باريس تدعم الحريري لرئاسة الحكومة... لكن بشروط ثلاثة

قراءة في المقاربة الفرنسية لملف الأزمة اللبنانية

TT

باريس تدعم الحريري لرئاسة الحكومة... لكن بشروط ثلاثة

ثلاثة أسماء تداولتها أعلى المراجع الفرنسية لاحتلال مقعد رئيس وزراء لبنان الجديد أحدها سحب من التداول وهو نواف سلام بسبب الاعتراض القوي من جانب «حزب الله» ومن يسير في صفه. والثاني هو سعد الحريري رئيس الوزراء السابق الذي استقالت حكومته مع أول موجة احتجاجية عرفها لبنان بدءا من 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. والثالث هو تمام سلام، رئيس الوزراء الأسبق، الاسم «الاحتياط» الذي قد يستدعى مجددا إلى رئاسة الحكومة في حال وجد الحريري أن الشروط التي يتمسك بها والتي حالت دون إعادة تكليفه المرة الماضية ليست متوافرة هذه المرة أيضا. إلا أن التركيز اليوم على الحريري مع السعي الذي تقول عنه مصادر واسعة الاطلاع في باريس إنه «مستعد لتحمل المسؤولية شرط إعطائه الصلاحيات التي تمكنه من التحرك والاستجابة لمطالب الشارع». وكشفت هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرئيس ماكرون، خلال اجتماعه برؤساء الأحزاب اللبنانية، أكد لهم أنه «على تواصل مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية لتوفير شبكة أمان لبنان ولتسهيل إخراجه من المستنقع» الذي يزيد غرقه فيه يوما بعد يوم.
من هذا المنطلق، علم أن الرئيس ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية المعبأة، وعد بالقيام بالاتصالات اللازمة لذلك. وأشارت هذه المصادر إلى أن الرئيس الفرنسي وإن لم يكن يحمل تفويضا «رسميا» من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية ليقود جهود الإنقاذ في لبنان، إلا أنه يتحرك باسم الجميع. وشددت هذه المصادر على أن الرئيس دونالد ترمب ما كان ليتصل مطولا مع الرئيس ميشال عون أو أن يشارك شخصيا في مؤتمر «دعم بيروت ولبنان» لولا تدخل ماكرون الذي أجرى معه اتصالا مطولا لإقناعه بضرورة التحرك لمساعدة هذا البلد. وإحدى الحجج التي ساقها تشدد على أن لبنان «ليس قضية خاسرة» وأن التخلي عنه «سيكون بمثابة خدمة لإيران».
ولا تقتصر جهود ماكرون على الغربيين بل إنه يعمل مع إيران وترجم ذلك بالأمس من خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه مع الرئيس الإيراني حسن روحاني. وجاء في البيان الصادر عن الحكومة الإيرانية أمس أن الرئيس الفرنسي «طلب دعم إيران لإيجاد حل للأزمة السياسية في لبنان كما دعاها للانضمام إلى المجموعة الدولية من أجل تحقيق هذا الغرض. وتقليديا، تتحاور باريس مع طهران بخصوص تقلبات الأزمات اللبنانية من باب اعتبار أن التأثير على مواقف «حزب الله» يمر عبر طهران.
وعلى الجانب الآخر، يعمل ماكرون مع الأطراف العربية الفاعلة لـ«إقناعها» بأن الحريري هو اليوم «رجل المرحلة» وأنه تتعين مساعدته.
وثمة ثلاثة شروط متداولة بهذا الخصوص أولها عدم الوقوع بمحظور الحكومة السابقة حيث كانت المماحكات والمساومات سيدة الموقف وبالتالي يتعين على الجميع في الداخل مساعدته. والشرط الثاني تمكينه من تشكيل حكومة «مستقلين» أو «حياديين» حقيقية وليس كما كان الوضع مع وزراء حكومة حسان دياب المستقيلة. والثالث، توفير صلاحيات «استثنائية» لاتخاذ القرارات الجذرية وتحقيق أربعة أهداف: إنقاذ العملة الوطنية التي يصيب تدهورها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين ووضع حد للتدهور الاقتصادي بسبب توقف عجلته عن الدوران وإعادة إعمار المناطق التي دمرها إنفجار المرفأ وأخيرا القيام بالإصلاحات الضرورية التي يطلبها المجتمع الدولي ومنها، كما تقول المصادر المشار إليها، التوصل إلى اتفاق مع البنك الدولي. وإذا توافرت هذه الشروط، فإن باريس ستفعل شبكة اتصالاتها من أجل الدفع باتجاه مساعدة لبنان والتخلي عن سياسة الانتظار والترقب.
يمثل هدف إيجاد حكومة لبنانية جديدة أولوية الأولويات الفرنسية وهذا ما حرص وزير الخارجية جان إيف لودر يان على التركيز عليه في بيانه الأخير الذي أعقب استقالة دياب. وجاء في البيان المذكور أن «الأولوية يجب أن تكون تأليف حكومة (جديدة) سريعا تستجيب لتطلعات السكان وتتصدى للتحديات الرئيسية التي يواجهها لبنان وأولها إعادة بناء بيروت وتحقيق الإصلاحات التي من دونها سيذهب البلد إلى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي».
وواضح أن باريس تشدد على الحكومة لأنها، كما تقول مصادرها، «متخوفة من الفراغ الحكومي» الذي من شأنه زيادة الإرباكات وتأخير إنجاز المهمات الرئيسية المشار إليها. وبالطبع، يقول الجانب الفرنسي إن المسؤولية تقع على كاهل اللبنانيين وليس لفرنسا أن تسمي هذا أو ذاك ولكنها «جاهزة لتكون المسهل بين الأطراف في الداخل والخارج ولأن موضوع لبنان يهمها تقليديا وهي حريصة عليه».
وتضيف هذه المصادر أن ماكرون «لم يصل إلى لبنان حاملا خطة جاهزة بل طرح أفكارا» والدليل على ذلك مجريات اجتماعه مع قادة الأحزاب والكتل في قصر الصنوبر. وبحسب ما تعلمه «الشرق الأوسط»، فإن ماكرون بدأ الحديث بالتأكيد على أن جميع الحاضرين يريدون الإصلاحات ومحاربة الهدر والفساد وحل مشكلة الكهرباء وإصلاح النظام المالي.
وقال لهم: إذا كان الوضع كما أصفه، فلماذا لا تكونون في حكومة واحدة؟ وأضاف الرئيس الفرنسي لا تستطيعون حل مشاكل الشرق الأوسط، ولبنان كذلك أما إذا أردتم العمل معا، فأنا جاهز لمساعدتكم لكن المهمة هي مهمتكم. والأمر الجيد في الاجتماع كان حضور محمد رعد، رئيس كتلة «حزب الله» في البرلمان الذي أكد أن سلاح الحزب هو لمحاربة إسرائيل وهي عدو وأنه مكمل للجيش اللبناني. وإذ أشار إلى دعمه للإصلاحات الداخلية، أكد أن الحزب مع تطبيق كامل اتفاق الطائف. أما إذا كانت هناك رغبة للذهاب إلى شيء آخر كمؤتمر تأسيسي فهذا بحث آخر.
وبين من يؤكد أن ماكرون أجرى اجتماعا هامشيا مع رعد ومن ينفي، فإن الصحيح، وفق ما علمته «الشرق الأوسط» أنه بعد انتهاء الاجتماع ّسارا معا لدقيقتين أو ثلاث دقائق لا أكثر».
يبقى أنه يتعين على «الوصفة» الفرنسية أن تأخذ بعين الاعتبار أمرين: الأول، نبض الشارع الذي يطالب بترحيل كافة الطبقة السياسية بحيث ليست هناك ضمانات لقبوله حكومة بوجوه سابقة. والثاني، أن نجاح باريس حقيقة في دفع الأطراف المترددة في دعم لبنان بسبب ما تعتبره تحت هيمنة «حزب الله» على قراره لن يكون «مجانيا». ويعني ذلك أنها تريد «ثمنا» لليونتها عنوانه تغيير أداء «حزب الله» في الداخل والخارج.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.