شعر بول فاليري الإنساني الضخم

مختارات ناثانييل رودافسكي الجديدة أكثر طزاجة من أي ترجمة إنجليزية سابقة

بول فاليري
بول فاليري
TT

شعر بول فاليري الإنساني الضخم

بول فاليري
بول فاليري

في مقالته «التقليد والموهبة الفردية»، كتب ت. س. إليوت عن المعتمد (الكانون) الأدبي بوصفه «نسقاً من النُصُب». ومع أن العديد من النصب التذكارية التي ليست جديرة بالاحتفاء - نصب لروبرت إي. لي، كرستوفر كولومبوس، وآخرين - نشرت مؤخراً، فإن إعادة تقييم الأعلام في الأدب عملية مستمرة منذ عدة سنوات: إليوت نفسه، الذي هيمن على المشهد الأنغلوفوني مثل تمثال رودس، يبدو الآن أقرب إلى متحدث بليغ وغريب الأطوار باسم التقاليد الإمبراطورية.
لقد تحقق لبول فاليري (1871 - 1945) القدر الملتبس في التحول إلى أحد النصب التذكارية أثناء حياته، أن يجسد «رجل الأدب»homme des lettres) ) في جوهره. بوصفه عضواً في الأكاديمية الفرنسية، كان ممثل فرنسا الثقافي في عصبة الأمم والمحاضر المعلق الذي لا يكل. المناصب الأكاديمية التي احتلها مما ينوء به نصف دزينة من الأساتذة. الكتب التي نشر تربو على 20 كتاباً في أجناس مختلفة؛ شعره، الذي ينهض عليه معظم سمعته، يعد جزءاً بالغ الصغر من الكل.
كان فاليري في بدايته مساعداً لبطريرك الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً متحمساً في الحركة «الانحلالية» - الصنعية، الجمالية المفرطة - التي تزعمها ج. ك. هايسمانز. قصائد «مجموعة أشعار قديمة» (1920) التي كتبت قبل أزمة 1892 الفكرية التي قادت فاليري إلى التخلي عن الشعر لعقدين، هي تمارين شكلية مذهلة ودقيقة، مكتنزة بزخارف نهاية القرن: شخصيات كلاسيكية (هيلين، فينوس، أورفيوس، نارسيسوس) تتخذ أوضاعاً وتلقي خطباً؛ شخصيات أنثوية واهنة تومئ في نشوة جامدة؛ وكثيراً ما يعثر المرء على «اللازوردي»، تلك الزرقة الشعرية المهيمنة على نهاية القرن التاسع عشر.
في عام 1912 أعاد أندريه جيد والناشر غاستون غاليمار، فاليري، إلى الشعر، مقترحين جمع أعماله المبكرة. بدأ ينقح قصائده التي تعود إلى ما قبل عشرين عاماً، وبدأ ما رأى أنه وداعية للشعر في 40 سطراً. بعد أربعة أعوام، صارت الأربعون قصيدة «بارك الشابة» ذات الـ512 سطراً، أعظم قصائده وواحدة من روائع الأدب الفرنسي المعروفة.
مثل قصيدتي مالارميه «هيرودياد» و«بعد ظهيرة إله الريف الأسطوري»، تأخذ قصيدة «بارك الشابة» شكل مونولوغ تتحدث فيه إحدى «الأقدار»، أو البارك. هي فتاة على شرفة البلوغ، ممزقة بين الذاكرة والمعرفة المسبقة، مستيقظة على غوامض الرغبة الجنسية:
أيتها الأشباح العزيزة الصاعدة، التي يتماهى عطشها مع عطشي،
رغبات، وجوه مضيئة... وأنت، يا فواكه الحب،
هل منحتني الآلهة هذه الأشكال الأمومية،
الانحناءات المشعة والثنيات والكؤوس،
لكي تعانق الحياة معبد اللذة
حيث الروح الغريبة تمتزج بالعودة الخالدة، وتستمر البذرة والحليب والدم بالتدفق!
إنني مملوءة بضوء الرعب، بالانسجام الفاسد!
حركة القصيدة أوبرالية، مسرحية، حسب تحرك (بارك) عبر الأحلام والذاكرة والتطلعات. إنها تفكر في الانتحار وترفضه، مسمّرة دائماً بمفارقة وجودها: أن هذه الروح الخالدة، القادرة على أكثر التصورات كمالاً، مربوطة بجسد فانٍ، ممزقٍ بالانفعالات والعواطف.
لم ينجز فاليري مرة أخرى ذروة الطاقة والتوتر كما في «بارك الشابة»، مع أن «المقبرة البحرية»، القصيدة المركزية في ديوان «تعاويذ» (1922) تحقق ربما قدراً أكبر من العمق. أشهر قصائده تأملات حول قضايا «كبيرة»: الحياة والموت، التقاليد، الذاكرة، الحنين، وجودنا الجسدي في علاقته بكمالنا الروحي الذي يبدو أن الفن يمنحنا لمحة منه. مونولوغ يقوله ثعبان الجنة، «تخطيط لثعبان» Ébauche d’un Serpent) ) عبر (الشاعر الإنجليزي) و. ه. أودن عن إعجابه به قبل أن يعده «محاكاة ساخرة» بعد 25 عاماً، ينجح الثعبان في استقطار معظم الحجج اللاهوتية التي يقولها (الثعبان) في قصيدة جون ملتون (الفردوس المفقود) - وأكثر منها - في أسطره المائتين وخمسين (....).
إذا كان «أستاذه» مالارميه، الكاهن الأكبر في ديانة سحرية، خيميائي اللغة، فإن فاليري تطلع إلى أن يكون الكيميائي، مكتشفاً علمياً شديد التدقيق للكلمات مجتمعة. في عام 1889، وهي فترة مبكرة، قدم فاليري «مفهوماً للشاعر جديداً وحديثاً بالكامل. إنه لم يعد المجنون الأشعث الذي يكتب قصيدة كاملة في ليلة واحدة محمومة؛ هو عالِم هادئ، عالِم جبر تقريباً، في خدمة حالِمٍ مرهف»، بتعبير إليوت في مقالته «من بو إلى فاليري»، «لقد أعيد تنسيق البرج العاجي ليصير مختبراً».
المفارقة في هذه الفكرة الحديثة في ظاهرها حول العالم - الشاعر هي الموضوعات التقليدية، بل التي عفا عليها الزمن، التي يطرحها فاليري بإلحاح - الحب، الموت، القدر، الجمال - وعالم الحداثة الذي يرفضه في الغالب. قد يستغرب القارئ المعاصر لانقياد فاليري بقوة، ليس فقط للأشكال التقليدية من الشعر الفرنسي، وإنما لمفردات معقدة والتفافية، لنوع من المجازية المتواصلة والمحيرة أحياناً. الشمس التي تمشي فيها «قدر» (بارك) ليست «الشمس sol» بالفرنسية السهلة، وإنما هي «الإله المشع» («le dieu brilliant»)، نفس الأشواك التي تمزق فستانها هي «ورد بري متمرد» («la rebelle ronce»).
مختارات ناثانييل رودافسكي الجديدة من قصائد فاليري، «فكرة الكمال: شعر ونثر بول فاليري» (2020)، إضافة تأتي في وقتها. ترجماته أكثر طزاجة من أي ترجمة إنجليزية سابقة، أكثر صحة من حيث اللغة السائدة من ترجمة ديفيد بول، مترجم برنستون/ بولنجن. لقد اضطلع رودافسكي - برودي بمهمة بالغة الصعوبة. ففاليري لا يكتب فقط أبياتاً مقفاة ومنتظمة إيقاعياً، ولكن شعره يمثل أيضاً (بعبارة المترجم) «نسيجاً كثيفاً من السجع، القافية الداخلية، المعاني المزدوجة، الصور المتحركة، تشابهات تشع بين كلمة وأخرى في أبيات متباعدة».
ليس بوسع رودافسكي - برودي سوى أن يوحي بالنسيج المتأصل في الأصوات الفرنسية في ترجمته الإنجليزية. لحسن الحظ أنه لا يحاول إعادة إنتاج الأشكال الشعرية كما هي لدى فاليري. في حين أن ترجماته تأتي في أوزان إنجليزية منتظمة - قرار يقول عنه إنه «ذو صلة بمواجهته مجموعة مشابهة من القيود الشكلية، من الممارسة، كتلك التي تتسم بها أعمال فاليري، مثلما تتصل بإيجاد ما يشبه إيقاعاتها المعقدة» - فإنه يحجم عن محاولة محاكاة قوافي فاليري (وهذه قمة إفرست التي تتناثر حولها جثث مترجمين سابقين).
«فكرة الكمال» عنوان مناسب، لأن فاليري كان من الساعين إلى الكمال، لا يكف عن «سمكرة» قصائده. اشتهر بعبارته أن القصيدة لا تنتهي، وإنما تُترك فقط. كان على ناشره عملياً أن ينزع مخطوطة «بارك الشابة» من يده. كتب إليوت في مقدمته لمجموعة «فن الشعر» الصادرة عام 1958 عن فاليري: «لقد كان أكثر الشعراء وعياً ذاتياً»، وإلى حد بعيد كان الموضوع الرئيس لفاليري هو ما يفعله إحساسه. يتضح ذلك في عودته المستمرة إلى شخصية نرسيس، الشاب المذهول بانعكاس صورته. في القصيدة النثرية «الملاك» («L’Ange»)، وهي آخر أعماله (مع أنه كان يراجعها منذ 1921)، ينظر الملاك إلى صورته في النبع، ولا يستطيع أن يوفّق ما بين مرأى «رجل يبكي» وهويته الفكرية. كتب: «قال الملاك: الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه أو يغيره أي شيء من ذلك، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن...».
من الإضافات المهمة في «فكرة الكمال» - والتي تبرر العنوان الجانبي «شعر ونثر» - سلسلة من الاقتباسات المتسلسلة تاريخياً من «أعمال» فاليري، أو مذكراته. بدأ فاليري يكتب مذكراته عام 1894، وكان يضيف إليها كل صباح طوال ما تبقى من حياته. تغطي المذكرات كافة اهتماماته الشاسعة - ومنها الشعر، الفلسفة، علم النفس، علم الجمال، الموسيقى، الفن، السياسة - ولم تُحرر صفحاتها الثمانية وعشرون ألفاً بالشكل المناسب حتى الآن. الجزآن الضخمان من الأعمال في طبعة «بلاياد» عالية القيمة (1973 - 1974) تضم 10 في المائة فقط من الكل.
ربما تكون الاقتباسات التي تضمنتها مختارات رودافسكي - برودي في 57 صفحة الأكبر بين ما أتيح لقراء الإنجليزية من المذكرات. التأملات في علم النفس والحنين، والسبحات الفلسفية، ستكون مألوفة لقراء مقالات فاليري. لكن بعض المقاطع تظهر الشاعر من حيث هو ملاحظ مدقق لتفاصيل الواقع الطبيعي والمدني. تمنحنا هذه لمحة عن عالِمٍ - شاعرٍ مختلفٍ جداً: الشاعر الأميركي وليم كارلوس وليمز الذي سيقارن ممارسته (في القصيدة الطويلة «باترسون») بممارسة ماري كيوري، استقطار واقعٍ مشاهَد في جوهره المشع مثلما استخرجت كيوري الراديوم من معدن البتشبلند.
تظل «بارك الشابة» و«المقبرة البحرية» أعمالاً رائعة، مدهشة وعميقة. ومع ذلك فإن كلاسيكية فاليري الشكلية الجديدة تبدو أكثر ابتعاداً عن القارئ المعاصر من أعمال معاصريه الأصغر سناً. أندريه بريتون، بليز سيندرارس، حتى غيّوم أبولينير (الذي توفي عام 1918): يبدو هؤلاء أكثر حداثة وانسجاماً مع عالم في حركة مستمرة واتصالات جماهيرية. ومع ذلك سيكون من الخطأ إلقاء فاليري في مقبرة للنصب المهملة. ذلك أنه ليس من شك في جمال وقوة أفضل كتاباته، والمآزق الإنسانية التي تتناولها أعماله - الموت، التجسد، الحنين إلى الكمال - تظل مهمة بالنسبة لنا.
- عن «هايبر أليرجيك»،
8 أغسطس (آب)، 2020.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».