مالك جندلي.. أول موسيقي عربي يطلق سيمفونيته في قاعة «كارنيغي» الأميركية

التونسية فتحية إسماعيل تفوز بجائزته الدولية للعزف على البيانو لعام 2014

الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار  وفي الاطار فتحية إسماعيل
الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار وفي الاطار فتحية إسماعيل
TT

مالك جندلي.. أول موسيقي عربي يطلق سيمفونيته في قاعة «كارنيغي» الأميركية

الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار  وفي الاطار فتحية إسماعيل
الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار وفي الاطار فتحية إسماعيل

أعلنت لجنة تحكيم «مسابقة مالك جندلي الدولية على آلة البيانو للشباب لعام 2014»، عن جائزتها السنوية، التي شارك فيها العام الحالي، 23 عازف بيانو دون الـ18، ينتمون إلى بلدان عدة. وفازت التونسية فتحية إسماعيل (10 سنوات) بالجائزة الكبرى وقيمتها ألف دولار أميركي. درست فتحية الموسيقى منذ سن السادسة، وحققت مراكز متقدمة في مسابقة نابل الدولية للبيانو تحت إشراف أستاذها د. منتصر بن مسعود.
أما الفائزة بالجائزة الثانية، فهي عازفة البيانو السورية، مي خليفة (14 سنة) المقيمة، حالياً، في كندا، ونالت 500 دولار. وجاءت الجائزة الثالثة من نصيب سليم خميسي (11 سنة)، وحصل على 300 دولار. كما حصل الفائزون الثلاثة، على جوائز تشجيعية تشمل كتبا موسيقية لمؤلفات جندلي لآلة البيانو، ومجموعة كاملة من ألبوماته الموقعة.
وكانت لجنة التحكيم، ضمت قائد الأوركسترا توماس لودفيغ، والبروفسور عبد الرحيم الصيادي، ود. كريستيان ويندلاند، بالإضافة إلى الموسيقار مالك جندلي، ومحكمين دوليين متخصصين في علوم الموسيقى.
وقالت الفنانة الصغيرة، فور إبلاغها نبأ فوزها، إن ذلك سيمنحها دفعة قوية لمواصلة رحلتها الموسيقية، وتحقيق حلمها بأن تكون عازفة بيانو عالمية. وعبرت الفنانة الشابة مي خليفة، الحائزة على الجائزة الثانية، عن فرحتها، وتمنت أن يتسنى لها مواصلة العزف والتقدم، على الرغم من الظروف المؤلمة والكارثة الإنسانية التي يمر بها بلدها سوريا.
وسيجري توزيع الجوائز والشهادات أمام حشد كبير من المختصين والمتابعين، في الحفل الموسيقى الذي يحييه الموسيقار جندلي في قاعة كارنيغي في نيويورك، في نهاية يناير (كانون الثاني) المقبل، حيث يُطلق ألبومه الجديد «سيمفونية سوريا»، الذي قام أخيرا، بإنتاجه وتسجيله مع الفرقة الفليهارمونية الملكية في لندن.
وقال جندلي لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا المشروع الفني «معني بتسليط الضوء على المواهب الناشئة والواعدة، والتحفيز على تفجير طاقاتهم الإبداعية الكامنة، ونشرها على المستوى العالمي، ليكونوا نواة جيل مبدع يقدر الفن ويتعلم مدارسه ويتقن أساليبه».
وأكد المايسترو لودفيغ على أهمية المبادرات الشخصية في دعم الحركة الفنية. ودعا المؤسسات الرسمية إلى تولي مسؤولياتها في دعم الفنون والمساهمة في تأسيس أجيال من المبدعين المحليين. كما دعا الصيادي، بدوره، أصدقاء الفن والإنسانية، إلى المبادرة بدعم هذه الفعالية العالمية، كونها أول مسابقة دولية يؤسسها فنان عربي في المهجر.

* غلوبال ميوزيك أويرد
وكان الموسيقار السوري، مالك جندلي، حصل على جائزة «غلوبال ميوزيك أويرد» لعام 2014. وقد اختارته لجنة التحكيم من بين قائمة ضمت 9 موسيقيين من جنسيات مختلفة، نظرا «لالتزامه الفن الراقي ولموسيقاه الجادة، ورسالته الإنسانية التي حملها ألبومه (إميسا – حمص). وقال رئيس اللجنة: «إن الخيار النهائي وقع على مالك جندلي (...) تقديرا لموهبته وألبومه (...)، بالإضافة إلى مشاريعه الإنسانية وجولاته الموسيقية لمساعدة أطفال اللاجئين.
أما الفائز جندلي، فأعلن في مؤتمر صحافي عقده في نيويورك، عن إهداء جائزته إلى أطفال سوريا، وإلى «أهلي الكرام، وأهل مدينتي حمص، ووطني الجريح سوريا، ولكل شعوب العالم المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية». واعتبر الجائزة «تكريما لشهداء الحرية والمعتقلين في كل مكان وزمان». أما مديرة أعماله، ديبي سميث، فقد دعت إلى مناصرة الفنانين الملتزمين كافة، ممن يساندون شعوبهم في النضال من أجل الحرية والمساواة.

* موعد في قاعة كارنيغي
سكان نيويورك وعشاق الموسيقى الكلاسيكية في أميركا عموما، والمتطلعين إلى تجارب حداثية في سياقها، سيكونون على موعد مع جندلي، يوم 31 يناير المقبل، في قاعة كارنيغي في نيويورك، حيث يطلق الموسيقار السوري الأصل، ألبومه الجديد، ويتضمن 3 أعمال موسيقية هي: «متنوعات على لحن سوري قديم للبيانو والأوركسترا»، و«سيمفونية سوريا»، و«طائر الفينيق المنفي». وبذلك يكون جندلي، أول موسيقار عربي يحقق نجاحا عالميا يكتسب احترام المختصين الغربيين الذين فتحوا لمؤلفاته الموسيقية المجال للانطلاق، من على خشبة أهم صرح أميركي للموسيقى، شهد ولادة الكثير من أعمال عظماء الموسيقى الكلاسيكية، من أمثال رحمانينوف، وديوك إيلينغتون، وريتشارد شتراوس.
وسيقدم جندلي ولأول مرة، مؤلفاته الجديدة لموسيقى الحجرة، ضمن ثلاثي فريد من نوعه، يضم آلة العود العربية مع التشيللو والبيانو، متوجا جولة عالمية شملت قاعة الكونسيرت هاوس في فيينا، وقاعة جوائز النوبل في العاصمة السويدية استوكهولم، وخشبة المسرح الوطني في مدريد في حضور ملكة إسبانيا.
وتكمن أهمية مشروع جندلي الموسيقي الجديد الفنية، في تلخيصه حقائق الواقع ضمن تداعيات هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها سوريا والمنطقة، في خطوة هامة تهدف إلى المحافظة على الهوية الثقافية لسوريا التي تتعرض للإبادة والتدمير بشكل كامل وممنهج.

* حكاية طائر الفينيق
يفتتح جندلي ألبومه الجديد، بمؤلف للبيانو والأوركسترا، في 7 متنوعات على الموشح الأندلسي «لما بدا يتثنى». ثم ينتقل إلى السيمفونية السورية المكونة من 4 حركات، استخدم فيها ألحانا وإيقاعات من التراث السوري الموسيقي والوصلة الحلبية، في قالب سيمفوني كلاسيكي، متحرر من النمطية العربية. ويُنهي جندلي ألبومه بمؤلف للأوركسترا السيمفونية تحت عنوان «طائر الفينيق في المنفى»، وقام بتسجيله مع الفرقة الملكية الفليهارمونية في العاصمة البريطانية لندن، وهي من أهم فرقة أوركسترا في العالم.
ويأتي طرح هذا المشروع الفني الهادف، في وقت تنادي منظمة الأمم المتحدة بحماية الآثار والتراث الثقافي في سوريا والعراق والمنطقة برمتها، من خلال مشروع «الصون العاجل للتراث السوري»، حيث أشارت إلى أن الوقت قد حان «لإيقاف التدمير، والحفاظ على تراثنا الإنساني المشترك من أجل السلام». ويتطابق هذا النداء مع أهداف مشاريع جندلي السابقة «أصداء من أوغاريت» و«صوت أطفال سوريا الأحرار»، وصولاً إلى «سيمفونية سوريا» الجديدة.
يؤمن جندلي بالقوة الناعمة للفن، وبقدرة الموسيقى على جميع البشر من أجل أن ينعموا بالسلام. ويشدد على أهمية الإنتاج الفني، ويقول إن المنطقة تشهد اليوم، تدميرا كاملا لتراث سوريا والعراق، وعملية تطهير ثقافي لها. هذه السيمفونية السورية «ستساعد على كسر الصورة النمطية للعرب في الغرب، ورسم صورة جميلة ومقبولة في ذهنية الأميركيين تخلو من العنف والتدمير».
وفي سياق توظيف ألحان عربية في قوالب الموسيقى الكلاسيكية العالمية، يقول الفنان جندلي، إن على الموسيقى العربية «أن تخضع للمقاييس الموسيقية العامة، فهي تعبير عن حياة البشر وانعكاس الذات على البناء الموسيقي.. وهويته الإنسانية سابقة لهويته القومية أو الوطنية التي تنبع من ضرورة مقاومة الواقع الأليم».
ويعتقد جندلي، بأن عالمية الموسيقى مرتبطة بمكانة العرب الثقافية التي تحددها مكانتهم السياسية في هذا العالم. مفهوم الموسيقى العالمية هي أنها مجمل الموسيقى التي تنتجها الأمم ومنها الشعوب، العربية. وهي لا تتشكل من خلال الاقتباس والترجمة والنقل. وشدد على ضرورة التكاتف والعمل الجماعي، داعيا إلى بذل جهد أكبر في اختراق الحواجز النمطية العربية، وإيجاد مشترك إنساني مع الآخر من منظور أممي وليس بشكل فردي. «مطلوب منا اليوم أن نحضر على الساحة العالمية كسيمفونية إنسانية وأممية، كي نتخلص من صراع الغرب والشرق».

* سيرة ذاتية
* مالك جندلي مؤلف موسيقي وعازف بيانو سوري، مقيم في الولايات المتحدة. من مواليد ألمانيا سنة 1972.
بدأ بتلقي علوم الموسيقى في الرابعة من عمره، وكان أول حفل بيانو له على خشبة المسرح في الثامنة من عمره. التحق بالمعهد العربي ثم بالمعهد العالي للموسيقى في دمشق، وتتلمذ على يد البروفسور فيكتور بونين، من كونسرفتوار تشايكوفسكي. قدم أعماله برفقة الكثير من الفرق السيمفونية العالمية على أهم المسارح في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة وسوريا. وهو حاصل على شهادة بكالوريوس بالموسيقى من جامعة كوينز الأميركية بدرجة الشرف، قبل إتمامه لشهادة الماجستير بإدارة الأعمال من جامعة كارولينا الشمالية.
وجندلي هو أول مؤلف سوري وموسيقي عربي قام بتوزيع أقدم تدوين موسيقي في العالم اكتُشف في مدينة أوغاريت رأس شمرا - سوريا، على لوحات مسمارية تعود للقرن الرابع قبل الميلاد.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي