كارثة لبنان تحرّك «التمويل الطارئ» من المؤسسات المالية الدولية

قلق على «التعويضات» بعد فتح الإقراض الصفري الفوائد للعقارات المتضررة

تتفق التقديرات الأولية للخسائر الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت على تعديها عتبة 5 مليارات دولار (إ.ب.أ)
تتفق التقديرات الأولية للخسائر الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت على تعديها عتبة 5 مليارات دولار (إ.ب.أ)
TT

كارثة لبنان تحرّك «التمويل الطارئ» من المؤسسات المالية الدولية

تتفق التقديرات الأولية للخسائر الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت على تعديها عتبة 5 مليارات دولار (إ.ب.أ)
تتفق التقديرات الأولية للخسائر الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت على تعديها عتبة 5 مليارات دولار (إ.ب.أ)

شرعت المؤسسات الاقتصادية والنقدية اللبنانية باتخاذ سلسلة إجراءات عاجلة، بهدف احتواء بعض التداعيات الفورية والأكثر إلحاحاً التي خلفتها فاجعة مرفأ بيروت، بينما سيطول نسبياً وقت إحصاء الخسائر الهائلة التي تعدت نطاق الانفجار، لتشمل التدمير الكلي والجزئي آلاف المنازل ومقرات الشركات والبنوك والفنادق والمطاعم وسواها؛ علماً بأن الاهتمامات تتركز راهناً بحصر الأرقام النهائية لأعداد الضحايا ومتابعة شؤون الجرحى واحتياجات القطاع الصحي، إضافة إلى مسألة الأمن الغذائي.
ولا تزال صدمة الانفجار الهائل الذي تعدت اصداؤه حدود البلاد تكشف توالياً عن النتائج الكارثية، حيث يُقدّر اقتصاديون وخبراء بأن حجم الخسائر الفعلية المباشرة والمرتقبة في المدى القريب سيفوق أي تصورات حالية، وربما تتعدى ثلث الناتج المحلي الذي كان يرجح أن يواصل تقلصه بنسبة تربو على 13 في المائة هذا العام، قبل حدوث الانفجار الهائل. بينما الثابت أن قدرات لبنان تنوء عن حمل أي إنفاق إغاثي وإنقاذي في ظل أزمته المالية العاتية التي قدرتها الحكومة بنحو 241 تريليون ليرة، أو ما يقارب 68 مليار دولار.
وتتفق التقديرات الأولية للخسائر على تعديها عتبة 5 مليارات دولار بالحد الأدنى، مع قابلية مرجحة لتضاعفها بعد إنجاز المسوحات ضمن دوائر تمدد الأضرار إلى عدة كيلومترات خارج مركز الانفجار. والمؤكد من هذه الخسائر يناهز المليار دولار في الموقع ذاته، وهو موزع على الأرصفة والمعدات والأبنية والمخزون في المستوعبات، وملياراً آخر في مؤسسات القطاع السياحي والفندقي. ويضاف إليها نحو 3 مليارات دولار كأضرار لحقت بما لا يقل عن 30 ألف شقة سكنية ومفروشاتها، ونحو 5 آلاف محل تجاري بمحتوياتها من البضائع المختلفة وآلاف السيارات ومئات من المؤسسات العامة والخاصة والمستشفيات؛ فضلاً عن المردود التشغيلي الماضي للمرفأ للأشهر المقبلة ولقطاعات الإنتاج والأعمال... بينما ستكون المعونة الخارجية مقتصرة (حتى إشعار آخر) على «الغوث» الصحي والاجتماعي والتربوي والإيوائي، في ظل الظروف الكارثية السائدة.
ويُقدّر مسؤول مالي كبير لـ«الشرق الأوسط» أن المفاوضات التي كانت جارية مع خبراء «صندوق النقد الدولي» بهدف الحصول على برنامج دعم مالي لإنقاذ الاقتصاد من أزمته السابقة، ستتحول تلقائياً إلى التفاعل مع الحدث الجلل المستجد، ويمكن أن تسرع التوصل إلى قرار دولي بتقديم دعم مالي طارئ خارج نطاق المفاوضات التي كادت تصل إلى التعثر، بسبب النزاعات الداخلية والتباعد الكبير بين خطط الحكومة وتقديراتها وتوصيفاتها، وبين نظيراتها في القطاع المالي المؤلف خصوصاً من البنك المركزي والجهاز المصرفي.
ولاحظ المسؤول أن المواقف الإقليمية والدولية المتعاطفة مع لبنان تعدت «مؤقتاً» التقييم السلبي السابق بحق الإدارة الرسمية وتنصلها من التزام أي إصلاحات جدية لحفز المعونات الخارجية التي تحتاج إليها البلاد. ويقع في السياق إعلان «مجموعة البنك الدولي» إنها مستعدة لإجراء تقييم لأضرار وحاجات لبنان بعد الانفجار الذي دمر مرفأ بيروت، والعمل مع شركاء لبنان لتعبئة تمويل عام وخاص لإعادة الإعمار والتعافي، واستعداده أيضاً لإعادة برمجة الموارد الحالية واستكشاف تمويل إضافي لدعم إعادة بناء الحياة ومصادر الرزق للناس الذين تأثروا بهذه الكارثة.
وتلقف الفريق الرسمي المفاوض والأوساط المالية والمصرفية بارتياح حَذِر إشارة مديرة «صندوق النقد الدولي»، كريستالينا غورغييفا، إلى أن «الصندوق يستطلع جميع السبل الممكنة لدعم الشعب اللبناني عقب الانفجار المروّع في مرفأ بيروت يوم الثلاثاء». وتأكيدها بأنّه «من الضروري كسر الجمود في المناقشات المتعلّقة بالإصلاحات اللازمة ووضع برنامج جاد لإنقاذ الاقتصاد من عثرته وإرساء أسس المساءلة والثقة في مستقبل البلاد، وتخطي العقبات في المحادثات حول إصلاحات أساسية، ووضع برنامج جدي لإنعاش الاقتصاد».
وفي مساعي الاحتواء العاجل، سارع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى إلغاء تعميم سابق له، وطلب من شركات الأموال غير المصرفية تسليم التحويلات الخارجية الواردة إلى المواطنين بالعملة الأجنبية والتوقف عن صرفها بالليرة. وهو الإجراء الذي كان يحرم المستفيدين من نصف القيمة الفعلية للتحويلات التي تناهز 5 ملايين دولار يومياً. كما أوعز سلامة للمصارف بأن تمنح قروضاً استثنائية بالدولار الأميركي صفرية الفائدة لصالح المتضررين من الانفجار، وإعفاء المصارف طيلة مدة القروض، أي لغاية 5 سنوات من تكوين مؤونات مقابلة، وبما يشمل الأفراد والمؤسسات الفردية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات (باستثناء شركات التطوير العقاري) وذلك بغية ترميم منازلهم ومقراتهم.
وقد أثارت آليات التمويل التي أعلنها «المركزي» ردود فعل سلبية للغاية في أوساط المتضررين؛ كونها تحمّلهم التكلفة عن طريق الاقتراض، في ظل ظروف معيشية صعبة أصلاً، وتقلّص في القدرات الشرائية بالليرة، والضربات المتتالية التي تعرض لها العاملون في القطاع الخاص. وبرزت بوادر موجة اعتراضية واسعة للحؤول دون استخدام هذه القناة التمويلية كذريعة بديلة لتنصل الدولة من مسؤولياتها في التعويضات المحقة للمتضررين كافة، وتبرير ذلك بالعجوزات القائمة أصلاً في الموازنة العامة والتقلص الحاد في موارد الخزينة. فضلاً عن تواصل «تسويق» نظرية الحصار المالي الخارجي.
وبرز في ردود الفعل «ذهول» رئيس اتحاد المؤسسات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر في التعليق على التعميم، مؤكداً أنه «مرفوض منا شكلاً ومضموناً، وبحال شمل الفنادق والمؤسسات الفندقية أم لا، إذ أننا أولاً نرفض ترميم مؤسساتنا على حسابنا، ولو كانت الفوائد صفراً، قبل أن يتبين التحقيق ومسؤولية الدولة بأكملها مجتمعة، حتى لو كانت مسؤولية موظف أو إدارة بالدولة، في كلتا الحالتين تقع المسؤولية على الدولة».
وأضاف: «ما هذه المهزلة؟ عندما ناشدنا وطالبنا الدولة إقراضنا بفائدة صفر في المائة، كان لا حياة لمن تنادي، ولم تتجاوب وكيف استطعتم الآن؟! وأين ستذهب أموال الدول المانحة التي أبدت استعدادها للمساعدة؟ أم جئتم تقرضوننا إياها؟ لا نستطيع الاستدانة بعد الآن، علماً بأن المصارف كانت متعثرة، فكيف تستطيع إقراضنا الآن أم تريدون الاستيلاء على أملاكنا؟».
لكن مصادر معنية في «البنك المركزي» أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن فتح قناة التمويل بالدولار للمتضررين يهدف حصراً إلى مدهم بالسيولة الفورية للايواء وإصلاح المنازل والمقرات المهدمة جزئياً أو كلياً. أما قنوات التعويضات وحصرها وتقديراتها، فهي منوطة بالهيئة العليا للإغاثة وسائر المؤسسات الحكومية المعنية... والتعويض حق مشروع لكل متضرر، ويمكن لمن يشاء انتظار صرفه أو الاعتماد سريعاً على الإقراض الصفري الفوائد والأعباء، وتسديده لاحقاً بعد الحصول على التعويض.
بدورها، أكدت جمعية المصارف أنه ورغم الخراب والدمار اللذين حلّا بعدد كبير من مقــرّات المصارف وفروعها ضمن الدائرة الجغرافية التي تأثّرت بمفاعيل الانفجار، فهي ستواصل فتح فروعها في جميع الأراضي اللبنانية لتلبية حاجات زبائنها وإمدادهم بالسيولة في هذه الظروف الأليمة. كما أنها بصدد دراسة آليات معينة لمساندة موظفيها وزبائنها الذين تضررت مساكنهم ومحلاتهم أو مؤسساتهم جراء هذا الانفجار، وستتعاون مع «مصرف لبنان» في مساعدة المتضررين على إعادة إعمار مساكنهم ومؤسساتهم.
وبالتوازي مع تحفيز التمويل والمعونة الفنية، أعلن رئيس جمعيّة شركات الضمان إيلي طربيه أن «الشركات تتريث في اتّخاذ القرار بشأن تغطية الأضرار الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت والتعويض على المتضررين، في انتظار انتهاء التحقيقات الرسمية وصدور التقرير النهائي من الجهات المعنيّة، على أن يُتّخذ القرار النهائي في مسألة التعويضات على المؤمَّنين استناداً إلى المعطيات التي ترِد في التقرير النهائي».
ولفت إلى أنّ «تغطية الأضرار تختلف وفقاً لمضمون عقد البوليصة، فقد تستثني بوليصة معينة أي ضرر ناتج من انفجار له علاقة بـ(النيترات)، بينما تغطّي بوليصة أخرى أي ضرر ناجم عن انفجار مهما كان نوعه».



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.