسطينية المحتلّة بأن الأوضاع الأمنيّة في الضفة الغربيّة تدهورت بشكل ملحوظ منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2023، وكثّفت السلطات الإسرائيليّة من توسعها الاستيطاني بشكل غير مسبوق منذ ثلاثة عقود، ورفعت من وتيرة هجماتها على بؤر المقاومة، وأطلقت يد المستوطنين اليهود كي يعيثوا فساداً في القرى والبلدات العربيّة تسبب بهجرة آلاف الفلسطينيين من بيوتهم، مما يشير إلى تكامل الجهد العسكري والاستيطاني مع التعديلات القانونية المزمعة لتحضير الأرضية المناسبة لتنفيذ النيات المبيتة بتهويد مجمل أراضي فلسطين التاريخيّة.

ويأتي مشروع القانون الذي قدمه عضو الكنيست عن حزب الليكود اليميني أميت هاليفي، في أعقاب حملة استمرت خمس سنوات من قبل رؤساء المجالس الإقليمية للمستوطنين ومنظمات مثل «حراس الخلود» المتخصصة في الحفاظ على ما يزعم بأنه تراث يهودي من انتهاكات مزعومة على أيدي العرب الفلسطينيين. وتردد الحملة أكاذيب مفادها أن ثمة مواقع في الضفة الغربية لها أهمية أساسية بالنسبة إلى ما أسمته «التراث اليهودي»، وخلقت انطباعاً بوجود «حالة طوارئ أثرية» تستدعي تدخل الدّولة لمنع الفلسطينيين من «نهب وتدمير آثار المواقع اليهودية ومحاولاتهم المتعمدة لإنكار الجذور اليهودية في الأرض» – على حد تعبيرهم.

وكانت اللجنة التشريعية الحكوميّة قد وافقت على التعديل المقترح لقانون الآثار، وأرسلته للكنيست الإسرائيلي (البرلمان) لمراجعته من قبل لجنة التعليم والثقافة والرياضة التي عقدت اجتماعها في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وذلك تحضيراً لعرضه بالقراءة الأولى و«التصويت» في الكنيست بكامل هيئته خلال وقت قريب.

وبينما اكتفت السلطة الفلسطينية والدول العربيّة بالصمت في مواجهة هذه الاندفاعة لتعديل القانون، حذرّت جهات إسرائيلية عدة من خطورة تسييس علم الآثار في سياق الصراع الصهيوني الفلسطيني، واعتبرت منظمة «إيميك شافيه» غير الحكومية على لسان رئيسها التنفيذي ألون عراد أن «تطبيق قانون إسرائيلي على أراضي الضفة الغربية المحتلة يرقى إلى مستوى الضم الرسمي»، وحذَّر في حديث صحافيّ من «عواقب، ومزيد من العزل لمجتمع علماء الآثار الإسرائيليين في حالة فرض عقوبات دوليّة عليهم بسبب تعديل القانون»، كما أكدت جمعيّة الآثار الإسرائيليّة أنها تعارض مشروع القانون «لأن غايته ليست النهوض بعلم الآثار، بل لتعزيز أجندة سياسية، وقد يتسبب ذلك في ضرر كبير لممارسة علم الآثار في إسرائيل بسبب التجاوز على القانون الدولي المتعلق بالأنشطة الأثرية في الضفة الغربية»، ولا سيّما قرار محكمة العدل الدولية في التاسع عشر من يوليو (تموز) الماضي، الذي جدَّد التأكيد على أن وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة برمته غير قانوني، وطالب الدّولة العبريّة بـ«إزالة مستوطناتها في الضفة الغربية والقدس الشرقية في أقرب وقت ممكن»، وألزمت سلطة الاحتلال بتقديم تعويضات كاملة للفلسطينيين بما في ذلك إعادة «جميع الممتلكات الثقافية والأصول المأخوذة من الفلسطينيين ومؤسساتهم».

وتشير الخبرة التاريخيّة مع سلطة الآثار الإسرائيلية إلى أن الحكومة تقوم لدى إعلان السلطة منطقة ما موقعاً تاريخيّاً بفرض حماية عسكريّة عليها، مما قد يتطلّب إخلاء السكان أو فرض قيود على تحركاتهم وإقامة بنية تحتية أمنية لدعم الحفريات، وتمنع تالياً الفلسطينيين أصحاب الأرض من تطويرها لأي استخدام آخر، الأمر الذي يعني في النهاية منع التنمية عنها، وتهجير سكانها وتهويدها لمصلحة الكيان العبريّ، لا سيّما وأن الضفة الغربيّة تحديداً تضم آلاف المواقع المسجلة، مما يجعل كل تلك الأراضي بمثابة موقع أثري ضخم مستهدف.

وتبرر الحكومة الإسرائيلية الحاليّة دعمها مشروع القانون للجهات الأُممية عبر تبني ادعاءات منظمات ومجالس مستوطني الضفة الغربيّة بأن الفلسطينيين يضرون بالمواقع ويفتقرون إلى الوسائل التقنية والكوادر اللازمة للحفاظ عليها، هذا في وقت قامت به قوات الجيش الإسرائيلي بتدمير مئات المواقع الأثريّة في قطاع غزة الفلسطيني المحتل عبر استهدافها مباشرة، مما يعني فقدانها إلى الأبد.

لن يمكن بالطبع للفلسطينيين وحدهم التصدي لهذا التغوّل على الآثار في فلسطين، مما يفرض على وزارات الثقافة ودوائر الآثار والجامعات في العالم العربيّ وكل الجهات الأممية المعنية بالحفاظ على التراث الإنساني ضرورة التدخل وفرض الضغوط للحيلولة دون تعديل الوضع القانوني للأراضي المحتلة بأي شكل، ومنع تهويد تراث هذا البلد المغرِق في عراقته.