يشن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملات انتقاد دورية ومكثفة على عملية التصويت عبر البريد، فيقول إنها تفسح المجال للغش في الانتخابات، وإنها تصب لصالح الديمقراطيين. ترمب الذي هو نفسه صوَّت غيابياً في ولاية نيويورك في عام 2018، وفي فلوريدا خلال الانتخابات التمهيدية هذا العام، يؤكد أن عمليات التصويت عبر البريد ستؤدي إلى تأخير في الانتخابات «لأشهر أو حتى سنوات».
وقد بدأ الرئيس الأميركي هجماته العنيفة على عمليات التصويت المذكورة في أبريل (نيسان)، إثر إعلان عدد من الولايات الأميركية توسيع نظام التصويت عبر البريد، تفادياً لتفشي فيروس «كورونا». وقال حينها: «يجب تأجيل الانتخابات إلى أن يتمكن الأميركيون من التصويت بطريقة صحيحة وآمنة. على الجمهوريين المحاربة بشكل كبير ضد التصويت عبر البريد الشامل في الولايات. الديمقراطيون يتغنون به. إنه سيؤدي إلى غش كبير، ولن يصب في صالح الجمهوريين!».
وبعد ذلك بشهر، صعَّد ترمب انتقاداته، فقال: «لا تستطيع الولايات المتحدة التصويت عبر البريد بشكل شامل. سوف تكون هذه هي الانتخابات الأكثر غشاً في التاريخ. سوف يسحب الأشخاص بطاقات التصويت من علب البريد، ويطبعون الآلاف من النُّسَخ المزورة، ويرغمون العالم على التوقيع عليها. أيضاً بإمكانهم تزوير الأسماء. البعض يصوت غيابياً، وهذا حسن في حال الضرورة. يحاولون استعمال (كوفيد) لهذه المهزلة».
اتهامات كثيرة؛ لكن ما مدى صحتها؟ ولماذا يصف ترمب التصويت الغيابي بالجيد، والتصويت عبر البريد بالمغشوش؟ وما هو الفارق بينهما؟
لنبدأ في الجواب على السؤال الأخير: التصويت الغيابي هو تقنياً نفسه التصويت عبر البريد، إذ يدلي الناخبون بأصواتهم في عمليتي التصويت المذكورتين عبر البريد، مع بعض الفوارق البسيطة، إضافة إلى عرض عمليات التصويت المختلفة التي يحق للناخب الأميركي استخدامها.
1- التصويت الغيابي:
بدأت هذه العملية خلال الحرب الأهلية، للسماح للجنود الذين يخوضون معارك في ولايات أخرى بالتصويت غيابياً عبر البريد. ومع مرور السنين توسعت العملية لتشمل الأشخاص الذين سيغيبون عن ولاياتهم يوم التصويت الرسمي، إضافة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن وأشخاص آخرين لديهم أسباب أخرى لعدم إمكانية تصويتهم حضورياً.
اليوم، يمكن لسكان الولايات الخمسين أن يصوتوا غيابياً من دون سبب، باستثناء بعض الولايات التي تتطلب سبباً واضحاً للتصويت غيابياً. هناك 34 ولاية، إضافة إلى واشنطن العاصمة التي تسمح بالتصويت غيابياً من دون عذر، بينما خففت الولايات الأخرى من شروط التصويت غيابياً بسبب فيروس «كورونا». وهناك كثير من الدعاوى القضائية حالياً لدفع بقية الولايات إلى إلغاء الشروط أو تجميدها، أو السماح بعذر «الخوف من التقاط عدوى (كورونا)» للتصويت غيابياً. وتتم عملية التصويت الغيابية عبر البريد.
2- التصويت عبر البريد:
بما أن أغلبية الناخبين في عملية التصويت الغيابية أصبح بإمكانهم التصويت بهذا الشكل من دون عذر لغيابهم، بدأ المسؤولون عن الانتخابات قي استعمال توصيف «التصويت عبر البريد» بدلاً من «التصويت الغيابي». وتُعد إجراءات التصويت عبر البريد هي الإجراءات نفسها المتبعة في عملية التصويت الغيابي؛ إذ على الناخب أن يقدم طلباً رسمياً عبر الدوائر الرسمية للتصويت بهذه الطريقة، ويتم إرسال بطاقة انتخابية باسمه إلى عنوانه.
3- التصويت الشامل عبر البريد:
هناك بعض الولايات تسمح بالتصويت الشامل عبر البريد، حتى قبل انتشار فيروس «كوفيد- 19»، كواشنطن وأريغون وهاواي، وغيرها. ويتم إرسال بطاقات انتخابية إلى كل ناخب مسجل في هذه الولايات، لكي يستطيع التصويت عبر البريد. ومع تفشي فيروس «كورونا»، قرر عدد كبير من الولايات اعتماد التصويت الشامل، في هذه الحالة لا يحتاج الناخب إلى تقديم طلب رسمي للحصول على بطاقة اقتراع، فالمسؤولون في الولاية يرسلون هذه البطاقات إلى كل الناخبين المسجلين. وهناك عدد صغير من مراكز الاقتراع المفتوحة في الولايات التي تسمح بالتصويت الشامل في حال قرر الناخبون التصويت حضورياً.
إذن، الفارق بين التصويت الغيابي والتصويت الشامل عبر البريد، هو أن على الناخب أن يقدم طلباً رسمياً للحصول على بطاقته الانتخابية عبر البريد في حال تصويته غيابياً، بينما هذه البطاقة تصله من دون طلب رسمي في حال التصويت الشامل عبر البريد؛ لكن في الحالتين على الناخب أن يكون مسجلاً بطريقة رسمية في النظام الانتخابي. هذا يعني أن عليه أن يملأ استمارة فيها عنوانه الرسمي ورقم بطاقة الهوية الخاصة به، أو رقم ضمانه الاجتماعي.
- هل تتأخر نتيجة التصويت عبر البريد؟
الجواب يعتمد على كمية الأصوات، ويتوقع أن يكون عددها كبيراً هذا العام، بسبب زيادة عدد الناخبين الذين سيصوتون بهذه الطريقة، خوفاً من «كورونا»؛ لكن الولايات التي اعتمدت على طريقة التصويت هذه تؤكد جهوزيتها لاحتساب الأصوات من دون تأخير يذكر.
- ما هي الخدمة التي يستعملها الأميركيون لإرسال أصواتهم؟
يستعمل الأميركيون خدمة البريد الرسمية، وهي الوسيلة الوحيدة التي يمكن التصويت من خلالها. ويقول الرئيس الأميركي إن الخدمة هذه غير قادرة على تحمل كمية هائلة من البريد الانتخابي، وإن هذا سيؤثر على العملية الانتخابية سلباً؛ لكن خدمة البريد الممولة فدرالياً رفضت هذه الاتهامات، وأكدت أنها على أهبة الاستعداد لموسم الانتخابات الرئاسية.
- هل يستفيد الديمقراطيون أكثر من الجمهوريين في عملية التصويت عبر البريد؟
الجواب هو: لا. فبحسب الدراسات، ليس هناك دليل على أن عملية التصويت عبر البريد ترجح الكفة لصالح أي حزب من الحزبين.
ويقول رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة «كاليفورنيا» ثاد كوسر، إن التصويت عبر البريد يساعد كبار السن والناخبين الذين يعيشون في الضواحي، وهم غالباً ما يصوتون لصالح الجمهوريين. ويضيف كوسر: «هناك كثير من الجمهوريين الذين يتم انتخابهم في المناطق التي تصوت عبر البريد. الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء يقدرون فرصة التصويت عبر البريد».
4- التصويت المبكر:
هناك ولايات كثيرة تسمح بالتصويت المبكر قبل الانتخابات. هذا التصويت يكون حضورياً في بعض مراكز الانتخابات المخصصة له؛ حيث يعبئ الناخب استمارته الانتخابية في المركز ويسلمها باليد إلى الموظفين هناك. وتبدأ هذه العملية قبل 45 يوماً من الانتخابات في بعض الولايات، بينما تتأخر في ولايات أخرى لتبدأ قبل أسبوع واحد فقط من الانتخابات. وتهدف هذه الطريقة إلى استقطاب مزيد من الناخبين للتصويت، والتخفيف من الازدحام يوم الانتخابات.
5- التصويت حضورياً:
هو التصويت التقليدي؛ حيث يتوجه الناخب إلى صناديق الاقتراع ويدلي بصوته هناك. ويعد التصويت المبكر تصويتاً حضورياً أيضاً. وعلى الرغم من انتقادات الرئيس المتكررة لنظام التصويت عبر البريد، فإنه بدأ في تغيير لهجته بعض الشيء، وذلك بعد تململ الحزب الجمهوري من هذه الانتقادات، وتخوفهم من تأثير هذا سلباً على اندفاع الجمهوريين للتصويت؛ خصوصاً في ولايات كفلوريدا التي تعاني من تفشي الفيروس بشكل كبير.



