انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة

بعد 75 عاماً من إلقاء أول قنبلة ذرية على المدينة

انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة
TT

انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة

انفجار مرفأ بيروت يعيد «هيروشيما» إلى الذاكرة

لم يكن الصوت بعيداً ولا الصدى، ولم يكن مستغرباً أن يصرخ البعض أيضاً مساء الثلاثاء قبل الماضي، عقب انفجار مرفأ بيروت المروع، وهم يلهثون: «إنها هيروشيما». العبارة التي كانت بمثابة كلمة السر حين أعلنها بول تيبيتس، كابتن طائرة «إلـبي - 29» العسكرية الأميركية لطاقمه.
كانت الساعة في المدينة الوادعة التي قطنها حينها نحو 350 ألفاً من البشر تشير إلى الثامنة والربع من صباح السادس من أغسطس (آب) 1945، عندما شاهد بعضهم طائرة فضية تفتح أبوابها لتلقي شيئاً يشبه الباراشوت، قبل أن ينفجر على درجة مليون مئوية، فينتج كرة هائلة من اللهب الأبيض. «الولد الصغير» كما سماه تيبيتس لاحقاً، لم يكن سوى أول قنبلة نووية تستعملها الولايات المتحدة، وزنها أربعة أطنان، بقوة تفجير تعادل 15 ألف طن من الديناميت، وموتاً ساقطاً من السماء أودى على الفور بحياة نصف سكان المدينة، بينما تصاعدت أعداد الضحايا لاحقاً - وعبر الأجيال - بسبب تأثيرات الإشعاع القاتلة التي أصابت الحمض النووي لمن بقي على قيد الحياة.
وبينما آلاف الجثث تطفو على سطح مياه نهر المدينة، كان روبرت لويس، مساعد كابتن الطائرة الأميركية، يدون على دفتر ملاحظات الرحلة، وهو يتأمل من النافذة الغيوم تغلي فوق هيروشيما: «يا إلهي، ما الذي فعلناه!».
ذلك الانفجار الهائل صبيحة يوم هيروشيما المشؤوم، كان كما لحظة تتويج لمسيرة خمسين عاماً من التقدم العلمي المطَّرد الذي تتابعت مجموعة صغيرة نسبياً من العقول اللامعة على مراكمته، واضعة نفسها مع ذلك في مكانة الخادم الأمين لحكم النخب الرأسمالية الغربية، فسلَّمت مفاتيح الطبيعة وأسرارها لقادة لا يرتوون من الدماء وعذابات الناس، وسوَّلت لهم أنفسهم التضحية بأرواح الملايين، سعياً لهيمنة فئة دون أخرى على بشر الكوكب وموارده.
كان حكم موت هيروشيما قد أُبرم في وقت ما منتصف العقد الأخير من القرن التاسع عشر، لحظة الانتقال من قرن «الكيمياء» إلى القرن العشرين الذي سيهمن عليه الفيزيائيون. الخطوة الأولى كانت على يد الفرنسي هنري بيكريل الذي اكتشف أن اليورانيوم عنصر مشع، لتتوالى بعدها الاكتشافات من الفرنسيين ماري كوري وابنتها إيرين وزوج ابنتها فريدريك، إلى الإيطالي أنريكو فيرمي، والألماني ألبرت آينشتاين، والدنماركي نيلز بور، والنيوزلندي إرنيست رذرفورد، وغيرهم. كانت تلك الثلة من الفيزيائيين أشبه ما تكون بعصبة معولمة تجتهد بتفانٍ عجيب لكسر حدود الفكر العلمي يوماً بعد يوم، بتكامل وتوازٍ، وتلتقي دورياً في مؤتمرات علمية وزيارات أكاديمية متبادلة. لكن صعود هتلر وموسيلليني إلى السلطة في بلديهما، ألمانيا وإيطاليا، والأجواء المشحونة بالاستقطاب العرقي والنزعات القومية الشمولية التي سادت البر الأوروبي في عقد ثلاثينات القرن العشرين، دفعت كثيرين من هؤلاء - بينهم كثرة يهودية خشيت موجة العداء المستجد للسامية - إلى مغادرة أوطانهم، وقبول عروض استضافة من البريطانيين والأميركيين. وبالفعل، عبر آينشتاين القنال الإنجليزي بحماية ضابط كبير من البحرية الملكية البريطانية إلى لندن، قبل أن يقبل وظيفة في جامعة «برينستون» على الجانب الآخر من الأطلسي. وكذلك انتقل فيرمي من إيطاليا إلى السويد، خوفاً على زوجته اليهودية من عداء الفاشيست، وبور من الدنمارك إلى الولايات المتحدة، وهكذا.
أحد هؤلاء العلماء المهاجرين إلى الولايات المتحدة، الهنغاري ليو سيزيلار الذي كان على يقين أكثر من بقية علماء جيله بإمكان تطويع الطاقة النووية لبناء قنابل دمار شامل، حاول بكل ما أوتي من قوة التأثير على زملائه لإبقاء أبحاثهم في هذا الإطار سرية، خوفاً من وقوعها في أيدي السياسيين المغامرين. لكن فرديناند زوج ابنة ماري كوري لم يقتنع، ونشر نتائج أبحاث له عن الانشطار النووي في مجلة علمية مفتوحة للعموم، فما كان من سيزيلار إلا أن أقنع آينشتاين في أغسطس 1939 بالكتابة إلى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، لتنبيهه من الأخطار المحتملة جراء تقدم الأبحاث على اليورانيوم المشع، وإمكان توظيفها لإنتاج أسلحة دمار شامل. وبناء على تلك المخاطبة تشكلت أول لجنة حكومية لإدارة اليورانيوم في الولايات المتحدة.
الحكومة البريطانية التي تورطت في حرب عالمية ضد هتلر بعد غزوه بولندا، كانت قد حوَّلت طاقاتها العلمية بالكامل لأغراض التطوير العسكري. وقدَّم اثنان من العلماء المهاجرين إليها (أوتو فريتش، ورودولف بيرلز) ورقة في مارس (آذار) 1940 تصف الأبعاد العلمية لإنتاج قنابل نووية، مع التنبيه من العدد الفلكي للضحايا المدنيين الذي قد تتسبب فيه، واقترحا على حكومة لندن إنتاج قنابل للردع الدفاعي؛ نظراً إلى تسرب معلومات عن تقدم مطَّرد في صنع القنبلة من قبل العلماء النازيين. وقد تلقف ونستون تشرشل – رئيس وزراء بريطانيا وقتها – الفكرة، رغم أنه كان مكتفياً حينها بالقوة النارية للحلفاء، معتبراً أنه «من الضروري ألا نقف حاجزاً في وجه التقدم». أرسل البريطانيون نسخاً من التقرير إلى القيادة الأميركية، لحثها على التعاون في تصنيع أسلحة دمار شامل؛ لكن الأمور تسارعت في الولايات المتحدة لاحقاً، بعد الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور، وقرار واشنطن الانخراط في الحرب إلى جانب الحلفاء؛ إذ تحولت لجنة اليورانيوم المتواضعة عندها لأكبر مشروع هندسي علمي عسكري في تاريخ الغرب – أطلق عليه اسم مانهاتن – رصدت له ميزانية بلغت ملياري دولار، وتضخم بسرعة إلى أكبر قطاع صناعي في الولايات المتحدة، متجاوزاً قطاع صناعة السيارات ومشغلاً أكثر من 130 ألف موظف. وبالفعل نُفذ في 16 يوليو (تموز) 1945 أول تفجير نووي تجريبي بصحراء نيو مكسيكو. «لقد أُنجزت المهمة» كان تعليق بيرلز، وهو يرى الضوء الساطع الناشئ عن الانفجار العظيم.
في 1945 استسلمت ألمانيا؛ لكن اليابان بقيت تقاتل. كانت قوات الاتحاد السوفياتي تتقدم بسرعة هائلة في هجومها على اليابان من الشمال، وذلك خطر استراتيجي أراد الأميركيون تجنبه بأي ثمن، لا سيما بعد تجربة تقسيم برلين، ولذا اعتزموا السيطرة على الجزر الرئيسة في اليابان لأنفسهم. الخبراء العسكريون توقعوا ثمناً باهظاً في الأرواح لمثل هكذا عملية. فاليابانيون كانوا يمتلكون إرادة صلبة للقتال، وربما سيسفر إنهاء مقاومتهم للغزو عن جثث مليون شخص على الأقل من جنود العم سام. لجنة التخطيط العسكرية البريطانية – الأميركية قررت أن كسر إرادة القتال تلك ستحتاج إلى فاجعة سيكولوجية بحجم ثلاث قنابل نووية، تتسبب في كارثة ماحقة ترعب اليابانيين وتدفعهم للخضوع، فحُددت مدن هيروشيما وكيوتو ونيغاتا كأهداف مختارة، قبل أن يقرر وزير الدفاع الأميركي استبعاد كيوتو لأهميتها الثقافية، فاستبدلت بها سيئة الحظ ناكازاكي التي بعد تلقيها قنبلة أشد فاعلية - تعتمد على البولوتونيوم المشع - أعلنت اليابان استسلامها التام للقوات الأميركية.
وبينما شعر بعض الفريق الذي عمل على تنفيذ مذبحتي هيروشيما وناكازاكي بالألم، مما تسببوا فيه للمدنيين – رغم عدم ندمهم على تنفيذ الأوامر العسكرية التي وجهت إليهم كما في حال الكابتن تيبيتس - وادعاء آينشتاين أنه «لم يكن ليساهم في المشروع من حيث المبدأ لو عرف أن الألمان سيستسلمون قبل نجاحهم في تطوير قنبلتهم» فإن مشاهد الموت الجماعي المرعبة لم تثر أي مشاعر في قلوب الساسة الأميركيين المتعاقبين - ولاحقاً في قلوب سياسيين آخرين حلفاء - فانطلقوا في إنتاج مزيد من القنابل النووية، كأداة حاسمة لمد هيمنة الإمبراطورية الأميركية إلى أطراف الكوكب، ومواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي المتصاعد، بينما ينخرط العلماء بلا هوادة، وإلى اليوم، في مؤسسات التصنيع العسكري لتطوير مزيد من الأسلحة الأكثر فتكاً، حتى تبدو معها قنبلة «الولد الصغير» مجرد لعب هواة، وحتى صارت كل مدن العالم هيروشيمات ممكنة.
أي لعنة تلك التي أطلقها على البشر الفرنسي الشرير بيكريل، فكأنها – بحسب أوبنهايمر أحد قادة مشروع مانهاتن – الإله الهندي باهاغافاد جيتا الذي قال: «لقد صرت لكم الموت، ومحطم العوالم»... وهو المشهد نفسه الذي تشكل مع انفجار مرفأ بيروت المأساوي، فبرغم اختلاف الدوافع والأسباب، والتي لا تزال قيد التحقيق، فإن المقارنة فرضت نفسها بقوة الواقع والتاريخ معاً.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.