مندور... صاحب مشروع نقدي مهم افتقر إلى الصلابة النظرية

محمد برادة يرى أنه كان يتكئ على التعريفات المدرسية

مندور... صاحب مشروع نقدي مهم افتقر إلى الصلابة النظرية
TT

مندور... صاحب مشروع نقدي مهم افتقر إلى الصلابة النظرية

مندور... صاحب مشروع نقدي مهم افتقر إلى الصلابة النظرية

انتقد الناقد المغربي الدكتور محمد برادة المشروع النقدي الذي تركه الدكتور محمد مندور، قائلاً إن كتاباته خلال الحقبة الناصرية تأثرت سلبياً بالآيديولوجيا، وإن تحليلاته كان يعوزها العمق والصلابة النظرية. ويرى برادة في كتابه «محمد مندور وتنظير النقد الأدبي» الذي صدر حديثاً عن سلسلة «كتابات نقدية» بهيئة قصور الثقافة المصرية «أن مفهوم النقد الآيديولوجي الذي انتهى إليه مندور، وتوّج به مسيرته النقدية، لم يكن سوى انعكاس للميكانيزم المتحكم في الحقل الثقافي الذي ساد بعد ثورة يوليو (تموز) 1952 في مصر، وأن التأثير الآيديولوجي بمعناه السلبي تغلب على توجهاته في الكتابة النقدية»، لافتاً إلى أنه ما كان من الممكن فهم الالتباس في مصطلحاته وكشف احتياج تحليلاته إلى العمق والصلابة النظرية إلا من خلال النظر إليها باعتبارها مترابطة مع الاتجاهات الثقافية والآيديولوجية السائدة في عصره.
وذكر برادة في كتابه الذي جاء في 4 فصول، وكان موضوعاً لبحثٍ حصل من خلاله على درجة الدكتوراه من جامعة باريس، بإشراف أندريه ميكيل، عام 1973، أن ما تزود به مندور خلال إقامته بباريس كان متصلاً بمستوى الإنتاج المعرفي الذي كان سائداً خلال فترة الثلاثينات من القرن الماضي، لكنه لم يتمكن بعد عودته إلى القاهرة من متابعة ما جدّ من نظريات ومناهج وطرائق تحليل النصوص الأدبية وتأويلها فيما بعد، ومنذ فترة الخمسينات من القرن الماضي، وقد قادته الأزمة السياسية خلال الأربعينات إلى غمار الفعل السياسي والنضال الاجتماعي، فكتب سلسلة من المقالات الفكرية والآيديولوجية المتميزة، التي كان لها تأثير واسع وقتها، أما في مجال النقد الأدبي فكان يتعيش على ما تبقى في زوادته من منهج شرح النصوص والاتكاء على التعريفات المدرسية بوصفها مقاييس تسند الحكم النقدي، أو تبرر الانطباعات وما نتج عن الذائقة ليس أكثر.
وأشار الناقد إلى أن الاستخلاصات التي انتهت إليها دراسته التي انصبت على آثار مندور النقدية والفكرية لا تلغي إشعاع كتاباته ضمن سياقاتها وأوانها، ولا تنكر إسهامها في تقليب التربة النقدية وإعدادها لمرحلة تالية، مشيراً إلى أنه ركّز في دراسته على سؤالين، حاول الإجابة عنهما، الأول تمحور حول كيفية فهم كتابات مندور، أما الثاني فقد استقصى الشروح التي سعى لوضعها أمام الباحثين لتحولاته الثقافية والسياسية.
وأوضح برادة أن مسألة التفاوت المستمر بين فترة إنتاج الخطابات النقدية الأوروبية وفترة وشروط تلقيها داخل الحقل الثقافي العربي تعد عنصراً إشكالياً، كثيراً ما يطمس الفهم ويحرف التفسير، كما أن المناهج والمفاهيم والخطابات النقدية الأوروبية تظل ملتصقة بمناخ ينتج المعرفة في مختلف العلوم، بما فيها العلوم الإنسانية، التي تمدّ النقد الأدبي بمقولات ومفهومات إجرائية، وهو ما يفتقده العرب، لأنهم لا يساهمون في إنتاج المعارف العلمية، وغالباً ما يتعيشون على الاقتراض والاقتباس والترجمة في غياب استحضار دقيق لسياق إنتاج المعرفة وتجلياتها التطبيقية.
وهكذا تظل اجتهادات النقاد العرب، حسب برادة، ورغم ما تتميز به من جهد وابتداع، مفتقدة للالتحام والإجرائية المضيئة للنصوص العربية بطريقة ملائمة، وهي سمة سادت قبل فترة الثمانينات، قبل أن تتوطد وسائل المعرفة وسرعتها، وقبل أن يهتم عدد من الباحثين والنقاد العرب باستيعاب وتمثل النظريات والمناهج وقت ظهورها.
وقال برادة إنه منذ شروعه في دراسة كتابات مندور النقدية، كانت لديه تقييمات عامة حددت جوانب الدراسة، فلا يمكن، حسب رأيه، دراسة ناقد ناشط في مجتمع تعرض للمثاقفة استناداً إلى كتاباته فقط، وبمعزل عن الشروط المتحكمة في المجال الثقافي الذي ينتمي إليه.
من هنا، يؤكد برادة أن العلاقات المعقدة القائمة بين النص والمنتج والمجتمع تظل في حاجة إلى التجلية والتحليل، كما أن المرحلة التاريخية التي يعيشها المجتمع العربي المرتبط بالأجنبي، والمتطلع إلى استكمال التحرر الوطني تؤطر نشاط ومواقف المثقفين، وتلقي على عاتقهم مسؤوليات تتعدى نطاق اختصاصاتهم، وتتجاوز الأدوار المحددة لهم في المجتمعات العادية، فليس بإمكانهم أن يكونوا مجرد نقاد يساعدون القراء فقط على فكّ ألغاز الأعمال الأدبية، بل سعوا للانحياز لقضايا شعوبهم، حدث ذلك بالفعل في حالة مندور، وقد ظهرت كتاباته النقدية والفكرية متأثرة بالآيديولوجيا، ومنحازة للجماهير في سعيها لتحقيق العدل والحرية والديمقراطية.
في الفصل الأول من الكتاب «مندور والمثاقفة أو المرحلة التأثيرية» حاول برادة تحديد العوامل الأساسية في تكوين مندور الثقافي، واستقصاء تأثر مندور بالثقافة الغربية، خلال إقامته الدراسية في باريس بين عامي «1930 - 1939»، وهو ما تجلى في منحاه النقدي الأولى، الذي اتضح في استيحائه أعمال الناقد جوستاف لانسون.
وسعى برادة في الفصل الثاني «الحقل الأدبي في مصر من 1936 حتى 1952» إلى ملء فراغٍ لاحظه في عملية التحقيب التي أعطاها مندور لمساره النقدي، ما يتعلق بالفترة المراوحة «بين 1944 و1952» حينما انخرط في العمل السياسي مبتعداً مؤقتاً عن النقد الأدبي، وكان هدف برادة من وراء ذلك تبين الدوافع الحقيقية للتغيرات المتتالية التي عاشها مندور وعرفها الحقل الأدبي في مصر.
وخلال الفصل الثالث «مرحلة النقد التحليلي» عرض برادة لجوهر الكتابات التي نشرها مندور في الفترة «من 1954 إلى 1960»، وكانت في معظمها محاضرات ألقاها في معهد الدراسات العليا بالجامعة العربية، وكان يهدف من ورائها إلى تحليل الشعر المصري بعد شوقي، وقال إن مندور في هذه المحاضرات لم يعتمد على الذوق التأثري فقط، بل أخد يجنح إلى اصطناع المنهج الاجتماعي واعتبار الأدب قيمة حياتية عاكسة للصراع المجتمعي، وهو ما جعله يدخل في خصومات جدلية مع أتباع الاتجاه التقليدي، بخاصة حواريي الأمير الذي كان متوجاً على عرش الشعر، أحمد شوقي.
وفي الفصل الرابع «النقد الآيديولوجي والتنظير» حاول المؤلف استخلاص عناصر التغيير الحاسمة في الحقل الأدبي المصري، عن طريق عرض المناخ الآيديولوجي السائد، وذكر أنه ما كان بوسع مندور المثقف العضوي أن يفلت، وسط الجو المحموم الناجم عن التسابق إلى الأدلجة، من ميكانيزم التكيف. وأشار برادة إلى أن أشياء كثيرة تغيرت خلال الفترة الممتدة مما قبل الناصرية وما بعدها، ومنها وضعية مندور المثقف نفسه، وقد كان يناضل في حركة الجماهير ضد الاستغلال البورجوازي والإمبريالي، ولكنه بعد ثورة يوليو فقد كثيراً من مظاهر دوره كمثقف عضوي، وقد تحول إلى شكل من أشكال الاستعمال دون الاشتراك في المسؤولية الفعلية للسلطة، ما جعل مفهوم النقد الآيديولوجي الذي انتهى إليه مندور في نهاية المطاف انعكاساً للميكانيزم المتحكم في الحقل الثقافي الجديد بعد الثورة.
وأضاف برادة أن مندور ساهم في تجسيد التفكير الآيديولوجي السائد، واستطاع من خلال تعاريج النظرية الأدبية أن يبلور حواشي آيديولوجيا كانت تتشكل، وتنمو ضمن شروط اجتماعية واقتصادية، وكان بكتاباته يعبر من خلالها عن رؤيته للعالم، عن طريق إعطاء صياغة مفهومية للآثار الأدبية التي ينطلق منها إلى تحليلاته النقدية، وقد قادته المصطلحات والمناهج الأجنبية التي تأثر بها إلى اختزال الأعمال التي وضعها على طاولته النقدية، وحوّلها إلى مجرد سجلات آيديولوجية، وهو ما اتضح أكثر في مقالاته الصحافية التي خصصها لنقد المسرح.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.