انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة

بعد 75 عاماً من إلقاء أول قنبلة ذرية على المدينة

انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة
TT

انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة

انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة

لم يكن الصوت بعيداً ولا الصدى، ولم يكن مستغرباً أن يصرخ البعض أيضاً مساء الثلاثاء قبل الماضي، عقب انفجار مرفأ بيروت المروع، وهم يلهثون: «إنها هيروشيما». العبارة التي كانت بمثابة كلمة السر حين أعلنها بول تيبيتس، كابتن طائرة «إلـبي - 29» العسكرية الأميركية لطاقمه.
كانت الساعة في المدينة الوادعة التي قطنها حينها نحو 350 ألفاً من البشر تشير إلى الثامنة والربع من صباح السادس من أغسطس (آب) 1945، عندما شاهد بعضهم طائرة فضية تفتح أبوابها لتلقي شيئاً يشبه الباراشوت، قبل أن ينفجر على درجة مليون مئوية، فينتج كرة هائلة من اللهب الأبيض. «الولد الصغير» كما سماه تيبيتس لاحقاً، لم يكن سوى أول قنبلة نووية تستعملها الولايات المتحدة، وزنها أربعة أطنان، بقوة تفجير تعادل 15 ألف طن من الديناميت، وموتاً ساقطاً من السماء أودى على الفور بحياة نصف سكان المدينة، بينما تصاعدت أعداد الضحايا لاحقاً - وعبر الأجيال - بسبب تأثيرات الإشعاع القاتلة التي أصابت الحمض النووي لمن بقي على قيد الحياة.
وبينما آلاف الجثث تطفو على سطح مياه نهر المدينة، كان روبرت لويس، مساعد كابتن الطائرة الأميركية، يدون على دفتر ملاحظات الرحلة، وهو يتأمل من النافذة الغيوم تغلي فوق هيروشيما: «يا إلهي، ما الذي فعلناه!».
ذلك الانفجار الهائل صبيحة يوم هيروشيما المشؤوم، كان كما لحظة تتويج لمسيرة خمسين عاماً من التقدم العلمي المطَّرد الذي تتابعت مجموعة صغيرة نسبياً من العقول اللامعة على مراكمته، واضعة نفسها مع ذلك في مكانة الخادم الأمين لحكم النخب الرأسمالية الغربية، فسلَّمت مفاتيح الطبيعة وأسرارها لقادة لا يرتوون من الدماء وعذابات الناس، وسوَّلت لهم أنفسهم التضحية بأرواح الملايين، سعياً لهيمنة فئة دون أخرى على بشر الكوكب وموارده.
كان حكم موت هيروشيما قد أُبرم في وقت ما منتصف العقد الأخير من القرن التاسع عشر، لحظة الانتقال من قرن «الكيمياء» إلى القرن العشرين الذي سيهمن عليه الفيزيائيون. الخطوة الأولى كانت على يد الفرنسي هنري بيكريل الذي اكتشف أن اليورانيوم عنصر مشع، لتتوالى بعدها الاكتشافات من الفرنسيين ماري كوري وابنتها إيرين وزوج ابنتها فريدريك، إلى الإيطالي أنريكو فيرمي، والألماني ألبرت آينشتاين، والدنماركي نيلز بور، والنيوزلندي إرنيست رذرفورد، وغيرهم. كانت تلك الثلة من الفيزيائيين أشبه ما تكون بعصبة معولمة تجتهد بتفانٍ عجيب لكسر حدود الفكر العلمي يوماً بعد يوم، بتكامل وتوازٍ، وتلتقي دورياً في مؤتمرات علمية وزيارات أكاديمية متبادلة. لكن صعود هتلر وموسيلليني إلى السلطة في بلديهما، ألمانيا وإيطاليا، والأجواء المشحونة بالاستقطاب العرقي والنزعات القومية الشمولية التي سادت البر الأوروبي في عقد ثلاثينات القرن العشرين، دفعت كثيرين من هؤلاء - بينهم كثرة يهودية خشيت موجة العداء المستجد للسامية - إلى مغادرة أوطانهم، وقبول عروض استضافة من البريطانيين والأميركيين. وبالفعل، عبر آينشتاين القنال الإنجليزي بحماية ضابط كبير من البحرية الملكية البريطانية إلى لندن، قبل أن يقبل وظيفة في جامعة «برينستون» على الجانب الآخر من الأطلسي. وكذلك انتقل فيرمي من إيطاليا إلى السويد، خوفاً على زوجته اليهودية من عداء الفاشيست، وبور من الدنمارك إلى الولايات المتحدة، وهكذا.
أحد هؤلاء العلماء المهاجرين إلى الولايات المتحدة، الهنغاري ليو سيزيلار الذي كان على يقين أكثر من بقية علماء جيله بإمكان تطويع الطاقة النووية لبناء قنابل دمار شامل، حاول بكل ما أوتي من قوة التأثير على زملائه لإبقاء أبحاثهم في هذا الإطار سرية، خوفاً من وقوعها في أيدي السياسيين المغامرين. لكن فرديناند زوج ابنة ماري كوري لم يقتنع، ونشر نتائج أبحاث له عن الانشطار النووي في مجلة علمية مفتوحة للعموم، فما كان من سيزيلار إلا أن أقنع آينشتاين في أغسطس 1939 بالكتابة إلى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، لتنبيهه من الأخطار المحتملة جراء تقدم الأبحاث على اليورانيوم المشع، وإمكان توظيفها لإنتاج أسلحة دمار شامل. وبناء على تلك المخاطبة تشكلت أول لجنة حكومية لإدارة اليورانيوم في الولايات المتحدة.
الحكومة البريطانية التي تورطت في حرب عالمية ضد هتلر بعد غزوه بولندا، كانت قد حوَّلت طاقاتها العلمية بالكامل لأغراض التطوير العسكري. وقدَّم اثنان من العلماء المهاجرين إليها (أوتو فريتش، ورودولف بيرلز) ورقة في مارس (آذار) 1940 تصف الأبعاد العلمية لإنتاج قنابل نووية، مع التنبيه من العدد الفلكي للضحايا المدنيين الذي قد تتسبب فيه، واقترحا على حكومة لندن إنتاج قنابل للردع الدفاعي؛ نظراً إلى تسرب معلومات عن تقدم مطَّرد في صنع القنبلة من قبل العلماء النازيين. وقد تلقف ونستون تشرشل – رئيس وزراء بريطانيا وقتها – الفكرة، رغم أنه كان مكتفياً حينها بالقوة النارية للحلفاء، معتبراً أنه «من الضروري ألا نقف حاجزاً في وجه التقدم». أرسل البريطانيون نسخاً من التقرير إلى القيادة الأميركية، لحثها على التعاون في تصنيع أسلحة دمار شامل؛ لكن الأمور تسارعت في الولايات المتحدة لاحقاً، بعد الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور، وقرار واشنطن الانخراط في الحرب إلى جانب الحلفاء؛ إذ تحولت لجنة اليورانيوم المتواضعة عندها لأكبر مشروع هندسي علمي عسكري في تاريخ الغرب – أطلق عليه اسم مانهاتن – رصدت له ميزانية بلغت ملياري دولار، وتضخم بسرعة إلى أكبر قطاع صناعي في الولايات المتحدة، متجاوزاً قطاع صناعة السيارات ومشغلاً أكثر من 130 ألف موظف. وبالفعل نُفذ في 16 يوليو (تموز) 1945 أول تفجير نووي تجريبي بصحراء نيو مكسيكو. «لقد أُنجزت المهمة» كان تعليق بيرلز، وهو يرى الضوء الساطع الناشئ عن الانفجار العظيم.
في 1945 استسلمت ألمانيا؛ لكن اليابان بقيت تقاتل. كانت قوات الاتحاد السوفياتي تتقدم بسرعة هائلة في هجومها على اليابان من الشمال، وذلك خطر استراتيجي أراد الأميركيون تجنبه بأي ثمن، لا سيما بعد تجربة تقسيم برلين، ولذا اعتزموا السيطرة على الجزر الرئيسة في اليابان لأنفسهم. الخبراء العسكريون توقعوا ثمناً باهظاً في الأرواح لمثل هكذا عملية. فاليابانيون كانوا يمتلكون إرادة صلبة للقتال، وربما سيسفر إنهاء مقاومتهم للغزو عن جثث مليون شخص على الأقل من جنود العم سام. لجنة التخطيط العسكرية البريطانية – الأميركية قررت أن كسر إرادة القتال تلك ستحتاج إلى فاجعة سيكولوجية بحجم ثلاث قنابل نووية، تتسبب في كارثة ماحقة ترعب اليابانيين وتدفعهم للخضوع، فحُددت مدن هيروشيما وكيوتو ونيغاتا كأهداف مختارة، قبل أن يقرر وزير الدفاع الأميركي استبعاد كيوتو لأهميتها الثقافية، فاستبدلت بها سيئة الحظ ناكازاكي التي بعد تلقيها قنبلة أشد فاعلية - تعتمد على البولوتونيوم المشع - أعلنت اليابان استسلامها التام للقوات الأميركية.
وبينما شعر بعض الفريق الذي عمل على تنفيذ مذبحتي هيروشيما وناكازاكي بالألم، مما تسببوا فيه للمدنيين – رغم عدم ندمهم على تنفيذ الأوامر العسكرية التي وجهت إليهم كما في حال الكابتن تيبيتس - وادعاء آينشتاين أنه «لم يكن ليساهم في المشروع من حيث المبدأ لو عرف أن الألمان سيستسلمون قبل نجاحهم في تطوير قنبلتهم» فإن مشاهد الموت الجماعي المرعبة لم تثر أي مشاعر في قلوب الساسة الأميركيين المتعاقبين - ولاحقاً في قلوب سياسيين آخرين حلفاء - فانطلقوا في إنتاج مزيد من القنابل النووية، كأداة حاسمة لمد هيمنة الإمبراطورية الأميركية إلى أطراف الكوكب، ومواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي المتصاعد، بينما ينخرط العلماء بلا هوادة، وإلى اليوم، في مؤسسات التصنيع العسكري لتطوير مزيد من الأسلحة الأكثر فتكاً، حتى تبدو معها قنبلة «الولد الصغير» مجرد لعب هواة، وحتى صارت كل مدن العالم هيروشيمات ممكنة.
أي لعنة تلك التي أطلقها على البشر الفرنسي الشرير بيكريل، فكأنها – بحسب أوبنهايمر أحد قادة مشروع مانهاتن – الإله الهندي باهاغافاد جيتا الذي قال: «لقد صرت لكم الموت، ومحطم العوالم»... وهو المشهد نفسه الذي تشكل مع انفجار مرفأ بيروت المأساوي، فبرغم اختلاف الدوافع والأسباب، والتي لا تزال قيد التحقيق، فإن المقارنة فرضت نفسها بقوة الواقع والتاريخ معاً.



الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
TT

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

كلّما انضمّ طبق جديد إلى قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، يكون الأمر بمثابة احتفاءٍ ليس بنكهة الطبق فحسب، بل بمكوّناته وبطريقة تحضيره واستهلاكه وبقيمته الثقافية والمجتمعية. لذلك فإنّ الكُشَري المصري المنضمّ حديثاً إلى قائمة المنظّمة العالمية هو أكثر من مجرّد خليطٍ من المكرونة، والأرز، والعدس، والبصل المقلي، والحمّص، و«الشطّة». فبالنسبة إلى اليونيسكو، ترمز هذه الأكلة الشعبية المصرية الشهيرة إلى مصر بمختلف أطيافها ومناطقها، وقد استحقّت، عن جدارة، دخول القائمة التي تضمّ أكثر من 50 طبقاً تقليدياً من حول العالم.

الكُشَري المصري بخلطته المميزة (بكسلز)

الكُشَري العالمي

الكُشري العابر للمحافظات وحتى للحدود المصرية، سلَكَ طريقه إلى العالمية بفعل ميزاته المتعددة التي جعلته أحد رموز الثقافة المصريّة، يعود إلى نهايات القرن الـ19، وقد جرى تناقله عبر الأجيال. الطبق غير مكلِّف وهو بمتناول الجميع، من ربّات المنازل، مروراً بعربيّات الكشري المنتشرة في أحياء القاهرة، وصولاً إلى المطاعم الفخمة التي أضافته إلى قوائم طعامها.

لكنّ الكُشَري ليس الطبق العربي الأول الذي جرى إدراجه على قائمة اليونيسكو. فما الأطباق العربية التي تحوّلت إلى رموز لبلادها؟

الكُشَري المصري طبق شعبي جامع وعابر للمناطق والمستويات والثقافات (رويترز)

المنقوشة... سفيرة الأكل اللبناني

في كل حيّ من أحياء لبنان، وفي كل زاوية وكل شارع يُطالعُك «فرن مناقيش». وكأنّ المنقوشة من عُمرِ البلد، لا يكتمل الصباح دون رائحتها. المؤكّد أن فطيرة الزعتر المستديرة تلك، تخطّت شهرتها الوطن الصغير ودخلت قائمة اليونيسكو للتراث غير المادي في عام 2023.

شعبيّتها، ورائحتُها الزكيّة، ونكهتُها الشهية، كلّها عناصر منحتها جواز سفر إلى العالمية. وهي مثل الكُشري المصري، تُعَدُّ غذاءً شعبياً غير مكلف، وعابراً للطبقات الاجتماعية. أما الفرق بينهما فهو أن الكُشري يُحضّر داخل المنزل وخارجه، في حين يكاد يقتصر تحضير المنقوشة في لبنان على الأفران. ولبعض تلك الأفران حكايات توارثتها أجيال حفاظاً على تراث المنقوشة.

إضافةً إلى خليط الزعتر والسمّاق والسمسم والزيت المرافق الأشهر لعجينة المنقوشة، تنتشر نكهات أخرى مثل الجبنة، والكشك، واللبنة. وغالباً ما تُضاف الخضر كالطماطم والخيار والنعناع إليها.

المنقوشة اللبنانية نجمة الفطور دخلت قائمة اليونيسكو عام 2023 (الشرق الأوسط)

الهريس... نجم المطبخ الخليجي

في عام 2023 كذلك، انضمّ الهريس الخليجي إلى قائمة اليونيسكو التراثية الثقافية. الطبق المنتشر في عدد من الدول الخليجية؛ وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، جرى اختياره من قِبل المنظّمة العالمية بعد تقييم المعارف، والمهارات، والممارسات المحيطة بإعداده.

والهريس طبق تقليدي يُحضَّر من القمح واللحم والسمن، ويُطهى بكميات كبيرة نظراً للجهد المطلوب في إعداده. يُعدّ جزءاً أساسياً من المناسبات العائلية والأعياد، ورمزاً للضيافة والكرم وتعزيز الروابط الاجتماعية.

تنتقل مهاراته ومعارفه عبر الأجيال، كما يُدرَّس في المؤسسات التعليمية. وقد جرى اختياره؛ ليس لقيمته الغذائية ورمزيّته الوطنية فحسب، بل لأنه جزء أساسي في دعم زراعة القمح.

الهريس... قمح ولحم وسمن وتقاليد متجذّرة في المجتمع الخليجي (ويكيبيديا)

المنسف الأردني... أكثر من أكلة

كل مَن زار الأردن، حتماً لم يغادرها دون أن يتذوّق المَنسف، إنه الطبق الأول في المملكة، ويُعدّ تحضيره تقليداً تراثياً، ما دفع به في عام 2022 إلى قائمة اليونيسكو. ولدى اختياره من قِبل المنظّمة الثقافية العالمية، جرى الأخذ في الحسبان مكانته المركزية في المناسبات بالأردن، وكونه تجسيداً للشعور العميق بالانتماء الاجتماعي. كما أنه يرتبط بنمط الحياة الزراعية الرعوية، حيث تتوفر اللحوم ومنتجات الألبان بكثرة.

ولتحضير المنسف، تُسلق قِطع كبيرة من لحم الضأن أو الماعز مع التوابل في صلصة اللبن، وتُقدَّم مع الأرز، أو أحياناً البرغل، فوق طبقة من الخبز الرقيق. يُعد تحضير المنسف بحد ذاته مناسبة اجتماعية يتخلّلها الغناء وسرد الحكايات.

المنسف أشهر الأطباق الأردنية على الإطلاق (الشرق الأوسط)

الهريسة التونسية

في عام 2022، أضافت اليونيسكو إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي الهريسة التونسية، وهي توابل مصنوعة من معجون الفلفل الحار. تُعَدّ الهريسة جزءاً أساسياً من المؤن المنزلية والتقاليد الغذائية اليومية للمجتمع التونسي. عادةً ما تُحضّرها النساء في أجواء عائلية احتفالية مع الأصدقاء والجيران.

تقضي التقاليد والموروثات بألّا يُزرع الفلفل الخاص بالهريسة، خلال فترات معينة تُعد مشؤومة. أما التحضير فيبدأ بتجفيف الفلفل الحار تحت أشعة الشمس، ثم يُشقّ ويُزال ساقه وبذوره. وبعد ذلك، يُغسل ويُطحن ويُتبّل بالملح والثوم والكزبرة. تُحفظ الهريسة في أوانٍ زجاجية أو فخارية لاستخدامها لاحقاً.

تُنقل المعارف والمهارات المتعلقة بزراعة الفلفل الحار وبصناعة الهريسة بين مجتمعات المزارعين، أو من خلال مدارس ومعاهد الزراعة التونسية.

الهريسة أو معجون الفلفل الأحمر الحار التونسي (بيكساباي)

الكسكس... إرث عابر للأجيال

توضح أمينة اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي أنّ نجوم القائمة ليست الأطباق بحدّ ذاتها، بل الممارسات الثقافية المرتبطة بها والمتوارثة عبر الأجيال، كأساليب الزراعة والتحضير والاستهلاك. وهكذا هي الحال بالنسبة إلى الكسكس، الذي انضمّ إلى القائمة سفيرٍاً للمطابخ: التونسي والمغربي والجزائري في عام 2020.

ووفق اليونيسكو، فإنّ للكسكس طقوسه التي تجعل منه طبقاً فريداً. يبدأ ذلك بزراعة الحبوب، ثم تُطحن البذور للحصول على سميد يُرقّق يدوياً، ويُطهى على البخار، ثم يُسلق. ترتبط هذه الممارسات بمجموعة من الأدوات والأواني الخاصة ذات الصناعة الحِرفيّة. يُقدّم الطبق مع مجموعة متنوعة من الخضراوات واللحوم، وفقاً للمنطقة والموسم والمناسبة. الكسكس طبق غني بالرموز والمعاني والأبعاد الاجتماعية والثقافية، وكلها مرتبطة بالألفة ومشاركة الطعام والترابط.

يُقدَّم الكسكس مع مجموعة متنوعة من الخضراوات واللحوم (بيكساباي)

قهوة وتمر

إلى قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي أضيفت القهوة العربية، وهي رمز من رموز حسن الضيافة والكرَم، وكذلك نخيل التمر وما يتصل به من معارف ومهارات وتقاليد وقيمة غذائية واقتصادية.

الجدير بالذكر أن اليونسكو في طور إعداد أطلس دولي للأغذية، ومنصة رقمية لحماية وتعزيز ونقل تقاليد الغذاء إلى الأجيال المقبلة. يهدف هذا المشروع، المموَّل من المملكة العربية السعودية، إلى إبراز تنوّع ممارسات الغذاء كتراث حي، وربطها بالتنمية المستدامة، ومن المتوقع إطلاقه بحلول نهاية عام 2026.


دراما رمضان المصرية تبرز قضايا نسائية شائكة في «شهر المرأة العالمي»

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
TT

دراما رمضان المصرية تبرز قضايا نسائية شائكة في «شهر المرأة العالمي»

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»

تزامناً مع الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي يوافق 8 مارس (آذار) من كل عام، وشهرها العالمي الذي يواكب هذا الشهر أيضاً، تُبرز دراما رمضان المصرية قضايا نسائية شائكة، تُسلط الضوء على المعاناة التي تواجهها في حياتها، منذ طفولتها وحتى تصبح زوجة وأماً وامرأة تحاول إثبات وجودها في المجتمع، طارحة أزمات مجتمعية قد تدفع بالمرأة لجرائم ترتكبها تحت وطأة ظروف قاسية، ليقتص منها القانون، وتاركة للمُشاهد الحكم في النهاية.

ولفت مسلسل «حكاية نرجس» الأنظار بقضيته المقتبسة من قصة حقيقية لامرأة تعيش بالإسكندرية (شمال مصر)، تؤدي دورها الفنانة ريهام عبد الغفور، بأداء لفت الأنظار من الحلقة الأولى، وحاز إشادات نقدية وإعجاب الجمهور عبر مواقع «السوشيال ميديا»؛ إذ تعاني «نرجس» من عدم القدرة على الإنجاب، ويعيّرها الجميع، بمن فيهم أسرتها وزوجها الذي يتزوج بأخرى، لكنها تتمسك بالانفصال عنه، وحين تتزوج بآخر يحذره زوجها الأول من أنها لا تنجب، وتلجأ لحيلة لإيهام زوجها الثاني بأنها سليمة، وتتحول من القوة إلى الضعف وتخبر أسرة زوجها أنها حامل، ويكون عليها تدبير طفل بأي طريقة، فتنزلق لسلسلة من الأكاذيب والجرائم في محاولة يائسة لتحقيق استقرار تحلم به، لتواجه مصيراً لم تتوقعه. المسلسل فكرة وإخراج سامح علاء، وسيناريو وحوار عمار صبري.

ريهام عبد الغفور لفتت الأنظار في «حكاية نرجس»

وسلط مسلسل «توابع» الضوء على قضايا إنسانية مهمة، مثل قضايا التحرش والعنف ضد المرأة، من خلال بطلته «شهيرة خطاب» التي تؤدي دورها ريهام حجاج، والتي تعمل مؤثرة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وتكتشف مرض طفلها بمرض نادر، وتواجه صراعات نفسية عميقة ترتبط بماضيها. وقدمت الحلقة الأخيرة للمسلسل دعماً للمرأة في مواجهة العنف الأسري والتحرش، من خلال التنويه بالخط الساخن لمكتب شكاوى المرأة للإبلاغ عن أي حالات في الواقع. والعمل من تأليف محمد ناير، وإخراج يحيى إسماعيل.

وفي مسلسل «الست موناليزا» تبددت أوهام بطلته القادمة للقاهرة لأول مرة، أملاً في زواج يحقق لها الاستقرار، لكنها تُصدم من واقع فُرض عليها ويعرضها للسجن، قبل أن تنجح في التصدي لكل هذه المؤامرات وتستعيد نفسها في النهاية.

روجينا وخالد كمال في مسلسل «حد أقصى» (الشركة المتحدة)

كما تناول مسلسل «حد أقصى» أزمة امرأة تتعرض للغدر؛ إذ تنقلب حياة بطلته «صباح» التي أدت دورها الفنانة روجينا، حين تكتشف وجود مبلغ ضخم في حسابها ليزج بها في دهاليز غسل الأموال، في الوقت الذي تفاجأ بغدر الزوج، لتخوض رحلة قاسية لإثبات براءتها والإيقاع بأفراد العصابة.

ويطرح مسلسل «روج أسود» قصصاً مستوحاة من الواقع لنساء يلتقين داخل محكمة الأسرة ويعانين مشكلات في حياتهن الزوجية والعائلية، عبر قضايا متعددة تتجاوز الخيانة والانفصال إلى قضايا اجتماعية أكثر عمقاً. وهو من بطولة رانيا يوسف، ولقاء الخميسي، ومي سليم، وفرح الزاهد، ومن تأليف أيمن سليم، وإخراج محمد عبد الرحمن حماقي.

ريهام حجاج قدمت مسلسل «توابع»

وتلفت الناقدة صفاء الليثي إلى أن الاهتمام بقضايا الطلاق في دراما رمضان لا يركز على الجانب النسوي فحسب، بل يهتم بمنظور الرجل أيضاً، على غرار مسلسلَي «كان ياما كان»، و«أب ولكن»، واللذين يشيران إلى نتائج تدخل الأسر في حياة الأزواج، وتؤكد هذه الأعمال في النهاية أن الطلاق لن يكون في صالح الابنة بشكل خاص، مشيرة إلى أن الأخ كان دوماً سنداً لشقيقته، لكنه يظهر في أكثر من عمل مثل «علي كلاي» و«حد أقصى» و«اتنين غيرنا»، ضد أخته، ويكون أكثر قسوة عليها من الأب نفسه، ولافتة إلى أن «تكرار ظاهرة (الأخ النذل) يؤكد أن بها تلامساً مع الواقع»، وفق تعبيرها.

وتضيف الليثي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «مسلسل (حكاية نرجس) يطرح قضية أكثر قسوة حين تكون المرأة عاقراً؛ إذ يعاملها الجميع كما لو كانت هي المسؤولة عن ذلك، وهو أمر يحدث في مجتمعاتنا الشرقية في الواقع، ويكشف تناقضاً شديداً».

مي عمر في «الست موناليزا»

وتؤكد الكاتبة عزة كامل أن الدراما في السنوات الأخيرة اهتمت بالتركيز على أزمات الاضطهاد والتمييز ضد المرأة وتسلط الرجل، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الدرامي بما يحققه من إمتاع بصري وفني يكون له تأثيره الكبير بشكل أو بآخر على المجتمع، مثلما حدث في فيلمَي «أريد حلاً»، و«جعلوني مجرماً»، واللذين تسببا في تغيير قوانين، وحتى بعيداً عن القوانين يمكنه أن يؤثر في الجمهور نفسه، وفق قولها.

وتشير إلى أن «مسلسل (حكاية نرجس) يطرح قضية شائكة لمجتمع يوصم دائماً المرأة التي لا تنجب، ولا تحصل على قيمتها الاجتماعية إلا إذا أنجبت ولداً، وهذا موجود للأسف في الواقع، ومن المهم أن تتصدى الدراما له».


«اليوم الدولي للمرأة»... فعاليات عالمية تجدد الدعوات لتعزيز المساواة بين النساء والرجال

نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
TT

«اليوم الدولي للمرأة»... فعاليات عالمية تجدد الدعوات لتعزيز المساواة بين النساء والرجال

نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)

يحيي العالم في 8 مارس (آذار) من كل عام اليوم الدولي للمرأة، وهي مناسبة عالمية للاحتفاء بإنجازات النساء في مختلف المجالات، إلى جانب تجديد الدعوات لتعزيز المساواة في الحقوق والفرص.

واعترفت الأمم المتحدة رسمياً بهذه المناسبة عام 1977، لتصبح منذ ذلك الحين محطة سنوية لتسليط الضوء على التقدم الذي أحرزته النساء حول العالم، وكذلك التحديات التي لا تزال قائمة، لا سيما في مجالات العمل والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية.

ويأتي إحياء المناسبة في عام 2026، الذي يصادف مرور 115 عاماً على انطلاقها عالمياً، في وقت تشهد فيه مدن عدة حول العالم فعاليات ومسيرات تطالب بالمساواة في الحقوق وضمان تطبيقها بصورة كاملة.

عرض أزياء تاريخي بعنوان «3 قرون من الموضة» خلال احتفالات اليوم الدولي للمرأة في سان بطرسبورغ بروسيا (إ.ب.أ)

ويُحتفى باليوم الدولي للمرأة هذا العام تحت شعار «الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات»، في دعوة إلى اتخاذ خطوات حاسمة لتفكيك العوائق التي تعرقل تحقيق المساواة، بما في ذلك القوانين التمييزية وضعف الضمانات القانونية والممارسات الاجتماعية التي تنتقص من حقوق النساء والفتيات.

ورغم التقدم الذي تحقق خلال العقود الماضية، تشير بيانات دولية إلى أن النساء حول العالم لا يتمتعن سوى بنحو 64 في المائة من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال، وهو ما يعكس استمرار الفجوات القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

وتشمل هذه الفجوات مجالات أساسية من الحياة اليومية، مثل العمل والموارد المالية والسلامة الشخصية وحقوق الأسرة والملكية وحرية التنقل وممارسة الأعمال والتقاعد.

وفي إطار إحياء هذه المناسبة، شهدت عدة مدن حول العالم فعاليات ومسيرات تطالب بتعزيز حقوق النساء وتحقيق المساواة في الأجور وتوسيع فرص التعليم وضمان العدالة للنساء، إضافة إلى تعزيز مشاركتهن في مواقع صنع القرار، وفق ما أوردته تقارير نشرتها «وكالة أسوشييتد برس».

نساء يرفعن شعارات ولافتات خلال احتجاج بمناسبة اليوم الدولي للمرأة في كراتشي باكستان (إ.ب.أ)

وأفادت الوكالة بأن ناشطين وناشطات تجمعوا في مدينة كراتشي الباكستانية للمطالبة بتعزيز الحماية القانونية للنساء، بينما شهدت إسطنبول التركية مظاهرات رُفعت خلالها شعارات داعمة لحقوق المرأة.

كما أشارت تقارير «أسوشييتد برس» إلى أن إحياء هذه المناسبة اتخذ طابعاً احتفالياً في بعض الدول، حيث جرى تنظيم فعاليات مجتمعية وتقديم الزهور تكريماً لدور النساء في المجتمع.

وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً متزايد الأهمية في تسليط الضوء على هذه المناسبة، إذ تسهم في نشر أخبار الفعاليات والمبادرات حول العالم وتمكّن الحركات النسوية من إيصال رسائلها إلى جمهور أوسع، خصوصاً في البلدان التي تواجه فيها هذه الحركات قيوداً سياسية أو اجتماعية.

وتعود فكرة تخصيص يوم عالمي للاحتفاء بالمرأة إلى بدايات القرن العشرين. ففي عام 1909 طُرحت الفكرة لأول مرة في الولايات المتحدة بمبادرة من الحزب الاشتراكي الأميركي، قبل أن تقترح الناشطة الألمانية كلارا زيتكن تعميمها عالمياً خلال مؤتمر للنساء الاشتراكيات عُقد في كوبنهاغن عام 1910.

وبدأت الاحتفالات بهذه المناسبة في عدد من الدول الأوروبية عام 1911، قبل أن يترسخ موعد الثامن من مارس لاحقاً بعد مظاهرات نسائية في روسيا عام 1917 طالبت بالخبز والسلام خلال الحرب العالمية الأولى.

وخلال العقود اللاحقة تحوَّل اليوم الدولي للمرأة إلى مناسبة عالمية تجمع بين الاحتفاء بالمكتسبات التي تحققت للنساء والدعوة إلى مزيد من التقدم في مجال الحقوق.

ومع استمرار التحديات، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن امرأة أو فتاة تُقتل كل عشر دقائق على يد أحد أفراد الأسرة أو شريك لها، في مؤشر على استمرار ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي في كثير من أنحاء العالم.

وفي حين يواصل العالم إحياء هذه المناسبة سنوياً، يبقى الثامن من مارس فرصة لتجديد النقاش العالمي حول حقوق النساء والتأكيد على أن تحقيق المساواة الكاملة بين النساء والرجال لا يزال هدفاً تسعى إليه المجتمعات في مختلف أنحاء العالم.