مئوية لبنان... إعادة اختراع بلد يحمي مَنْ بقي من أهله

الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
TT

مئوية لبنان... إعادة اختراع بلد يحمي مَنْ بقي من أهله

الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920
الصورة التاريخية للجنرال غورو مع البطريرك إلياس الحويك والمفتي مصطفى نجا أثناء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920

تُرافق صورة الجنرال هنري غورو في قصر الصنوبر البيروتي، في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920، كل مقال وكتاب تاريخ وفيلم وثائقي عن تأسيس «لبنان الكبير»: المندوب السامي الفرنسي الأول جالساً ببذلته البيضاء بين بطريرك الموارنة إلياس الحويك ومفتي المسلمين الشيخ مصطفى نجا. وفي لقطات أخرى، يظهر الجنرال واقفاً رافعاً يده، كمن يقسم أو كمن أخذته حماسة الخطاب، بين البطريرك والمفتي.
كان الحفل ختاماً لمسار طويل من الشق الماروني «للمسألة الشرقية» التي شغلت الغرب طوال القرن التاسع عشر، ومثلت الجماعات المسيحية في الإمبراطورية العثمانية واحداً من فصولها. قضت الواقعية السياسية للبطريرك الحويك، الزعيم الأبرز للطائفة في تلك الفترة، القبول بألا يقتصر الكيان الوليد على الموارنة وحدهم، أو على المناطق التي يشكلون فيها أكثرية سكانية واضحة.
وتبدو اليوم رواية إنشاء لبنان الكبير وكأنها تنتمي إلى عالم آخر لم تحفظ الأيام منه شيئاً، إذ إن كيفية رسم خريطة لبنان وضم أقضية (ورفض أخرى نظراً إلى كثرة أبناء طوائف بعينها بين السكان، بحسب الروايات الشائعة) لم تعد تعني الشيء الكثير. كذلك الأمر في ما خص نشاطات المنفيين اللبنانيين في فرنسا ومصر (ومن بينهم بشارة الخوري وميشال شيحا ويوسف السودا) الذين عملوا على تحصيل أكبر نسبة من الاستقلال من الفرنسيين ومن البريطانيين في آن، وإبعاد الكيان الذي كان بعد جنيناً عن حكومة الأمير فيصل في دمشق. ومراقبة أعمال مؤتمرات الصلح ومعاهدات السلام المتعددة التي كانت ترمي إلى تقاسم التركة العثمانية، وصولاً إلى تفضيل الانتداب الفرنسي على الحكم الفيصلي، لا تحضر سوى في كتب التاريخ، بصفتها مواضيع خلافية لم يتوصل اللبنانيون الحاليون إلى اتفاق حولها بعد. وترتفع الأصوات الداعية إلى التفكير في الإمكانات البديلة التي كانت متاحة في ذلك الزمن عن لبنان الكبير، من مثل البقاء ضمن المملكة العربية التي حاول فيصل إقامتها في سوريا، بصفتها مؤشرات إلى الخلاف القائم اليوم، وليس إلى ما اتفق اللبنانيون في سنة الاستقلال عن فرنسا في 1943، بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الانتداب، على طي صفحته، وتوجيه أنظارهم إلى المستقبل.

فرضت الضرورة على البطريرك الحويك، إذن، القبول بضم أقضية وأقاليم جديدة إلى لبنان - المتصرفية. ويقال إن الخوف من تكرار مجاعة 1915 التي افتعلها الأتراك، بحسب الرواية الرسمية اللبنانية، والتي يتحمل مسؤوليتها الحلفاء الذين فرضوا حصاراً على موانئ السلطنة، وفق الرواية التركية، هو الدافع إلى ضم سهل البقاع الذي كان يفترض به أن يؤدي دور سلة الخبز للدولة الجديدة. وضم الجنوب له قصة مختلفة، وكذلك الشمال الذي ظلت عاصمته طرابلس على عصيانها لانتمائها الجديد حتى الاستقلال.
- التاريخ بعد الجغرافيا
بعد إنجاز جغرافيته، احتاج لبنان الكبير إلى وظائف اقتصادية، وتاريخ مستقل مميز عن تواريخ باقي الولايات العثمانية. ولا عجب أن يكون القسم الأكبر من التاريخ الفينيقي قد «اكتشفه» كتاب لبنانيون مسيحيون في أثناء الانتداب الفرنسي. فالاستناد إلى القوة والثقافة الفرنسيين في بلد يسير نحو الاستقلال لم يكن مقنعاً أو مقبولاً. فكان من الملح «اقتراح» تاريخ بديل للولاية العثمانية السابقة، تاريخ يمتد إلى آلاف السنين، ويسبق المسيحية والإسلام، ويضع لأهالي تلك الحقبة خصائص مشابهة لأهالي البلد الحالي، ويبعدهم قدر المستطاع في الآن ذاته عن المجموعات العرقية التي تحيط بهم. ولا يخفى على قارئ التاريخ اللبناني، إذا قاربه من زاوية المقارنة والنظر في الوثائق والدلائل الأركيولوجية، أن يطرح كثيراً من الأسئلة لا يجد جلها إجابات مقنعة.
ليس معنى الكلمات هذه تأييد الزعم الذي حمله القوميون العرب والبعثيون من أن لبنان «كيان مصطنع» و«خطأ تاريخي» مصيره العودة إلى حضنه الطبيعي في سوريا كبرى متخيلة. وعلى جاري ما بات عادة في تناول تاريخ لبنان، ينبغي التذكير بأن كل بلدان المشرق العربي رسم خرائطها صغار ضباط القوتين الاستعماريتين، الفرنسية والبريطانية. ولا يختلف في ذلك لبنان عن سوريا أو العراق أو الأردن. وما الأزمات الحالية في المشرق، وتآكل بنى دوله، غير تأكيد متأخر على السمة الاصطناعية الجامعة لدوله كلها، واضطراب روابطها الداخلية، وبقاء «نظام الملل العثماني» من دون بديل ما كان ليتوفر أصلاً في ظل أنظمة حكم ديكتاتورية، أو ذي ديمقراطية منقوصة على غرار النظام اللبناني. وإذا كان إنشاء «لبنان الكبير» قد تزامن مع إعلان الاحتلال الفرنسي قيام دول طائفية في سوريا، ثم تخليه عن هذا المشروع أواخر الثلاثينات، فإن في استمرار الكيان اللبناني ما يبرره، ويخرجه من فئة دول الطوائف المذكورة.
القدرة على الاستمرار استندت أولاً إلى تاريخ من العلاقات مع الغرب، منها الثقافي والديني، ومنها الاقتصادي، ومن حروب أهلية وطائفية بدأت أواسط القرن التاسع عشر، مع تحول مسيحيي الشوف الذين خرجوا من ولاءات قبلية عشائرية ظلت راسخة في الجبال الشمالية، وتحولوا إلى جماعة واعية لذاتها تحت رعاية البطريركية المارونية. ومن دون العودة إلى سجال لا ينتهي حول «التميز» المسيحي، وقدرة المسيحيين على التفوق سياسياً وثقافياً على جيرانهم الدروز، وغيرهم من المسلمين، يتعين القول إن المسألة المسيحية وجدت طريقها إلى اهتمام القوى الغربية التي لم تتردد في الاستفادة منها في سياق سعيها إلى تقاسم إرث «الرجل المريض».
لكن هذه الرواية لا تكفي لتبرير هيمنة الموارنة السياسية والاقتصادية والثقافية على الكيان الجديد. فهذه تحتاج إلى نسيج موحد يجمع سكانه حول قضايا وقيم، وإن لم ينضووا في هوية عرقية أو دينية وثقافية واحدة. وبدلاً من تواريخ المناطق والطوائف والولايات العثمانية، بدأت محاولات كتابة تاريخ وطني. وظهر في حيز التداول الفينيقيون، بصفتهم بناة حضارة بحرية عظيمة وصلت إلى قرطاج، وأقامت المستعمرات التجارية على شواطئ أيبيريا وأفريقيا. ومع هؤلاء، بدأت الألفباء التي أخذها العالم عنهم. لكن حال الساحل في بدايات القرن العشرين لا يساند تماماً هذه الرواية. فبدأت هنا القصص عن الاعتصام بالجبال، والتطبع بطبيعتها الصخرية الصلبة، ومقاومة الغزاة والتصدي للمستبدين والطغاة. وفي هذه الرواية، تجوز شراكة المسيحيين والدروز.
غني عن البيان أن الانتقال إلى الجبل، والعودة إلى الساحل مجدداً مع مجيء الانتداب، بصفته مركزاً للكيان اللبناني، أملته الحاجة إلى تماسك في تصور اللبنانيين عن أنفسهم. فهم تجار مسالمون، بحسب توصيف شارل قرم في إحدى محاضرات «الندوة اللبنانية»، أواخر أربعينيات القرن الماضي، تمركزوا على الساحل. لكنهم لجأوا إلى الجبال هرباً من الاضطهاد في أدبيات أخرى، ثم نزلوا منها، ليس هرباً من مذابح حروب الجبل الطائفية، لكن لاستئناف مهمتهم التاريخية بصفتهم تجاراً عالميين.
وبعد الاستقلال، كان لا بد من توسيع إطار الرواية التاريخية، لتشمل لبنانيين آخرين لم يتركوا السواحل، ولم يهبطوا من الجبال. وقد أدى مؤرخون مثل فؤاد أفرام البستاني وفنانون ومثقفون من كل المجالات أدواراً كبيرة في تعميم رواية جديدة عن لبنان المنفتح على العالم، وعلى محيطه، الملتف حول قيادة سياسية معتدلة حكيمة لا تذهب بعيداً في العداء لأي قوة خارجية إلا في حال الدفاع عن الوطن. ومفهوم أن القيادة هذه يجب أن تبقى للمسيحيين لأنهم الأكثر رقياً والتصاقاً بثقافة الغرب، وضمانة لهم بصفتهم أقلية مهددة بالفناء في بحر من المسلمين الذين لم يتخلوا -وفق السردية الرسمية- عن مخططهم المضمر بالوحدة العربية. ويمكن هنا زج عدد من الأحداث تثبت أو تنقض صحة هذه المقاربة، من حرب 1958 الأهلية الصغيرة إلى أحداث عام 1969 وصولاً إلى اشتباكات 1973 بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين التي انحاز فيها المسلمون واليسار اللبناني إلى جانب الفلسطينيين. وصولاً، بطبيعة الحال، إلى حرب 1975-1990 التي دمرت الدولة اللبنانية القديمة، ولم تنتهِ إلا بـ«اتفاق الطائف» الذي أسس لعقد جديد بين اللبنانيين.
- الاقتصاد يسير في ركب التاريخ
سار النموذج الاقتصادي الذي بُني ليتفق مع توجهات المجموعة السياسية التي برزت في ظل الانتداب، وبعد رحيله، يداً بيد مع التصور التاريخي للبنان: تقديم التجارة، وترجمتها الحديثة العمل المصرفي، على باقي القطاعات الاقتصادية. وتسهيل الخدمات التي تشمل نواح تمتد من السياحة إلى التعليم العالي. وجنى النموذج هذا فوائد ضخمة عند احتدام الصراعات العربية الداخلية، وفي أتون الصراع العربي - الإسرائيلي، كما هو معروف. لكن نقطة ضعفه لم تكن في إفقار المجتمع اللبناني، ولا في تعميق الانقسام الطبقي، بل خصوصاً في محاولة السياسيين اللبنانيين إمساك عصا التناقضات الإقليمية من الوسط. السياسيون هؤلاء يريدون التربح من التأميمات في الدول العربية، وفرار رؤوس الأموال من هناك إليهم، إضافة إلى جذب أموال النفط العربية التي بدأت بالتدفق في الخمسينيات، لكنهم لا يرغبون في الشراكة في الصراع العربي - الإسرائيلي، ويفضلون حياداً غير معلن عليه. وقد وافق النظام العربي الرسمي على استثناء لبنان من تصنيف «دول المواجهة»، وضم العراق بدلاً منه.
بيد أن النهج اللبناني هذا غفل عن أن الحدود ليست مقفلة على رياح الأزمات وعواصف التناقضات الإقليمية والدولية. والتسوية التي أنهت «ثورة 1958» ما كان لها لتصمد أمام زلزال بحجم حرب 1967 التي غيرت صورة المنطقة تغييراً جذرياً، وأدخلت المعطى الفلسطيني بمقاومته المسلحة وتعقيداتها، واستغلال الأنظمة العربية لها، إلى المعادلة اللبنانية الهشة منذ 1969. وقد سرع العامل الفلسطيني انهيار صيغة 1943 التي كانت صدوعها تتسع في العقود السابقة، حيث لم يعد يكفي النظامان السياسي والاقتصادي لتلبية حاجات وتطلبات شرائح جديدة من اللبنانيين الذين يكتشفون الدولة، ويكتشفون خصوصاً حرمانهم مما يفترض أن تقدمه لهم الدولة، ليس من مدارس ومستشفيات فحسب، بل أيضاً من أمن وسلام بعد تفاقم الاعتداءات الإسرائيلية أواخر الستينيات ارتباطاً بالعمل الفلسطيني المسلح.
وطرحت هنا إشكالية ثانية أشار إليها كتاب شباب أواخر الستينيات: إذا صعّد لبنان مشاركته في الصراع العربي - الإسرائيلي سيكون الحلقة الأضعف بين الدول العربية، وسيتعرض للدمار. في المقابل، إذا رفعت قوى اليسار المطالبة بالعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، سترتفع أخطار الحرب الأهلية التي لن تكون إلا طائفية، وسيُطمس البعد الاجتماعي فيها؛ لم ينتهِ هذا التناقض إلى اليوم.
- الانهيار وسؤال النهوض
العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحروب الأهلية في 1990 يجوز وصفها بتكرار محاولات البناء الأولى في عشرينيات القرن الماضي، واعتماد صيغ الاقتصاد والثقافة ذاتها، في ظل صيغة سياسية معدلة فرضتها الوقائع الإقليمية والديمغرافية. لم يعد المسيحيون «أولاً بين متساوين»، بل فرضت وصاية النظام السوري عليهم، وعوملوا معاملة مجتمع واقع تحت الاحتلال، واقتيدوا إلى مواقع التبعية والتهميش. ولم يغفر المسيحيون بعد رفع ربقة القيد السوري للمسلمين أنهم شاركوا في إذلالهم، وفي احتلال مواقع سياسية واقتصادية وثقافية كانت لهم قبل الحرب.
لكن انهيار العالم الذي اعتاد المسيحيون عليه، وتغير أولويات الغرب، وخروجهم من اهتماماته، وتفضيله التحالف مع من يستطيع تحقيق مصالحه المباشرة بعد نهاية خدمة غلالة «مسيحيي الشرق»، ناهيك من انقراض ثقافة اليمين التقليدي التي كان المسيحيون اللبنانيون يعتمدون عليها في إبراز تفوقهم الثقافي، جعلت محاولة التيار الأكبر منهم استعادة المواقع السابقة تصطدم بصخرة الواقع الجديد. فآثر بعضهم التحالف مع قوى كانت في صميم التحالف الذي هزمهم، في نوع من الانحياز إلى الطرف الأقوى في المعادلة التي حكمت لبنان بعد خروج القوات السورية في 2005.
هذه العودة سرّعت عملية التفكك الناجم عن نهاية الوظيفة الاقتصادية للبنان في محيط بات كثير من دوله متفوقاً عليه في المجالات التي أتقنها. لم يعد لبنان مرفأً ومصرفاً وجامعة وملهى ليلاً. وبعد اندلاع الثورات العربية والحروب التي أعقبتها، لم يعد حتى صندوق بريد لمراسلات الأطراف المتقاتلة، ومكاناً لتنفيس الاحتقانات التي وجدت ساحات أرحب للصراع المكشوف. وما تفشي الفساد الذي أصبح سمة مرافقة لكل ما له علاقة بالسياسة والإدارة اللبنانيتين سوى علامة على اضمحلال المكانة التي كان لبنان يحتلها ذات يوم، واضطرار عرابي الطوائف إلى تمويل زعاماتهم وتأبيدها من خلال السطو على المال العام على مستويات وصعد أوسع كثيراً مما كان سائداً قبل الحرب وفي أثنائها.
تضافر النهايات والممارسات هذه أفضى إلى سقوط الدولة اللبنانية في 2019-2020، وانقلابها دولة فاشلة لم يصمد من هياكلها سوى أدوات العنف والقمع الداخلي التي تتشارك فيها أدوات الدولة مع تلك التي أفرزتها الطوائف المسلحة، ويقتصر عملها على الحفاظ على الذات خشية أي تغيير في تركيبة البلد السياسية يطيح «بالإنجازات والانتصارات» و«باستعادة حقوق المسيحيين» التي يتغنى بها طرفا الحلف الجديد.
كل هذا بات من بداهات الخطاب اليومي اللبناني. وها هو هذا البلد يختتم مئويته الأولى في حضيض لم يصله في يوم من هذا القرن الحافل بالحروب والاضطرابات والمحن. لكن هل هذه هي نهاية هذا الكيان فعلاً؟
الرومانسية القاتمة المستوحاة -ربما- من مرضى السل في القرن التاسع عشر التي يحلو لبعض الكتاب استخدامها في وصفهم لحال لبنان اليوم، وذلك التشاؤم الكلي الأسود، لا يضيفان في واقع الأمر شيئاً إلى محاولات اكتشاف مخارج وحلول للوضع القائم. ذلك أن ملايين من اللبنانيين ما زالوا على هذه البقعة من الأرض، ويبحثون كل على طريقته عن خلاص، فردي أو جماعي. لن يصيب الفناء هؤلاء، وربما لن يكون مستقبلهم زاهراً في المستقبل المنظور، من دون حل المعضلات السياسية الطائفية، وآليات التمثيل في السلطة والمشاركة فيها، وبناء اقتصاد جديد قائم على الإمكانات المتوفرة لدى اللبنانيين من جهة، المتلائمة مع متطلبات الجوار والعالم من جهة ثانية. السؤال الذي ينهض هنا هو: من هي القوى الاجتماعية التي تملك مصلحة في الخروج من الاستعصاء الطائفي الذي وفر لقسم كبير من اللبنانيين، وعلى امتداد عقود طويلة، قدراً من الحماية من أخطار، حقيقية أو وهمية، شكلتها الطوائف الأخرى؟
انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 لم تأتِ بالجواب الشافي. التحركات التي تبعت انفجار بيروت، في الرابع من أغسطس (آب)، لم تؤدِ إلى نتيجة أمام تصلب سلطة ما زالت قادرة على تحريك الغرائز والرعاع في وقت واحد.
لكن هل يعني كل هذا أن «قصة» لبنان قد طويت؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فما الكيان الذي يعيش فيه من يسمون أنفسهم باللبنانيين؟ عليه، مهمة إعادة اختراع لبنان آخر توضع فيه آمال اللبنانيين وطموحاتهم، وبعض الدروس المريرة، تبدو ضرورية، ليس للعالم غير المبالي، ولا من أجل رسالة لن تصل إلى أي مكان، بل من أجل اللبنانيين وحقهم في الحياة مثل شعوب العالم، لا غير.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.