القاهرة: جمال جوهر
تسود ليبيا الآن نبرة تفاؤلية تغالب ما تبقى من تشاؤم، بعد إعلان السلطتين الرئيسيتين المتنازعتين في البلاد وقف إطلاق النار؛ لكن بين هذه النظرة وتلك، تتصاعد مجموعة من الأصوات تنادي بتوخي الحذر، وتطرح مجموعة من الأسئلة عن كيفية تفعيل هذا «الاتفاق الثنائي»، في ظل «حسابات خارجية» و«تعقيدات داخلية» حولت ليبيا إلى ما يشبه الفسيفساء المتشظية!
أول هذه الأسئلة يتعلق بغياب المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، عن الاتفاق الذي رعته البعثة الأممية للدعم في ليبيا، ورفضه المقترح الأميركي بجعل سرت منطقة «منزوعة السلاح»، وموقف قواته المحتشدة على تخوم محور «سرت - الجفرة». لكن نواباً ومسؤولين ليبيين رأوا في حديثهم إلى «الشرق الأوسط» أن الاتفاق الذي حظي بترحيب دولي وإقليمي ومحلي واسع أصبح واقعاً من الصعب على أي طرف معارضته، وإلا وضع نفسه أمام حرج دولي.
غير أن ما يعضد هذا الاتفاق، الناتج عن ضغط أميركي، تحمس السلطتين المتنازعتين في البلاد لتفعيله، فالأولى «منتخبة»، ممثلة في المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب (شرق البلاد)، والثانية «مدعومة دولياً»، ويعبر عنها المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» بقيادة فائز السراج، ومقره طرابلس (غرب البلاد)، وهو ما يراه بعضهم ضمانة كافية لإنجاحه (الاتفاق)، من شأنها إجبار أي أطراف سياسية رافضة على الاصطفاف سريعاً خلف الإرادة الشعبية، والدولية أيضاً.
وأمام هذا الحدث الجديد، فإن لسان حال الليبيين غداة هذا الاتفاق، ومنهم المحلل السياسي عبد العظيم البتشي، يقول إن «الأمر لن يكون سهلاً، وقد يأخذ وقتاً. لكن لو صلحت النوايا، لن يكون تحقيقه أمراً صعباً أيضاً»، شريطة إزالة بعض المعوقات الداخلية كي يكتب له النجاح، وفي مقدمتها تفكيك شبكات المصالح المعقدة التي استحدثت لنفسها مراكز نفوذ، وباتت تدافع عن مكتسباتها بالقوة، بالإضافة إلى اجتثاث جذور جماعات الفساد المتوغلة بـأنحاء ليبيا.
جانب من مخاوف الليبيين وشواغلهم تتعلق أيضاً بـ«دولة الميليشيات» المتحكمة في العاصمة، وما تحوزه من ترسانة أسلحة، إذ يرى متابعون أن هذه المجموعات التي تتبع غالبيتها سلطات غرب ليبيا تمثل تهديداً مؤجلاً لتنفيذ أي اتفاق سياسي، حال عدم اتفاقه مع «مصالحها ومكتسباتها»، وبالتالي يسهل الخروج عليه وتعطيله بما تملكه من قوة.
ويذهبون في رؤيتهم إلى أن أي حل دون تفكيك الميليشيات وسحب أسلحتها سيكون مؤقتاً، وقد يتحقق له استقرار نسبي، لكن سرعان ما ستحدث أزمات واشتباكات، وبالتالي يصبح أي اتفاق معرضاً للفشل، مما يستوجب حل معضلة هذه المجموعات لإنهاء الفوضى في ليبيا.
ورأى عضو المجلس الأعلى للدولة، عبد الرحمن الشاطر، أن البيانين الصادرين عن صالح والسراج تضمنا بنوداً «من المستحيل الوصول لاتفاق حولها»، وصفها بأنها «بفقاقيع في الهواء، ولا إرادة جدية لتفاهم يساعد على بناء الدولة المدنية الديمقراطية، والأمر اقتصر على رغبة إيقاف الحرب». وأضاف الشاطر، عبر حسابه على «تويتر»، أن «إيقاف الحرب هو أمر يريده الجميع، ولا يختلف عليه اثنان».
في مقابل ما ذهب إليه الشاطر، قال ليبيون: «لو لم ينجح هذا الاتفاق إلا في إنهاء الحرب الدائرة في عموم البلاد منذ 9 أعوام وأكثر لكفاه». غير أن الحقوقي الليبي الدكتور عبد المنعم الزايدي قال إن الالتزام الجدي بوقف إطلاق النار يشكل مقدمة جوهرية لإجراء حوار سياسي جاد، يضم مختلف الأطراف الليبية لإنهاء حالة الانقسام، واستئناف المسار الانتقالي بعرض مسودة الدستور على الاستفتاء الشعبي، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ودعا الزايدي بعثتي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للعمل معاً على رعاية التفاهمات السياسية لانتشال البلاد من أجواء الفوضى التي تُعمق من مأزق الانقسام الذي ترتبط أبعاده السياسية بالانتماءات القبلية والمناطقية.
واللافت أنه كما سارعت القوات الموالية للسراج على جبهة القتال إلى تأييد الاتفاق السياسي مع عقيلة صالح، سارع مجلس النواب أيضاً إلى مساندته لهذه الخطوة، مما يقطع الطريق على أي أطراف معرقلة، أو حتى رافضة له، حيث رحب تكتل أعضاء «تجمع الوسط النيابي» بالبرلمان بوقف إطلاق النار، داعياً جميع النواب لعقد جلسة استثنائية عاجلة لإعادة توحيد مجلس النواب، ليتمكن من القيام بدوره واستحقاقاته في هذه المرحلة الحرجة.
واقترح التجمع أن تكون هذه الجلسة خارج البلاد «إذا استمر الوضع الأمني الحالي، وتعذر عقدها داخلياً». كما دعا إلى عقد حوار مباشر بين مجلسي النواب و«الأعلى الدولة»، بصفتهما الأطراف المخولة قانونياً بتعديل الاتفاق السياسي (الصخيرات)، واعتماد أي حوار بين الأطراف الليبية.
وانتهى التجمع البرلماني إلى دعوة القوى السياسية الفاعلة في البلاد للالتفاف حول الثوابت الوطنية، ودعم جهود التسوية السياسية، ورفض التدخل الأجنبي، واستعادة سيادة ليبيا.
وفي السياق ذاته، قال يوسف العقوري رئيس لجنة الخارجية بمجلس النواب إن البرلمان ملتزم بالعمل مع دول الجوار، والدول المعنية بالملف الليبي، من أجل عودة الاستقرار والسلام إلى ليبيا، ووقف التدخلات الخارجية.
وشدد العقوري على دعم مجلس النواب لعمل بعثة الأمم المتحدة في أداء مهامها على جميع المسارات لعودة الاستقرار إلى البلاد، مضيفاً أن اتفاق وقف إطلاق النار يعد فرصة لاستئناف الحوار السياسي، وفتح ملف العدالة الانتقالية والمصالحة، والتوزيع العادل لثروات البلاد.
ولفت العقوري إلى أهمية الجهود الدولية لدعم مجلس النواب من أجل تحقيق تطلعات الشعب الليبي في بناء دولة المؤسسات والقانون، وحل المجموعات المسلحة، وصولاً إلى تنظيم الانتخابات التي سيختار فيها الشعب الليبي من يحكمه.
ورحب كذلك رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب، عيسى العريبي، بالاتفاق الذي تضمن استئناف إنتاج وتصدير النفط، وتجميد إيراداته حتى يتم التوصل إلى ترتيبات سياسية شاملة، وفق مخرجات مؤتمر برلين، وقال: «الخطوة المرتقبة بدء الحوار السياسي بين جميع الأطراف برعاية الأمم المتحدة في جنيف».
واستبعد العريبي أن يكون بيان السراج «مناورة سياسية»، تأسيساً على أن المجتمع الدولي «سيبدأ رعاية الاتفاق بين الطرفين للوصول إلى حل سلمي يحقق الاستقرار في البلاد».
وتطرق العريبي إلى قدرة السراج على تفكيك الميليشيات التابعة له في طرابلس والمنطقة الغربية، وقال: «الميليشيات تشكلت على مدار السنوات الماضية، ومن الصعب تفكيكها في يوم وليلة، وهذا الأمر سيستغرق وقتاً، لكن يجب أن يتم ذلك برعاية أممية ودولية لضمان تحقيقه».









