محمود درويش... قصائد لا تنتهي

12 عاماً على رحيله

محمود درويش
محمود درويش
TT

محمود درويش... قصائد لا تنتهي

محمود درويش
محمود درويش

يُروى أن مئات الشعراء كانوا يفدون على مجلس «أبي العلاء المعري» في بغداد، وكل شاعرٍ يتأبط ديوانه، ولكن للأسف فإن هذا الراوي الذي روى لنا لم يذكر أي اسم لأي شاعر من هؤلاء الشعراء. بقي أبو العلاء اسماً طازجاً في فضاء الشعر والمعرفة والفكر، ومثل هذا الأمر حدث للمتنبي الذي سبق أبا العلاء؛ حيث حلَّ بما يشبه اللعنة على جيله من الشعراء، والذين لسوء حظهم ولدوا مع المتنبي، وعاشوا في عصره، وكتبوا معه، وبعضهم قرأ الشعر معه، ولكن للأسف لم يستطع التاريخ أنْ يحتفظ إلا بالقليل من هذه الأسماء، وعادة من احتفظ بهم هم الذين دخلوا مع المتنبي بصراعات واختلافات، أسوق هذه المقدمة لمرور ذكرى وفاة الشاعر محمود درويش، والواقع أن محمود درويش لا يحتاج إلى ذكرى وتوقيت لوفاته لكي نستحضره، فهو الشاعر العربي الأكثر حضوراً في الخمسين سنة الأخيرة، ولا أظن أن شاعراً عربياً معاصراً حظي بما حظي به درويش، من نجومية وشهرة فاقت شهرة بعض الفنانين والمطربين الكبار، وهذا نادراً ما يحدث للشعراء، إلا أن قلة منهم استطاعوا أنْ يكونوا بهذا المستوى من النجومية كالجواهري ونزار قباني، ودرويش طبعاً، ولسنا هنا بصدد الأسباب الموضوعية لشهرة درويش، وهل هي متأتية من جودة شعره؟ أم من القضية التي تبناها، وكتب فيها وأصبح نشيدها الأجمل؟ أم أن هناك أسباباً أخرى كثيرة، ولكن في النتيجة، اجتمعت الأسباب كلها لتنتج درويش بهذه الطبخة من الشعرية الجارفة، والحنين الممض، والنرجسية المحببة
وكذلك نادراً ما يرتبط بلدٌ باسم شاعر، وهذا ما حصل لدرويش حيث ارتبطت فلسطين به، كما ارتبط هو بها، وأخلص لطينها وقراها وحنينها وكبريائها، ودرويش يعد التجربة الشعرية الأكثر انقلاباً على ذاتها، فهو أبو التحولات الفنية والموضوعية، ومثلما وقف الجواهري وبدون قصد بوجه شعراء التفعيلة، وأصبح المثال الحي لعدم موت النص العمودي، استطاع درويش أن يقف بوجه موجة الحداثة، وشعراء قصيدة النثر الكاسحة منذ السبعينات حتى الآن في أنْ يثبت أن النص الإيقاعي نصٌ لن يموت أيضاً، بل على العكس بقي نص درويش هو النص الأكثر جذباً للقراءة والسماع، ودرويش هو أكثر الشعراء مغناطيسية، ذلك أن قصيدته لها شباكٌ كثيرة توقع في شركها أجيالاً من الشعراء ينقادون بحب أو بدون وعي، وبطاقة سحرية مذهلة، فيقعون في حبائل نصوصه الشعرية، وهذا ما وقع ضحيته أجيال كثيرة من نهاية السبعينات والثمانينات والتسعينات في بلاد الشام عموماً، وبعض من العراق ومصر؛ حيث خرج عددٌ كبيرٌ من الشبان في ذلك الوقت، وهم يستنسخون صوت درويش في الكتابة من حيث طريقة استخدام الاستعارة، واللغة الشعرية، والبناء الخاص للتراكيب الشعرية، ولم يفلت من حبال درويش إلا شعراء العمود وشعراء قصيدة النثر، الذين احتالوا من خلال الشكل الشعري ليُفلتوا من تلك الحبال، لكن عدداً كبيراً من شعراء التفعيلة من بلاد الشام وبعض من شعراء العراق كما ذكرت لم يفلتوا من صوت درويش الذي بقي مهيمناً على معظم تجاربهم، وخصوصاً في البدايات، ولم يستطيعوا التخلص من درويش إلا بالحنو المخلص للتجربة الشعرية، وتجاوز منطقة التأثير المباشرة التي يبثها صوت درويش المتفرد، ذلك أنه الشاعر الأكثر تأثيراً في الأجيال الشعرية العربية التي جاءت بعده، وبذلك تحول درويش إلى لعنة تطارد الشعراء الشباب الذين فتحوا عيونهم على شعر التفعيلة، فقد كان البحر الأوسع من بين الشعراء هو بحر درويش الذي غرق فيه كثير منهم، وبعضهم مات غرقاً، ولم ينجُ منه إلا من كان سبَّاحاً ماهراً، علماً أنه بدأ وهو متأثرٌ بنزار قباني، ومقلدٌ لبعض نصوص نزار السياسية، ولكنه استطاع بفرادة عالية أنْ يصنع له مناخاً خاصاً، وجواً مختلفاً في الكتابة الشعرية، حتى شكَّل بصمة في الشعرية العربية، ذلك أن نصّ درويش يبين بمجرد سماعه، حتى إنْ لم تقرأه من قبل، وهذه البصمة هي الصوت الخاص بالشاعر الحقيقي الذي يخلص للشعر فيمنحه كل حياته، ولهذا فإن الشعر يمنحه بعضاً من أسرار الملكوت الشعري، وهو رسوخ بصمة الشاعر لدى الجميع.
ولكن مع عظمة درويش وأهميته هل يبقى خارج المساءلة النقدية؟ قطعاً لا يوجد شاعر خارج المسح النقدي ولا أكبر منه، بل بعد هذا الغياب لدرويش أليس من الأفضل له وللشعرية العربية أن نقف محللين ومنقبين لا محتفين فقط، فلو بقي درويش ملتفاً بنصوص المقاومة فقط هل سيكون درويش كما هو الآن؟
لو لم يتحول إلى الذاتيات الخاصة بدرويش المتسائل والحائر والعاشق والضائع والتائه على أبواب القيامة في جداريته العظيمة، ماذا سنفعل بشعره إذا؟ هل نبقى نردد الصراخ الأول؟ قطعاً لو لم يكن بهذا التحول لكان درويش الآن شاعراً تقليدياً لن نأخذ منه غير الصوت العالي والضجيج الشعري ربما، ولنا بمجايلين له مثالٌ واضحٌ في ركود الشعرية؛ حيث ارتبطوا بالقضية الفلسطينية، على عظمة الارتباط بالقضية، إلا أن الشعر يكمن في التحولات، ويركد في الثبات على موضوعات مؤدلجة تعشق الركود والتكرار، وبهذا استطاع درويش أن يفلت من شرك هذا النوع من الشعر الذي حوَّل كثيراً من الشعراء إلى خطباء منابر يغوصون في الملل، ولا يؤمنون بالتلميح والإشارة التي أصبحت من علامات درويش المائزة، بل إن الشعر التقليدي الذي قيل عن المقاومة أو أي شعر يقال عن الثورات والتحولات إن لم يكن شعراً مقصوداً لذاته وحقيقياً فسيكون عبئاً على أي حركة كانت سياسية أو ثورية، ودرويش بتحوله الشعري أزعم أنه خدم القضية الفلسطينية أكثر من قصائده الأولى التي كانت تتجه للمباشرة والتصريح.
وأزعم أيضاً أن التحول الأهم الذي حدث لدرويش هو في مجموعته المهمة «الجدارية» حيث انتقل صوته من الصوت الغاضب والصاخب إلى صوت آخر أكثر حنواً ودفئاً، وبدأت ملامح الحيرة والأسئلة تتدفق بنبضٍ شعري حفر نهراً جديداً في شعر درويش...
ويا موت انتظر يا موت
حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع
وصحتي
لتكون صياداً شريفاً
لا يصيد الظبي قرب النبع
ولتكن العلاقة بيننا ودية
لك ما تشاء
ولي التأمل في الكواكب
لم يمت أحدٌ تماماً
تلك أرواحٌ تبدل شكلها ومقامها
وبهذا تحول درويش لمناطق أكثر انفتاحاً، وتحولت معه نهايات نصوصه من الحافات الحادة إلى النهايات السائبة التي يجد الجميع متسعاً لهم فيها، واتسع من خلال هذا التحول جمهوره الواسع أصلاً، ودرويش هو الشاعر الأكثر تفرداً الذي استطاع أن يسحب جمهوره للأرض الشعرية التي يريد أن يحرث ويبذر فيها، فنحن نعرف كثيراً من الشعراء الموهوبين، ولكنهم كثيراً ما يقعون في مناطق تقليدية، خصوصاً حين يقرأون على المنصات وأمام الجمهور، أما درويش فإنه الشاعر الذي سحب جمهوره معه، ليصعد به لأماكن لم يرها من قبل، فالجمهور الذي تعود الشعر المقاوم والمباشر استطاع درويش أنْ يروضه على ذائقة جديدة أكثر جمالية، أو إنها مقاومة من نوع آخر لم يعتدها ذلك الجمهور، وهذا ما جعل درويش يكون صارماً وحاداً مع بعض معجبيه الذين يلحون في طلب نصوص تجاوزها درويش؛ حيث ألحّ عليه أحد الجمهور نهاية التسعينات في الأردن أن يقرأ قصيدة «سجل أنا عربي» فبدأ يلحّ عليه، ويقول له؛ اقرأ لنا «سجل أنا عربي، سجل أنا عربي»، فامتعض درويش، وقال له؛ سجل أنت. ما يعني أن درويش لم يخضع لذائقة الجمهور التي تنحو في كثير من المرات إلى الوضوح والمباشرة من خلال رفضه قراءة ذلك النص الذي يعد بوابة مهمة لشهرته في الستينات، والمتتبع لأسماء دواوين محمود درويش سيجد التحول في أبهى صوره من خلال العنوانات، فمن «أوراق الزيتون» و«العصافير تموت في الجليل» و«حالة حصار» إلى جدارية محمود درويش و«كزهر اللوز أو أبعد» ، إلى «لا أريد لهذي القصيدة أنْ تنتهي»، وهذا لا يعني أن درويش تخلَّى عن القضية الفلسطينية لكي يكون شاعراً عالمياً، إنَّما القضية تسللت إلى مسارب أخرى ونهايات مفتوحة الدلالات، فلم تعد الرؤية الأحادية هي التي تحرك بوصلة درويش الشعرية، إنما بدأت القضية الفلسطينية تتسلل لأكثر مناطق درويش حكمة وعقلانية وربما براغماتية، درويش رحل وفي فمه كثير من القصائد التي تقل بعد، فما زال كثير من القصائد بانتظاره، وهذا دائماً حال الكبار من طرفة بن العبد إلى أبي تمام إلى المتنبي إلى أبي القاسم الشابي إلى السياب إلى درويش الذي عاش أطول من هؤلاء عمراً، ولكنه مات وفي قلبه قصيدة لا يريد أن يكملها، لهذا ختم سيرته الشعرية بعنوان مفتوح ولا نهائي «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»...



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».