«منظومة لتسجيل الأفكار» للكُتاب والمبدعين

«منظومة لتسجيل الأفكار» للكُتاب والمبدعين

الوسيلة الفضلى لتحقيق إنتاجية قصوى
الاثنين - 21 ذو الحجة 1441 هـ - 10 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [ 15231]

على مدار 30 عاماً، نشر نيكلاس لوهمن Niklas Luhmann ما يزيد عن 70 كتاباً و400 مقال أكاديمي، محققاً معدل إنتاجية استثنائيا، يشعر آخرين من الكتاب المبدعين مثل سيفن كينغ وجورج آر.آر. مارتن، بالخجل. وكعالم اجتماع، تنوعت اهتمامات لوهمن بين القانون والإعلام، والدين والاقتصاد. ورغم اختلاف وكثرة المواضيع التي عمل عليها، أجمع النقاد على أن هذا الرجل كان يعي دائماً ما يتحدث عنه.


منظومة تسجيل الأفكار

ولكن كيف استطاع لوهمن أن ينجز هذا الكم الهائل من الكتابات، عملاً بعد آخر، بهذه الإنتاجية العالية والثابتة؟ ابتكر لوهمن نظاما، أو منظومة إنتاجية، أسماه «زيتيلكاستن» Zettelkasten والذي يعني «صندوق الملفات» (دفتر ملاحظات) بالإنجليزية. يدعي لوهمن أن أداته «زيتيلكاستن» أصبحت بمثابة شريك «متحدث» يحثه باستمرار على تحقيق إنتاجية أفضل. وبفضل قوة هذه الأداة وبساطتها، تطورت «زيتيلكاستن» لتصبح قادرة على التعامل مع تدفق العمل والمعلومات لأي مبدع محترف أو عاملٍ في مجال المعرفة.

> بطاقات أفكار مفهرسة. يتميز نظام لوهمن الأول بصيغة تناظرية مثل أسطوانات الفونوغراف والكتب المجلدة، ويتألف من بطاقات فهرسة مرقمة، أو ملفات مرتبة في ست خزائن كبيرة. يحتوي كل ملف على فكرة واحدة مكتملة (مبدأ يطلق عليه متابعو لوهمن اسم «الذرية»). قد تكون هذه الفكرة قصيرة لا تتعدى الجملة الواحدة أو طويلة بحجم مقطع، ولكن عليها أن تتسع في مساحة «زيتل» أو ما يعادل نصف ورقة.

لم يعانِ لوهمن يوماً من ما يُعرف بإحباط الكتاب لأنه كان دائماً يملك شيئا يبدأ به عندما ينطلق بمشروع جديد، ولو كان عددا صغيرا من الملاحظات. وبربط هذه الملاحظات الصغيرة مع بعضها البعض، كان ينجح في وضع مخططٍ تمهيدي لأي مشروع قبل أن يبدأ به.

> روابط الأفكار. تلعب الروابط دوراً أساسيا أيضاً. وبنهاية حياته كان لوهمن قد ابتكر 90.000 بطاقة، ومع أن هذا الرقم قد يكون مذهلاً، إلا أن قوة هذا النظام الحقيقية كانت تكمن في الروابط القائمة بين البطاقات والملاحظات لأنها تعزز قيمته، تماماً كما تعمل المشابك العصبية التي تربط خلايا الدماغ ببعضها.


طريقة ربط الأفكار ربط لوهمن أفكاره بطريقتين:

> أولاً، كان يضع لكل بطاقة رقماً فهرسياً مختلفاً، أو عنواناً، باستخدام أرقام وأحرف وعلامات ترقيم وفق تسلسل ترتيبي متفرع. لذا، وبدلاً من ترقيم بطاقاته بالترتيب التقليدي «1. 2. 3. »، كانت البطاقة الأولى في نظام لوهمن تحمل رقم «1»، بينما تحمل البطاقة الثانية رقم «1.1» إذا كانت تتحدث عن الموضوع نفسه. أما البطاقة الثالثة، فتحمل الرقم «1/2»، إلا إذا كانت تستكمل فكرة البطاقة الثانية نفسها، فيصبح ترتيبها «1/1.a» وهكذا دواليك.

ساهم هذا المنطق التفريعي في إنتاج عناوين طويلة ولكن ذات معنى. وهذا يعني أن أي فكرة، مهما كانت قديمة أو جديدة، ستكون دائماً موجودة بالقرب من البطاقات الأخرى التي تتحدث عن نفس الموضوع. (يقدم موقع «ليس رونغ» (LessWrong) توصيفاً ممتازاً لهذا النظام إذا كنتم ترغبون باستخدامه).

>أما الطريقة الثانية في الربط، فكانت تعتمد على روابط المراجع المباشرة. في رأس كل بطاقة، كان لوهمن يدون في العنوان أفكاراً متصلة ولكن مصنفة تحت عناوين أخرى. باتباع هذه الروابط، كان لوهمن يستطيع التنقل بين مجموعة ملاحظاته ورسم روابط جديدة بين الأفكار.

وهكذا كان النظام «يتحدث» إلى لوهمن ويتيح لإبداعه وإنتاجيته بالعمل ليس في دماغه فحسب، بل أيضاً في صناعة حوار بين دماغيه الأول والثاني (أي منظومة تسجيل الأفكار هذه).

من جهته، اعتبر عملاق الإنتاجية المعاصر تياغو فورتي أن «طرق الربط التي تشبه لعبة الحجلة التي ابتكرها لوهمن تشبه الصفحات الإلكترونية إلى حد بعيد».


منظومة بصيغة رقمية

بقيت طريقة «زيتيلكاستن» محصورة بدائرة صغيرة من مهووسي التنظيم المعرفي لما يقارب عقدين من الزمن بعد وفاة لوهمن. ولكن هذا الأمر بدأ يشهد تغييراً بطيئاً منذ عام 2017. عندما نشر سونكي آهرنس كتاباً قصيراً باللغة الإنجليزية عنوانه «كيف تسجل ملاحظات ذكية»How to Take Smart Notes.

اليوم، يحتل هذا الكتاب المركز الثاني في فئة «دراسة المهارات» والمرتبة السابعة في فئة «تنظيم الوقت» على موقع أمازون. وبفضل التعاون الإيجابي على المدونات المتخصصة بالإنتاجية كمدونة فورتي، بدأ نظام «زيتيلكاستن» باكتساب شهرة إلكترونية واسعة، حتى بات محرك غوغل يقدم حوالي 200.000 نتيجة بحث عنه، بالإضافة إلى مئات الفيديوهات التعليمية التي تشرح كيفية العمل به المتوفرة على يوتيوب.

يعتبر «زيتيلكاستن» مرشحاً مناسباً للرقمنة. ومن المتوقع أن تساهم خصائص البحث الدقيق في النص الكامل، والتنظيم غير التراتبي، وإمكانية الحصول على الملاحظات من أي مكان أو جهاز في تعزيز إنتاجية فكرة لوهمن الرائعة والارتقاء بها إلى مستوى جديد.

اليوم، يعمل المختصون على نقل «زيتيلكاستن» إلى العالم الرقمي بثلاث طرق.

> استخدام تطبيق متوافر. يعمل البعض على إدخال هذه الوسيلة إلى التطبيق الذي يستخدمونه عادة في تدوين الملاحظات. إذ يمكنكم مثلاً العثور على الكثير من المقاطع التعليمية حول كيفية استخدام تقنية لوهمن على تطبيقات «إيفرنوت» و«وان نوت» و«نوشن». يفضل البعض هذه المقاربة لأنها تجنبهم مشقة تعلم استخدام برنامج جديد بالإضافة إلى منحهم فرصة البدء ببناء نظام «زيتيلكاستن» الخاص بهم بالاعتماد على ملاحظاتهم الموجودة.

> تجربة تطبيق مطور حسب الطلب. يعمل آخرون على مقاربة مختلفة تعتمد على تطوير تطبيق مخصص لنظام «زيتيلكاستن».

وبرز منها حتى اليوم «زيتلر Zettlr» و«ذا أرشيف The Archive» و«روم Roam» التي تقدم للمستخدم فرصة لرقمنة وتوسيع نظام لوهمن التناظري. ويعتبر تطبيق «ذا أرشيف» أول ثمرات هذه المقاربة، في حين نجح «روم» في جمع عدد كبير من المستخدمين في الأشهر القليلة الأولى من إطلاقه.

ولكن هذه التطبيقات المطورة حسب الطلب تواجه جميعها المخاوف نفسها فيما يتعلق بقاعدة البيانات وملكية صيغ الملفات. لهذا السبب، لجأ البعض إلى اعتماد صيغة رقمية ثالثة من «زيتيلكاستن» تستخدم أنظمة ملفات ونصوصا قديمة.

> لغة «ماركداون» وأنظمة صناعة الملفات. يمكنكم أيضاً بناء نظام «زيتيلكاستن» فعال باستخدام مزود تخزين سحابي كـ«غوغل درايف» أو «دروب بوكس» والاستفادة من 90 في المائة من الخصائص المهمة. في هذه الحالة، لن تحتاجوا إلى صيغة ملاحظات أو قاعدة بيانات مدمجة خاصة، وستتمكنون من تخزين أي نوع من الملفات على المحرك على شكل ملاحظة، سواء كان ملف «وورد» أو PDF أو ملف HTML محمل، أو ملف بلغة «ماركداون» Markdown (لغة رقمية لكتابة الرسائل القصيرة). في حالة غوغل درايف، تتيح لكم ميزة البحث في النظام مسح النصوص الموجودة في صور، ما يعني أنكم ستتمكنون من تدوين الملاحظات على الورقة ومسحها على نظام «زيتيلكاستن».


نصائح اختيار الأدوات

إذا كنتم لم تتوصلوا إلى حل مناسب بعد، يمكنكم أن تبدؤوا بتركيب نظام «زيتيلكاستن» الخاص بكم. أفضل نصيحة: ضعوا خيارات مختلفة، ونموذجاً صغيراً عن الملاحظات، وجربوا التطبيق لاختبار حاجاتكم الأساسية.

> التقاط الفكرة: هل يمكنني البدء بتسجيل ملاحظة جديدة بنقرة واحدة على جهازي؟ تتمتع السرعة بأهمية كبيرة جداً عندما يتعلق الأمر بالتقاط الأفكار في عالمنا الشديد الانشغال.

> الربط: هل يمكنني أن أربط الملاحظات ببعضها بشكل مباشر؟ والأهم، هل يمكنني أن أرى الربط الخلفي؟ أي ليس فقط الملاحظات التي ربطتُها بها الآن، بل أيضاً الملاحظات التي ارتبطت بها سابقاً؟

> الاسترداد: هل يمكنني العثور على ملاحظة بسهولة؟ إذ تصنع عملية البحث فرقاً كبيراً عندما يحتوي نظام «زيتيلكاستن» على 500 ملاحظة أو أكثر. هل تؤمن لكم الأداة التي تفكرون بها بحثاً موثوقاً في نص كامل؟ هل تتيح لكم إجراء عمليات بحث محفوظة؟ أو التعرف على نص في صورة؟

> سهولة النقل: هل يمكنني تصدير البيانات والتركيبة إذا قررتُ الخروج من التطبيق؟

> تجاوز مخازن البيانات. يحتفظ معظم الناس بأفكارهم على مجموعة متنوعة من التطبيقات الرقمية كـ«كيندل للملاحظات»، وأدوات تدوين الملاحظات الإلكترونية، ومستندات «أوفيس»، أو محركات سحابية متعددة. لهذا السبب، قد يفضل المستخدمون العمل مع أدوات يستحضرون فيها البيانات دفعة واحدة إلى «زيتيلكاستن».

في البداية، يجب أن تطرحوا على أنفسكم سؤالاً هاماً وهو ما إذا كان تطبيقكم يستطيع استخدام أداة أتمتة ودمج طرف ثالث كـ«زابيير» (Zapier) لاستيراد جميع البيانات في وقت واحد. يتميز «زابيير» بالقدرة على إرسال المعلومات إلى ومن التطبيقات كـ«إيفرنوت» و«وان نوت».

في حالتي، احتفظ بلائحة قراءة وملخصات كتب في تطبيق «كودا Coda». عندما أدون ملاحظة عن قراءاتي أو اقتباس ما في «زيتيلكاستن» الخاص بي، يمكنني وسم الملاحظة لفتح ملف جديد في غوغل درايف يحفظ لي الملاحظة بالإضافة إلى الروابط والوسوم والمعلومات المكتبية وغيرها من البيانات التي احتفظ بها في «كودا».

وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن أي أداة قد تستخدموها لتقليل العرقلة أثناء نقل الأفكار إلى «زيتيلكاستن» ستساهم في تعزيز فعاليته وإنتاجيتكم.

- «خدمة تريبيون ميديا»


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة