أبدت أوساط الوفد الحكومي اللبناني إلى باريس «ارتياحا تاما» لما حصل أثناء زيارة الأيام الثلاثة لرئيس الوزراء تمام سلام والوفد الحكومي المرافق وللاستجابة الفرنسية التامة، إن من قِبَل مجلسي النواب والشيوخ أو من قبل رئيس الجمهورية والوزراء. وفي عملية تقويم معمقة لما جرى خلال الزيارة، قالت مصادر الوفد إن الجانب الفرنسي كان «كامل التجاوب» بالنسبة للمحاور الثلاثة التي دارت عليها محادثات باريس وهي تباعا: المحور الأمني العسكري، والمحور السياسي، وأخيرا المحور الإنساني الاقتصادي.
في المحور الأول، أبدت باريس رغبة في تعجيل البدء بتسليم لبنان الأسلحة المتفق عليها في إطار الهبة السعودية التي أعلن عنها العاهل السعودي قبل عام بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس هولاند إلى الرياض. وبعد الانتهاء من الشكليات الأخيرة، سيبدأ تنفيذ العقد المقرر لـ45 شهرا. وبحسب مصادر واسعة الاطلاع تحدثت إليها «الشرق الأوسط» فإن آخر ما سيتسلمه لبنان هو المروحيات. ويعود التأخير لضرورات التصنيع فيما خص المروحيات، ولكن أيضا الزوارق البحرية التي سيحصل عليها الجيش اللبناني على أن تكون بوادر التسليم أوائل شهر فبراير (شباط) القادم. وأفادت المصادر اللبنانية أن رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان إليزابيث غيغو طلبت من الرئيس سلام أن يطلعها على تطور تنفيذ العقد وأن يعلمها عما إذا كان لبنان بحاجة لأن يقوم البرلمان بالضغط من أجل تلبية الحاجات اللبنانية. كذلك، عمدت غيغو إلى تشكيل لجنة خاصة من نواب اليسار واليمين برئاسة النائب اليميني أكسل بونياتوفسكي للقيام بدرس معمق للحاجات اللبنانية على كل الأصعدة. كذلك حظي لبنان بتفهم ودعم اليمين واليسار في مجلسي الشيوخ والنواب إلى درجة أن مسؤولا لبنانيا قال لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان «جمع الأضداد وحقق وحدة اليمين واليسار».
أما في المحور السياسي، فقد حظي الرئيس سلام بدعم فرنسي على أعلى مستوى للنهج الذي يسلكه في إدارة الشؤون اللبنانية وحرصه على المحافظة على وحدة الحكومة رغم الانقسامات الداخلية والصعاب الجمة التي يواجهها على رأس الحكومة وفي ظل الفراغ الرئاسي. وأفادت هذه الأوساط أن الرئيس هولاند قال لسلام إن «أية سياسة أخرى ما كانت لتحافظ على لبنان»، مجددا تمسكه بوحدة واستقرار واستقلال لبنان. بالمقابل، عرض سلام الصعوبات اليومية التي يواجهها في إدارة الدفة الحكومية. وإزاء التساؤلات النيابية الفرنسية «المشروعة» بصدد الفراغ الرئاسي، حرص سلام على استباقها بالتأكيد على الحاجة لرئيس للجمهورية لأنه بمثابة «الرأس في الجسم» ومن دونه «لا تستقيم الديمقراطية». وقال أمام أعضاء لجنة الشؤون الخارجية: «الانتخاب ليس واجبا دستوريا فقط، بل عنصرا للمحافظة على التوازن والعيش المشترك والميثاق الوطني». وشددت المصادر اللبنانية على «رمزية» المعاملة البروتوكولية التي حظي بها سلام، وعلى تمسك فرنسا ورغبتها في مد اليد للبنان، الأمر الذي تعكسه كذلك مهمة مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جان فرنسوا جيرو في لبنان وعدد من بلدان المنطقة.
تتوقف المصادر اللبنانية طويلا عند شخصية جيرو، السفير السابق في العراق وسوريا وأحد أكثر المطلعين على دقائق الوضع الشرق أوسطي وعلى الوضع في إيران، كما أنها تشير إلى الثقة التي يحظى بها من الرئيس هولاند ومن وزير الخارجية لوران فابيوس. وتعتبر هذه المصادر أن التحرك الفرنسي الذي يقوم به جيرو انطلق من «وعي متزايد من أن استمرار الفراغ الرئاسي» بدأ يشكل خطرا كبيرا على لبنان وعلى قدرة الطبقة السياسية اللبنانية على الاستمرار في إدارة الأزمة. بالإضافة إلى ذلك، أخذت باريس تنظر بقلق إلى تبعات الفراغ على موقع المسيحيين في تركيبة الدولة وتأثير ذلك على المنطقة بأسرها وأخيرا لوصولها لقناعة بأن اللبنانيين «لن يستطيعوا بأنفسهم» الخروج من الطريق المسدود وانتخاب الرئيس العتيد.
انطلاقا من هذه الحالة، عادت باريس، كما تقول المصادر اللبنانية، «تستكشف» إمكانيات التحرك مركزة على العواصم المؤثرة إقليميا ومتسلحة بدعم أوروبي وأميركي وفاتيكاني. فالوزير فابيوس تناول الملف اللبناني مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في اجتماع ضمهما في باريس وجيرو ذهب في زيارة «استكشافية» إلى طهران، حيث فهم أن هناك «نافذة للتحرك» وبادرة «انفتاح إيراني»، مما شجع الدبلوماسية الفرنسية على إطلاق جولة مشاورات واسعة لبنانيا وإقليميا. وتسعى فرنسا لـ«سحب المسألة اللبنانية من سلة المشكلات الشرق أوسطية» التي يدور خلاف بشأنها بين الأطراف الإقليمية والدولية والتشديد على أن الانتخابات الرئاسية يمكن أن تكون الضامن للاستقرار في لبنان، وقد تكون أقل المشكلات خلافية في الداخل اللبناني وبالتالي باب للولوج إلى المسائل الأخرى. وخلاصة الأمر، وفق مصادر لبنانية وفرنسية، أن باريس «أقدمت» لأنها وجدت أن هناك فرصة سانحة، ولأنها تلقت قبولا أميركيا وبعضهم يقول «وكالة» ودعما أوروبيا أقله من الدول التي تهتم بالمصير اللبناني.
لكن ما زالت في هذا المشهد «منطقة ظل» تتناول الحالة الإيرانية. والتساؤل الذي يتردد على ألسنة دبلوماسيين في العاصمة الفرنسية يدور حول «هوية» الأطراف الإيرانية التي رأت باريس في موقفها «انفتاحا» لتسوية الاختلاف الرئاسي وربما وعدا بالتأثير على الأطراف الداخلية وتحديدا حزب الله لتسهيل الانتخاب. وكما في حالة إيران، تسعى الدبلوماسية الفرنسية لدفع الأطراف المؤثرة إقليميا على «تليين» مواقف حلفائها المحليين الذين جال عليهم جيرو في بيروت الواحد بعد الآخر. وفي الأيام القليلة القادمة سيحمل مجددا عصا الترحال وينتقل إلى الرياض وطهران ثم إلى الفاتيكان وربما إلى عواصم أخرى عساه يعثر على الكلمة السحرية التي تخرج لبنان من النفق المظلم وتعيد للبنانيين أملا فقدوه منذ شهور.
أخيرا وفي الملف الإنساني - الاقتصادي وتحديدا لمواجهة أعباء الوجود السوري في لبنان، قررت باريس وفير منحة مالية جديدة للبنان والعمل على تمويل مشروعات إنسانية قدمها الوفد اللبناني فضلا عن العمل مع الأطراف الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية لزيادة مساعداتها للبنان في إطار الصندوق الائتماني أو في إطار تمويل المشاريع المرتبطة مباشرة بتحمل أعباء مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى لبنان.
11:42 دقيقه
باريس تريد سحب المسألة اللبنانية من «سلة المشكلات» الشرق أوسطية
https://aawsat.com/home/article/243131/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%B3%D8%AD%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%C2%AB%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D8%A7%D8%AA%C2%BB-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9
باريس تريد سحب المسألة اللبنانية من «سلة المشكلات» الشرق أوسطية
مصادر واسعة الاطلاع تكشف تفاصيل ولادة المبادرة الفرنسية من أجل لبنان
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
باريس تريد سحب المسألة اللبنانية من «سلة المشكلات» الشرق أوسطية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة













