أسبوع على «نكبة بيروت»: تحية للضحايا تقابلها مواجهات في الشارع

متظاهر لبناني يشير بعلامة النصر خلال مواجهات مع القوى الأمنية بالقرب من البرلمان وسط بيروت (أ.ف.ب)
متظاهر لبناني يشير بعلامة النصر خلال مواجهات مع القوى الأمنية بالقرب من البرلمان وسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

أسبوع على «نكبة بيروت»: تحية للضحايا تقابلها مواجهات في الشارع

متظاهر لبناني يشير بعلامة النصر خلال مواجهات مع القوى الأمنية بالقرب من البرلمان وسط بيروت (أ.ف.ب)
متظاهر لبناني يشير بعلامة النصر خلال مواجهات مع القوى الأمنية بالقرب من البرلمان وسط بيروت (أ.ف.ب)

بعد أسبوع على الانفجار الضخم في مرفأ بيروت، سار مئات اللبنانيين أمس (الثلاثاء)، فوق ركام عاصمتهم حاملين أوجاعهم إلى موقع الانفجار، وصور وأسماء ضحايا تغيّرت حياة عائلاتهم ووطنهم خلال دقائق، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
وواصلت المدينة وأهلها لملمة جراحهم غداة استقالة حكومة حسان دياب، ما فتح الباب أمام انطلاق مشاورات سياسية على مستويات عدة لتسمية رئيس حكومة جديد.
ولليلة الرابعة على التوالي، وقعت صدامات بين عشرات المحتجين والقوى الأمنية قرب مقر مجلس النواب في بيروت. ونُقل عشرة جرحى إلى مستشفيات، فيما تلقى 32 شخصاً إسعافات أولية ميدانية، وفق الصليب الأحمر اللبناني.

وحوّل الانفجار الضخم بيروت عاصمة منكوبة، وعاث في أحيائها خراباً، متسبباً بمقتل 171 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من ستة آلاف، عدا عن مفقودين تضاربت التقديرات بشأن عددهم، وفق وزارة الصحة. وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن نحو ألف طفل في عداد الجرحى.
وعند الساعة السادسة والدقيقة الثامنة (15:08 ت غ)، قبالة المرفأ، كما في الأحياء المتضررة القريبة منه، وقف المئات دقيقة صمت على أرواح الضحايا، بينما كانت أصوات الأذان تختلط مع أجراس الكنائس التي قُرعت بشكل متزامن.
وأمام المرفأ الذي تحوّل ساحة خردة كبيرة، بُثّ على شاشة عملاقة شريط فيديو يُظهر الانفجار الضخم. وأدّى المشاركون تحية سلام لمدينتهم وضحايا الانفجار. وفي شارع الجميزة المجاور، الأكثر تضرراً بالانفجار، جلس عشرات الشبان بلباس أبيض حاملين لافتات عليها أسماء ضحايا الانفجار، كما أضيأت شموع.

وقال أحد المشاركين في الوقفة قرب مرفأ بيروت أمام الحاضرين: «لن نعلن الحداد ولن نرتدي الأسود قبل أن ندفن كل السلطة» التي يحمّلونها مسؤولية الفساد والاستهتار والإهمال.
ولم تشفِ استقالة الحكومة التي وجد دياب نفسه مرغماً على تقديمها غليل المتظاهرين الذين تُضاف فاجعة الانفجار الدامي إلى معاناتهم الطويلة في ظل أسوأ انهيار اقتصادي في تاريخ بلادهم. ولم تسجّل مظاهر احتفال بالاستقالة، في وقت استمرت المطالبة بإسقاط كل الطبقة السياسية.
وخلال مشاركته في الوقفة قبالة المرفأ، قال علي نور الدين بينما كان يحمل صورة شقيقه الضابط أيمن، أحد ضحايا الانفجار، لوكالة الصحافة الفرنسية بتأثر شديد: «منذ أسبوع لا أصدّق ماذا حدث، لا أصدّق أنّ شقيقي قضى بسبب إهمال الدولة».
وأضاف الشاب المقيم في ألمانيا: «يمكن أن يحدث التغيير عندما يتغيّر النظام بأكمله... أتمنى أن يغيّر استشهاد أيمن شيئاً».

وتجمّع عشرات الشبان مساءً في وسط بيروت، حيث دارت مواجهات بينهم وبين القوى الأمنية، بعد رشقهم العناصر العسكرية بحجارة ومفرقعات. وردت قوات الأمن بإطلاق غاز مسيل للدموع.

وقدّم دياب استقالته أول من أمس (الاثنين)، في كلمة بثّتها محطات التلفزة، معلناً أنه اتخذ ووزراؤه قرار الاحتكام إلى «الناس وإلى مطالبهم بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة».
وغالباً ما يستغرق تشكيل الحكومات في لبنان، البلد الصغير الذي يقوم نظامه السياسي على المحاصصة الطائفية ومنطق التسويات، أسابيع وحتى أشهراً.
ولا يُعرف ما إذا كان حجم الكارثة وتبعاتها، وما تلاها من تعاطف ودعم دولي ومناشدات للإسراع في اتخاذ خطوات تريح الشعب، قد يدفع الفرقاء السياسيين هذه المرّة إلى تحمّل مسؤولياتهم أمام مواطنيهم.
وتوقّع أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية هلال خشان «ألا تكون هناك حكومة لأشهر طويلة»، منبّهاً إلى أنّ «لبنان يقف على مفترق مؤلم».
وبدأت التكهنات باسم رئيس الحكومة المقبل.
وطالب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بتشكيل «حكومة طوارئ» لإخراج البلاد من أزمتها وتقصير عمر حكومة تصريف الأعمال.
ولا يزال اللبنانيون تحت وطأة صدمة الانفجار، فيما يعمل 14 فريق بحث وإنقاذ، وفق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، في موقع الانفجار.
وبعدما كانت وزارة الصحة قد أعلنت أول من أمس (الاثنين)، أن عدد المفقودين أقل من عشرين، نقلت وسائل إعلام محلية عن وزير الصحة المستقيل حمد حسن، قوله إن عددهم يراوح بين 30 و40 مفقوداً.
وحسب الأمم المتحدة هناك 35 لاجئاً في عداد قتلى الانفجار.
وتُضاف جائحة «كوفيد - 19» إلى المأساة والأزمة الاقتصادية. إذ سجّل لبنان، أمس، 309 إصابات بفيروس «كورونا المستجد» خلال 24 ساعة، بينها سبع وفيات، في معدل قياسي جديد، وفق وزارة الصحة.
وارتفع إجمالي عدد الإصابات إلى 7121 بينها 87 وفاة.
في منزلها في بلدة قرطبا شمال شرقي بيروت، تقول ريتا حتّي، والدة أحد المفقودين: «قطعة، قطعتين... نريد أولادنا» لدفنهم.
وتضيف: «لا أعرف ماذا ينتظر الشعب ولمَ لا يتحرك ضدهم (المسؤولين)، لمَ لا يدخل إلى منازلهم ويسحبهم من أسرَّتهم؟ ماذا ننتظر منهم؟».
ووقّع رئيس الجمهورية أمس، مرسوماً أعدته الحكومة قبل استقالتها بإحالة قضية انفجار المرفأ إلى المجلس العدلي الذي ينظر في الجرائم الكبرى وتُعدّ أحكامه مبرمة وغير قابلة للاستئناف.
وكان القضاء قد أعلن توقيف أكثر من 20 شخصاً منذ الانفجار على ذمّة التحقيق بينهم رئيس مجلس إدارة المرفأ والمدير العام للجمارك. واستجوبت النيابة العامة التمييزية أول من أمس (الاثنين)، رئيس جهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا.
ويتواصل رفع الأنقاض من أحياء عدة في العاصمة بمبادرات فردية ومن منظمات غير حكومية. كما يقدم أفراد وجمعيات مساعدات للسكان الذين شرد الانفجار نحو 300 ألف منهم من منازلهم.
ويصل إلى بيروت تباعاً مسؤولون آخرهم وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ونظيره المصري سامح شكري، تزامناً مع وصول طائرات مساعدات طبية وغذائية وإغاثية من دول عدة بينها الولايات المتحدة وبريطانيا والكويت وإسبانيا.


مقالات ذات صلة

رئيسة بلدية أمستردام: الانفجار في مدرسة يهودية «هجوم متعمد»

أوروبا سيارات الشرطة في موقع الانفجار الذي وقع أمام المدرسة اليهودية (إ.ب.أ) p-circle

رئيسة بلدية أمستردام: الانفجار في مدرسة يهودية «هجوم متعمد»

لحقت أضرار طفيفة بمدرسة يهودية في أمستردام بعد انفجار وقع في وقت مبكر ​اليوم (السبت)، وهي واقعة وصفتها رئيسة بلدية المدينة بأنها «هجوم متعمد على اليهود».

«الشرق الأوسط» (أمستردام )
أوروبا خبراء الطب الشرعي وضباط شرطة نرويجيون أمام مدخل السفارة الأميركية بأوسلو (أ.ف.ب) p-circle

احتجاز أم و3 أبناء للاشتباه في استهدافهم السفارة الأميركية بالنرويج

أصدرت محكمة نرويجية، الجمعة، قراراً يقضي بإيداع أم وأبنائها في الحبس الاحتياطي لأربعة أسابيع؛ للاشتباه في تورطهم بتفجير استهدف السفارة الأميركية بأوسلو.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
أوروبا تُجري الشرطة البلجيكية تحقيقاتها خارج الكنيس الواقع في شارع ليون فريدريك بعد تعرضه لانفجار في لييج (أ.ف.ب)

وزير داخلية بلجيكا: تفجير كنيس لييج عمل من أعمال معاداة السامية

أعلن وزير الداخلية البلجيكي أن تفجير كنيس لييج عمل من أعمال معاداة السامية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
أوروبا موقع الانفجار بجوار سيارة للشرطة في موسكو (أ.ف.ب)

روسيا: مقتل شرطي وإصابة آخرين بانفجار في موسكو

قُتل شرطي وأصيب اثنان آخران عندما فجّر رجل عبوة ناسفة بجوار سيارتهم، في وسط موسكو، في وقت مبكر الثلاثاء، وفق ما أفادت وزارة الداخلية الروسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
المشرق العربي أضرار ناجمة عن ضربة جوية إسرائيلية في يناير لقرية قناريت جنوب لبنان 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

عملية تفجير إسرائيلية في محيط بلدة العديسة بجنوب لبنان

نفّذت القوات الإسرائيلية، فجر الجمعة، عملية تفجير في محيط بلدة العديسة بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.