ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

روجيه دروا يسعى لتسهيل الفلسفة للجمهور العريض

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟
TT

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

ما الفرق بين الفلاسفة الحقيقيين وأشباه المثقفين؟

تعجبني كتابات المفكر الفرنسي المعاصر روجيه بول دروا. وهو بالمناسبة أستاذ جامعي وباحث كبير وصحافي في جريدة «اللوموند» في آن معاً. فقد كان المسؤول عن القسم الثقافي فيها (أو قسم مراجعة الكتب) لسنوات طويلة. ويقال إنه نشر فيها أكثر من ألف مقال على مدار السنوات الماضية. ولا يزال يدبج مقالاته فيها بشكل منتظم عن القراءات والشخصيات والإصدارات الجديدة التي تعجبه. ومن أهم كتبه نذكر العناوين التالية: «صحبة الفلاسفة» و«الفلاسفة الكبار: عشرون فيلسوفاً صنعوا القرن العشرين» و«الغرب مشروحاً للجميع» و«كيف يمشي الفلاسفة»... إلخ. وأخيراً «تاريخ مختصر للفلسفة»، وهو الذي سنتوقف عنده هنا.
ولكن قبل أن ندخل في صلب الموضوع، دعونا نطرح هذا السؤال: مَن الفيلسوف؟ هل هو شخص عبقري أم مجنون أم الاثنان معاً؟ هل هو شخص منخرط في الحياة العامة أم معتكف في برجه العاجي؟ على أي حال، إنه ليس أستاذ الفلسفة، على عكس ما نتوهم. فهناك الفيلسوف وهناك أستاذ الفلسفة، وشتان ما بينهما. فقد تكون أستاذاً للفلسفة لمدة ثلاثين أو أربعين سنة دون أن تصبح فيلسوفاً. فالسوربون مثلاً تعاقب عليها عشرات، بل مئات، من أساتذة الفلسفة المحترمين، ولكن لم يبقَ لهم ذكر على صفحة التاريخ، اللهم باستثناء قلة قليلة من أمثال بيرغسون. أما جان بول سارتر فلم يدرس في أي جامعة، ومع ذلك فهو معدود من كبار الفلاسفة. منذ البداية، يقول لنا المؤلف إنه دبج هذا الكتاب بغية تسهيل الفلسفة على الجمهور العريض الذي يخشاها، ويعتقد أنها غامضة بطبيعتها عصية على الفهم. ولكنه يقول لنا إن هذه الفكرة خاطئة، وإن أعظم الفلاسفة وأكثرهم تعقيداً يمكن شرحهم بكلمات بسيطة واضحة، ثم إن الفلاسفة ليسوا كائنات شبحية من خارج الكرة الأرضية! وإنما هم بشر مثلنا من لحم ودم، يفرحون ويتألمون ويعيشون المشاعر والكوابيس نفسها مثلنا تماماً، ويسكنون الكوكب الأرضي ذاته الذي نسكنه. ثم ينبغي أن نتذكر عندما نستعرض تاريخ الفلسفة أن عالم الأفكار ليس منقطعاً عن عالم الحياة أبداً. فالأفكار الفلسفية أياً تكن عبقريتها هي بنت عصرها وظروفه ومشكلاته وهمومه وقضاياه، ولا يمكن فصلها عن كل ذلك. باختصار شديد: الفلسفة بنت عصرها. وحتماً لو ظهر فولتير الآن لكتب بلغة أخرى، ولدافع عن طروحات أخرى غير التي دافع عنها في عصره. فالظروف تغيرت، والأحوال تطورت، وما كان صالحاً للقرن الثامن عشر لم يعد صالحاً للقرن الحادي والعشرين. نقول ذلك خصوصاً لأن الأصولية المسيحية اختفت من أوروبا، ولم يعد لها من وجود، فهل يحارب طواحين الهواء؟ ولكنها في عصره كانت جبروتية قادرة على القمع والضرب والتخويف. ولكن ما الفرق بين الفيلسوف والإنسان العادي غير الفيلسوف؟ الفرق هو التالي: الإنسان العادي يتعايش مع الأفكار التي تلقاها عن عائلته وبيئته وطائفته بصفتها حقائق مطلقة، بل ويتشربها ويعتنقها، ولا يخطر على باله لحظة واحدة أن يتعارك معها. أما الفيلسوف فيفعل العكس: إنه يراجع كل الأفكار التي تلقاها من الأسرة والطفولة والكنيسة والجامع... إلخ، ويتفحصها واحدة بعد الأخرى. فما ثبت أنه صالح يحافظ عليه، وما تبين له أنه خاطئ يرفضه ويتخلى عنه، حتى لو كلفه ذلك غالياً لأنه رضعه مع حليب الطفولة أو تلقاه بصفته مقدسات في بيوت العبادة. هذا ما علمنا إياه ديكارت بشكل خاص: لا تقبلوا شيئاً إلا بعد غربلته وتمحيصه ووضعه على محك الشك والدراسة. ولكن جميع الفلاسفة الكبار يفعلون ذلك، وليس فقط ديكارت؛ كلهم راجعوا أفكار عصرهم وانتقدوها وفككوها، قبل أن يضيفوا أفكارهم وأطروحاتهم الجديدة التي غيرت وجه العالم. وبالتالي، فالفيلسوف شخص منشق على عصره وطائفته وجماعته، شخص منشق على نفسه! لماذا نقول ذلك؟ لأنه يدخل في صراع داخلي عنيف مع الأب - التراث. وبالتالي، فهو يختلف كلياً ليس فقط عن الإنسان العادي، وإنما عن أشباه المثقفين أيضاً! فهؤلاء حتى لو كانوا يحملون شهادات أكاديمية عليا من جامعات الغرب، وحتى لو عاشوا في باريس أو جنيف أو لندن أو نيويورك... إلخ عشرات السنوات، فإنهم يظلون مرتبطين عضوياً بعقائد جماعتهم أو طائفتهم، ولا يخطر على بالهم إطلاقاً أن يراجعوها أو ينتقدوها. هنا بالضبط يكمن الفرق بين المثقف الحقيقي وأشباه المثقفين. لنضرب على ذلك مثلاً توضيحياً سريعاً: كان فولتير ينتمي إلى طائفة الأغلبية في فرنسا، أي المذهب الكاثوليكي البابوي الذي كان يشكل ثمانين في المائة من عدد سكان فرنسا آنذاك. ومع ذلك، فقد أمضى حياته في محاربته، ومحاربة طائفته وجماعته، لأنهم كانوا الأكثرية الطاغية، ولأنهم كانوا يضطهدون أبناء الأقلية البروتستانتية التي كانت تشكل عشرين في المائة من عدد السكان. ومعلوم أن الكاثوليك البابويين، على غرار الأكثريات عادة، كانوا هم الأكثر محافظة وتشبثاً بالمواقف التقليدية الظلامية للدين والتدين. ولهذا السبب، كرس له المؤلف فصلاً كاملاً بعنوان: «فولتير يدشن معركة المثقف من أجل الحقيقة». فالحقيقة بالنسبة له أهم من الطائفة والعشيرة، وحتى العائلة. هنا تكمن خصوصية الفيلسوف أو المثقف الحقيقي، وهنا يتمايز كلياً عن أشباه المثقفين الغوغائيين الذين يمشون وراء القطيع بشكل أتوماتيكي. ونضرب على ذلك مثلاً آخر، هو سارتر. فقد اتخذ في الخمسينيات والستينيات موقفاً صارماً ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وكان موقفه من الراديكالية إبان حرب الجزائر إلى درجة أن الأعين احمرت عليه من قبل قادة اليمين الفرنسي الذين طالبوا ديغول بإخراسه على الفور أو اعتقاله. ولكن ديغول رد عليهم قائلاً: لا أحد يسجن فولتير! فذهبت مثلاً. وهي عبارة تدل على عظمة ديغول بقدر ما تدل على عظمة سارتر. هكذا، نلاحظ أن الفيلسوف الحقيقي لا يتردد لحظة واحدة عن الوقوف ضد جماعته إذا كانت ظالمة أو جائرة أو طاغية. ومعلوم أن أغلبية الشعب الفرنسي آنذاك كانت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الجزائر فرنسية، وأن أي شخص يتخلى عنها خائن أو عميل. ومع ذلك، فقد تصدى لهم سارتر، وسار ضد عاطفة الشعب، بل انضم إلى خندق العدو: أي جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وهنا تكمن إحدى سمات المثقف الحقيقي الذي يخاطر بنفسه، ويضعها على حد السكين من أجل الحقيقة والعدالة. يحصل ذلك إلى درجة أن الآخرين يعدون ذلك تهوراً، بل جنوناً. ومن هنا الاعتقاد بوجود علاقة بين الفيلسوف والمجنون. والحق أنه لو لم تكن فيه «حبة جنون» لما تجرأ على مواجهة الإجماع الجبار للشعب الفرنسي.
ومعلوم أن مؤسس الفلسفة سقراط كان أيضاً «ضد الشعب»، بالمعنى الغوغائي للكلمة، أو ضد الجمهور والقطيع. وقد اتهمته السلطة بأنه يشكك في الآلهة والمقدسات التي يؤمن بها الشعب، وأجبروه على تجرع السم الزعاف بسبب جدة أفكاره وخطورتها على الشبيبة في نظرهم. وقل الأمر ذاته عن بقية الفلاسفة الكبار؛ كلهم اصطدموا بشكل أو بآخر بسلطات عصرهم السياسية والدينية، وكلهم اصطدموا بشكل خاص بالجمهور الغفير أو بالمعتقدات الجبارة الكبرى المهيمنة على عصرهم بصفتها حقائق مطلقة أو مقدسات، في حين أنها أفكار خاطئة أو تقليدية متحنطة لم تعد صالحة. ولكن وحده الفيلسوف يرى أنها خاطئة. أما الآخرون، فلا يكتشفون ذلك إلا بعد سنوات طويلة. وهذا يعني أن الفيلسوف شخص يستيقظ قبل الآخرين، ويرى ما لا يُرى بالعين المجردة؛ إنه شخص يأتي قبل الأوان لكي يوقظ الناس، لكنهم أحياناً يقتلونه لأنهم لا يريدون أن يستيقظوا، وإنما يفضلون أن يظلوا نائمين نومة أهل الكهف، ثم إنهم لا يستطيعون تحمل التشكيك بمعتقداتهم العظمى التي جبلوا بها جبلاً، وتربوا عليها، وتشربوها مع حليب الطفولة. فسقراط لم يكن الوحيد الذي لقي هذا المصير، وإن كان أول شهيد في تاريخ الفلسفة، وإنما أرسطو أيضاً كاد أن يُقتل لولا أنه هرب في جنح الظلام من أثينا، قائلاً عبارته الشهيرة: «لن أدعهم يرتكبون جريمة ثانية ضد الفلسفة؛ يكفي أنهم قتلوا سقراط»! وجيوردانو برينو قتلوه في القرن السادس عشر لأنه أنكر بعض العقائد الدينية الأكثر رسوخاً. لقد قتلته محاكم التفتيش بشكل فظيع مرعب بعد أن قطعوا لسانه الذي جدف به الكفر، وألقوه بعدئذ طعمة للنيران في أقبية الفاتيكان. ومؤخراً، اكتشفنا أن ديكارت نفسه مات قتلاً، وليس بشكل طبيعي، كما كنا نتوهم. لقد دسوا له السم الذي حرق أحشاءه حرقاً. وهكذا وقع في المصيدة وهو الذي كان حذراً جداً، ويتخذ كافة الاحتياطات، بل ويغير منزله باستمرار، ويعيش مختفياً عن الأنظار تقريباً؛ كل ذلك لم ينفعه في شيء، فقد وصلوا إليه في نهاية المطاف. كان يعرف أنه ملاحق مهدد لأنه فجر قنبلة فلسفية موقوتة أطاحت بالعصور القديمة كلها، ودشنت العصور الحديثة، إلى درجة أن هيغل عده البطل المقدام للفكر. وبالتالي، فقد دفعه الرجعيون الأصوليون ثمن جرأته الفكرية باهظاً. وجان جاك روسو دفع أيضاً ثمن مؤلفاته العبقرية غالياً. فقد لاحقوه ملاحقات ضارية حتى جننوه. وهي المؤلفات التي كانت تُحرق في وقت واحد في باريس وجنيف وأمستردام وغيرها من العواصم الأوروبية، ولكنها أصبحت بعد ثلاثين سنة فقط الإنجيل المبجل للثورة الفرنسية!



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.