محمود درويش... قصائد لا تنتهي

12 عاماً على رحيله

محمود درويش
محمود درويش
TT

محمود درويش... قصائد لا تنتهي

محمود درويش
محمود درويش

يُروى أن مئات الشعراء كانوا يفدون على مجلس «أبي العلاء المعري» في بغداد، وكل شاعرٍ يتأبط ديوانه، ولكن للأسف فإن هذا الراوي الذي روى لنا لم يذكر أي اسم لأي شاعر من هؤلاء الشعراء. بقي أبو العلاء اسماً طازجاً في فضاء الشعر والمعرفة والفكر، ومثل هذا الأمر حدث للمتنبي الذي سبق أبا العلاء؛ حيث حلَّ بما يشبه اللعنة على جيله من الشعراء، والذين لسوء حظهم ولدوا مع المتنبي، وعاشوا في عصره، وكتبوا معه، وبعضهم قرأ الشعر معه، ولكن للأسف لم يستطع التاريخ أنْ يحتفظ إلا بالقليل من هذه الأسماء، وعادة من احتفظ بهم هم الذين دخلوا مع المتنبي بصراعات واختلافات، أسوق هذه المقدمة لمرور ذكرى وفاة الشاعر محمود درويش، والواقع أن محمود درويش لا يحتاج إلى ذكرى وتوقيت لوفاته لكي نستحضره، فهو الشاعر العربي الأكثر حضوراً في الخمسين سنة الأخيرة، ولا أظن أن شاعراً عربياً معاصراً حظي بما حظي به درويش، من نجومية وشهرة فاقت شهرة بعض الفنانين والمطربين الكبار، وهذا نادراً ما يحدث للشعراء، إلا أن قلة منهم استطاعوا أنْ يكونوا بهذا المستوى من النجومية كالجواهري ونزار قباني، ودرويش طبعاً، ولسنا هنا بصدد الأسباب الموضوعية لشهرة درويش، وهل هي متأتية من جودة شعره؟ أم من القضية التي تبناها، وكتب فيها وأصبح نشيدها الأجمل؟ أم أن هناك أسباباً أخرى كثيرة، ولكن في النتيجة، اجتمعت الأسباب كلها لتنتج درويش بهذه الطبخة من الشعرية الجارفة، والحنين الممض، والنرجسية المحببة
وكذلك نادراً ما يرتبط بلدٌ باسم شاعر، وهذا ما حصل لدرويش حيث ارتبطت فلسطين به، كما ارتبط هو بها، وأخلص لطينها وقراها وحنينها وكبريائها، ودرويش يعد التجربة الشعرية الأكثر انقلاباً على ذاتها، فهو أبو التحولات الفنية والموضوعية، ومثلما وقف الجواهري وبدون قصد بوجه شعراء التفعيلة، وأصبح المثال الحي لعدم موت النص العمودي، استطاع درويش أن يقف بوجه موجة الحداثة، وشعراء قصيدة النثر الكاسحة منذ السبعينات حتى الآن في أنْ يثبت أن النص الإيقاعي نصٌ لن يموت أيضاً، بل على العكس بقي نص درويش هو النص الأكثر جذباً للقراءة والسماع، ودرويش هو أكثر الشعراء مغناطيسية، ذلك أن قصيدته لها شباكٌ كثيرة توقع في شركها أجيالاً من الشعراء ينقادون بحب أو بدون وعي، وبطاقة سحرية مذهلة، فيقعون في حبائل نصوصه الشعرية، وهذا ما وقع ضحيته أجيال كثيرة من نهاية السبعينات والثمانينات والتسعينات في بلاد الشام عموماً، وبعض من العراق ومصر؛ حيث خرج عددٌ كبيرٌ من الشبان في ذلك الوقت، وهم يستنسخون صوت درويش في الكتابة من حيث طريقة استخدام الاستعارة، واللغة الشعرية، والبناء الخاص للتراكيب الشعرية، ولم يفلت من حبال درويش إلا شعراء العمود وشعراء قصيدة النثر، الذين احتالوا من خلال الشكل الشعري ليُفلتوا من تلك الحبال، لكن عدداً كبيراً من شعراء التفعيلة من بلاد الشام وبعض من شعراء العراق كما ذكرت لم يفلتوا من صوت درويش الذي بقي مهيمناً على معظم تجاربهم، وخصوصاً في البدايات، ولم يستطيعوا التخلص من درويش إلا بالحنو المخلص للتجربة الشعرية، وتجاوز منطقة التأثير المباشرة التي يبثها صوت درويش المتفرد، ذلك أنه الشاعر الأكثر تأثيراً في الأجيال الشعرية العربية التي جاءت بعده، وبذلك تحول درويش إلى لعنة تطارد الشعراء الشباب الذين فتحوا عيونهم على شعر التفعيلة، فقد كان البحر الأوسع من بين الشعراء هو بحر درويش الذي غرق فيه كثير منهم، وبعضهم مات غرقاً، ولم ينجُ منه إلا من كان سبَّاحاً ماهراً، علماً أنه بدأ وهو متأثرٌ بنزار قباني، ومقلدٌ لبعض نصوص نزار السياسية، ولكنه استطاع بفرادة عالية أنْ يصنع له مناخاً خاصاً، وجواً مختلفاً في الكتابة الشعرية، حتى شكَّل بصمة في الشعرية العربية، ذلك أن نصّ درويش يبين بمجرد سماعه، حتى إنْ لم تقرأه من قبل، وهذه البصمة هي الصوت الخاص بالشاعر الحقيقي الذي يخلص للشعر فيمنحه كل حياته، ولهذا فإن الشعر يمنحه بعضاً من أسرار الملكوت الشعري، وهو رسوخ بصمة الشاعر لدى الجميع.
ولكن مع عظمة درويش وأهميته هل يبقى خارج المساءلة النقدية؟ قطعاً لا يوجد شاعر خارج المسح النقدي ولا أكبر منه، بل بعد هذا الغياب لدرويش أليس من الأفضل له وللشعرية العربية أن نقف محللين ومنقبين لا محتفين فقط، فلو بقي درويش ملتفاً بنصوص المقاومة فقط هل سيكون درويش كما هو الآن؟
لو لم يتحول إلى الذاتيات الخاصة بدرويش المتسائل والحائر والعاشق والضائع والتائه على أبواب القيامة في جداريته العظيمة، ماذا سنفعل بشعره إذا؟ هل نبقى نردد الصراخ الأول؟ قطعاً لو لم يكن بهذا التحول لكان درويش الآن شاعراً تقليدياً لن نأخذ منه غير الصوت العالي والضجيج الشعري ربما، ولنا بمجايلين له مثالٌ واضحٌ في ركود الشعرية؛ حيث ارتبطوا بالقضية الفلسطينية، على عظمة الارتباط بالقضية، إلا أن الشعر يكمن في التحولات، ويركد في الثبات على موضوعات مؤدلجة تعشق الركود والتكرار، وبهذا استطاع درويش أن يفلت من شرك هذا النوع من الشعر الذي حوَّل كثيراً من الشعراء إلى خطباء منابر يغوصون في الملل، ولا يؤمنون بالتلميح والإشارة التي أصبحت من علامات درويش المائزة، بل إن الشعر التقليدي الذي قيل عن المقاومة أو أي شعر يقال عن الثورات والتحولات إن لم يكن شعراً مقصوداً لذاته وحقيقياً فسيكون عبئاً على أي حركة كانت سياسية أو ثورية، ودرويش بتحوله الشعري أزعم أنه خدم القضية الفلسطينية أكثر من قصائده الأولى التي كانت تتجه للمباشرة والتصريح.
وأزعم أيضاً أن التحول الأهم الذي حدث لدرويش هو في مجموعته المهمة «الجدارية» حيث انتقل صوته من الصوت الغاضب والصاخب إلى صوت آخر أكثر حنواً ودفئاً، وبدأت ملامح الحيرة والأسئلة تتدفق بنبضٍ شعري حفر نهراً جديداً في شعر درويش...
ويا موت انتظر يا موت
حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع
وصحتي
لتكون صياداً شريفاً
لا يصيد الظبي قرب النبع
ولتكن العلاقة بيننا ودية
لك ما تشاء
ولي التأمل في الكواكب
لم يمت أحدٌ تماماً
تلك أرواحٌ تبدل شكلها ومقامها
وبهذا تحول درويش لمناطق أكثر انفتاحاً، وتحولت معه نهايات نصوصه من الحافات الحادة إلى النهايات السائبة التي يجد الجميع متسعاً لهم فيها، واتسع من خلال هذا التحول جمهوره الواسع أصلاً، ودرويش هو الشاعر الأكثر تفرداً الذي استطاع أن يسحب جمهوره للأرض الشعرية التي يريد أن يحرث ويبذر فيها، فنحن نعرف كثيراً من الشعراء الموهوبين، ولكنهم كثيراً ما يقعون في مناطق تقليدية، خصوصاً حين يقرأون على المنصات وأمام الجمهور، أما درويش فإنه الشاعر الذي سحب جمهوره معه، ليصعد به لأماكن لم يرها من قبل، فالجمهور الذي تعود الشعر المقاوم والمباشر استطاع درويش أنْ يروضه على ذائقة جديدة أكثر جمالية، أو إنها مقاومة من نوع آخر لم يعتدها ذلك الجمهور، وهذا ما جعل درويش يكون صارماً وحاداً مع بعض معجبيه الذين يلحون في طلب نصوص تجاوزها درويش؛ حيث ألحّ عليه أحد الجمهور نهاية التسعينات في الأردن أن يقرأ قصيدة «سجل أنا عربي» فبدأ يلحّ عليه، ويقول له؛ اقرأ لنا «سجل أنا عربي، سجل أنا عربي»، فامتعض درويش، وقال له؛ سجل أنت. ما يعني أن درويش لم يخضع لذائقة الجمهور التي تنحو في كثير من المرات إلى الوضوح والمباشرة من خلال رفضه قراءة ذلك النص الذي يعد بوابة مهمة لشهرته في الستينات، والمتتبع لأسماء دواوين محمود درويش سيجد التحول في أبهى صوره من خلال العنوانات، فمن «أوراق الزيتون» و«العصافير تموت في الجليل» و«حالة حصار» إلى جدارية محمود درويش و«كزهر اللوز أو أبعد» ، إلى «لا أريد لهذي القصيدة أنْ تنتهي»، وهذا لا يعني أن درويش تخلَّى عن القضية الفلسطينية لكي يكون شاعراً عالمياً، إنَّما القضية تسللت إلى مسارب أخرى ونهايات مفتوحة الدلالات، فلم تعد الرؤية الأحادية هي التي تحرك بوصلة درويش الشعرية، إنما بدأت القضية الفلسطينية تتسلل لأكثر مناطق درويش حكمة وعقلانية وربما براغماتية، درويش رحل وفي فمه كثير من القصائد التي تقل بعد، فما زال كثير من القصائد بانتظاره، وهذا دائماً حال الكبار من طرفة بن العبد إلى أبي تمام إلى المتنبي إلى أبي القاسم الشابي إلى السياب إلى درويش الذي عاش أطول من هؤلاء عمراً، ولكنه مات وفي قلبه قصيدة لا يريد أن يكملها، لهذا ختم سيرته الشعرية بعنوان مفتوح ولا نهائي «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»...



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».