أفلام منسية أو مجهولة عن التحري ووحدته

بعضهم يفضّلها حزينة

إليوت غولد في «الوداع الطويل»
إليوت غولد في «الوداع الطويل»
TT

أفلام منسية أو مجهولة عن التحري ووحدته

إليوت غولد في «الوداع الطويل»
إليوت غولد في «الوداع الطويل»

«الربيع الماضي كانت أول مرة أشعر فيها بالتعب وبأني كبرت. ربما كان السبب هو الجو الفاسد الذي نعيشه في لوس أنجليس. ربما بسبب القضايا الفاسدة التي عملت عليها. غالبها مطاردة أزواج هاربين من زوجاتهم، ثم مطاردة زوجاتهم لكي يدفعن أتعابي. أو ربما لأنني، ببساطة، متعب، وأصبحت أكبر سناً».
هذه كلمات افتتاحية استلهمها فيلم «وداعاً يا حبِّي» لدك رتشاردز (1975) من كتابة المؤلف رايموند تشاندلر الذي أحال بطولة رواياته البوليسية لتحرٍّ مُتعَب اسمه فيليب مارلو.
فيلم دك رتشاردز الذي قام ببطولته روبرت ميتشوم ودار حول بحث مارلو عن امرأة قتلت وستقتل ثانية لكي تستأثر بغنيمة مسروقة، لم يكن الفيلم الوحيد من كتابة تشاندلر الذي كان كتاباً وتحوَّل إلى فيلم، وليس الوحيد الذي تم اقتباسه عن رواية «وداعاً يا حبِّي». في الواقع أول لقاء بين تشاندلر والسينما كان عبر «الصقر يستلم القيادة» (The Falcon Takes Over) سنة 1942. هناك تم استخدام شخصيات هذه الرواية بأسماء أخرى. فيلم آخر ظهر في العام ذاته بعنوان «وقت للقتل» (A Time to Kill) تم اقتباسه عن رواية أخرى كتبها تشاندلر بعنوان «النافذة العالية».
منذ ذلك الحين هناك نحو 40 فيلماً من كتابة تشاندلر المباشرة للسينما، أو اقتباساً عن رواياته. من بينها «ذا بلو داليا» (1946)، و«النوم الكبير» (1946)، و«مارلو» (عن رواية بعنوان «الأخت الصغيرة»، 1969). تشاندلر كتب كذلك سيناريو فيلم ألفرد هيتشكوك «غريبان في قطار» (1951).

وجدانيات
النبرة الحزينة لمطلع فيلم «وداعاً يا حبِّي» بدت طبيعية وفي محلها. التحري الخاص، مثل مارلو، ليس «سوبر هيرو» يمتلك قدرات سحرية تجعله ينتصر في كل مواجهة ويفوز بالتحديات بصرف النظر عن صعوباتها. على العكس، هو رَجُل يعمل في السلك الخصوصي من المهنة البوليسية، لا يحميه القانون ولا يتردد المجرمون في استهدافه. التحري الخاص يُضرب ويُصفع ويُخدع وقد يُخدَّر أو يُصاب بالرصاص ويُترك ليموت.
في «الاستعراض المتأخر» (The Late Show) لروبرت بنتون نتعرَّف على التحري الخاص إيرا وَلز (آرت كارني). متقدِّم في العمر. مفلس. يعرج من رصاصة أصيب بها منذ سنوات، ومصدوم لمقتل شريكه (هوارد دَف). يريد أن يعرف من القاتل، فيكتشف أكثر من ذلك؛ لكنه مثل ميتشوم في «وداعاً يا حبِّي» ومثل همفري بوغارت في «النوم الكبير» (عن رواية أخرى لتشاندلر) يُضرب ويُخدع ويجد نفسه مُهاناً.
«الاستعراض المتأخر» من إنتاج روبرت ألتمَن سنة 1977، الذي قام سنة 1973 بتحقيق فيلم آخر من تأليف تشاندلر هو «الوداع الطويل» (The Long Goodbye) حيث يقوم إليوت غولد بالبحث عن رجل مفقود، وبحثه يقوده إلى مجموعة من المواجهات، بعضها مع البوليس وبعضها مع العالم المحيط.
في هذه الأفلام الثلاثة هناك ما يكفي من الوجدانيات المتألمة لتأليف كتب حولها. وهي ليست الوحيدة ولا مجرد تنويعات محدودة في عالم الفيلم البوليسي. الحال هو أن هواة الفيلم البوليسي الجاد يفضلون الأفلام التي تقودها شخصيات رمادية في ماضيها إحباطات وفي مستقبلها أحلام خادعة. هذا – مثلاً - حال بيرت رينولدز في «حرارة» (1986) الذي هو فيلم بدأه دك رتشاردز وأكمله رينولدز بسبب خلاف بينهما.
في هذا المثال، نجد رينولدز رجلاً معنياً بهموم أصدقائه واللاجئين إليه للمساعدة. في الوقت ذاته هو الحالم يوماً بالانتقال للعيش في إيطاليا. مشروع حياة لا يدري إذا كان سيتحقق.
أو أن الحزن الدفين داخل شخصيات التحري الخاص هو انعكاس لوحدته من ناحية، وموقف من عالم يراه على حقيقته، يتجاوز الأخيار والأشرار ليصب في دائرة اجتماعية واسعة.
في «تشايناتاون» لرومان بولانسكي (1974) لعب جاك نيكولسن الدور الأول بمهارة. في مطلع الفيلم هو إنسان ساخر سريع النكتة، يبدو كما لو أنه مستمتع بوظيفته. مع امتداد الأحداث ينتهي إلى رجل يكتشف أن العالم من حوله يخفي حقائق مخيفة، مثل القدرة على التلاعب بمصائر البشر تحت عذر النظام الاقتصادي.
في «طلقة تحذير» (Warning Shot) لبَز كوليك (1967) نجد الممثل ديفيد جنسن في دور التحري الذي عليه إثبات أن الرجل الذي قتله كان ينوي قتله. هو واثق من أن ذلك الرجل سحب مسدسه؛ لكن في غمرة المفاجأة وتحت ظلام الليل لم يستطع أن يجد المسدس الذي هو دليل براءته، وهو المسدس الذي كاد القتيل أن يستخدمه.
ليس أن شخصية جنسن في هذا الفيلم هي شخصية تحرٍّ خاص آخر (الفيلم مأخوذ عن رواية كتبها ويت ماسترسون بعنوان 711‪-‬ Office Needs Help)؛ بل هو شرطي رسمي، كذلك حال رتشارد ودمارك في فيلم «ماديغان» لدون سيغال (1968) و«الشرطي الضاحك» لستيوارت روزنبرغ (1973).
في «بوليت» لبيتر ياتس (1968) هو تحرٍّ رسمي أيضاً (ستيف ماكوين) مصمم على النيل من قتلة شاهد عيان تعرضوا له كذلك لتصفيته. خلال ذلك يقاوم ضغوطاً سياسية وعاطفية كبيرة.
تحويل متاعب التحري الخاص لتكون كذلك وقائع ودوافع التحري الرسمي أمر ممكن. كل ما تحتاجه في الحالتين شخصية رجل يمتلك مخزوناً من التصميم والعناد ممتزجاً بأحلام غير محققة، وبسلسلة من المواجهات التي يكتشف من خلالها أن المجرم ليس وحده الذي يستحق العقاب؛ بل المحيط الاجتماعي الذي يضغط على جميع من فيه بلا استثناء.
لكن الفارق الأساسي هو أن التحري الخاص ليس لديه التزام صوب من هو أعلى منه في السلك البوليسي، وعليه بالتالي تبرير كل شيء والتعامل مع القوانين الداخلية. هذا يمنحه حرية أوسع بكثير من مجرد رجل قانون. كذلك يعرِّضه لحالات من الخطر تستفيد الدراما فيها من حقيقة أن التحري الخاص ليس لديه من يدافع عنه أو يحميه.
هذا ورد في «أنجل هارت» لألان باركر، عندما يكتشف ميكي رورك أن من أسند إليه المهمة التي يعمل عليها هو المجرم ذاته.
وفي كثير من الأحيان، نجد أن عالم التحري الخاص يقوده للاحتكاك بالسياسيين الفاسدين، ما يمنح الأفلام بعداً مثيراً آخر. هذا متوفر في «الشيطان يرتدي ثوباً أزرق» لكارل فرانكلين (1995) الذي قام دنزل واشنطن ببطولته. كما في فيلم ألان ج. باكولا «كلوت» (1971)، عندما يتدخل التحري الخاص (دونالد سذرلاند) للدفاع عن امرأة (جين فوندا) يهددها قاتل منتمٍ إلى شخصية سياسية.
عدا رايموند تشاندلر، كتب لفيف كبير جداً من الروائيين الأميركيين قصص التحري الخاص، من بينهم داشل هامت، وجون ماكدونالد، ووولتر موسلي، وروس ماكدونالد، ونايو مارش، وميكي سبيلان، وغالبيتهم أدرك سريعاً قيمة النبرة الحزينة لأبطالهم، كما في المحيط الذي يعيشون فيه.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز