لا مكان آمناً في بغداد إلا مقابرها

في ضيافة الشيخ معروف الكرخي

قبر زمرد خاتون من الداخل
قبر زمرد خاتون من الداخل
TT

لا مكان آمناً في بغداد إلا مقابرها

قبر زمرد خاتون من الداخل
قبر زمرد خاتون من الداخل

وصلني قبل أيام قليلة خبر وفاة خالي سعدون، ومن دون أن يوصي بأي شيء قبل رحيله، عرف أفراد أسرته وأقاربه ما هي أمنيته: أن يُدفن في تلك البقعة الصغيرة التي بنى دكة صغيرة عليها تقع بين قبر ابنه البكر الذي قُتل غدراً قبل عقد تقريباً، وأخته الكبرى التي غادرت الحياة في أشهر الحرب الأخيرة مع إيران.
أشك أن خالي يعرف أي شيء عن معروف الكرخي أكثر من كونه وجهاً بارزاً ارتبطت المقبرة، التي تضم عظام أقاربه، باسمه، أو قد يكون صاحب الأرض نفسها، فهو لم يقرأ في حياته كتاباً، ولم يُشغل ذهنه بفكرة خارج حاجاته الأولية، وتجاوزَها قليلاً إلى إشباع متع حسية كان يتنافس فيها مع أبنائه الذكور ويُشركهم فيها، وتظل مادة أولية لأحاديثه في سنواته الأخيرة، مع تكالب الأمراض على جسده.
كل ما يعرفه أن أقاربه من جهة الأم امتلكوا حقاً بالأقدمية للإقامة الدائمة في هذا المربع الصغير الذي لا يزيد عن 100 متر مربع من مقبرة الشيخ معروف؛ النساء جلبن أزواجهن معهن والرجال جلبوا نساءهم معهم.
ومع اختناق المقبرة تماماً بساكنيها بعد كل الحروب التي استهلكت ماكينتها دماء أعداد كبيرة من سكان بغداد (حالهم حال الجميع في شتى أنحاء العراق)، أصبح ممكناً فقط للمقيمين القدامى استقبال أبنائهم وأحفادهم ليخففوا عنهم وحشة الوحدة.
حين كان خالي سعدون يحضر خلال السنتين الأخيرتين إلى المقبرة قبل حلول فجر أول أيام العيد، كان يرافقه جيل جديد من الشباب الذين هم أبناء أخوته وأخواته وأحفاد خالاته. ومن الدكة التي أصبحت ملكيته الوحيدة (دون طابو) في هذا المكان الموحش المترب، الخالي من أي أثر للأشجار، يستطيع أن يحدد هوية كل قبر حال إشعال الزوار الشموع حول ذويهم الراحلين. فعلى بعد أمتار قليلة عنه ترقد أمه التي دُفن جثمانها فوق رفات أبيها، السيد حسن، المعروف باتباعه إحدى الطرق الصوفية المولعة بإقامة الذكر، غير أن الشاهدة التي بجانب ذلك القبر لا تحمل سوى اسم جدتي التي ترملت وهي في سن الأربعين، ولم تعرف من سنوات حياتها الباقية سوى مسؤولية أبنائها الستة. ولعل هذه الحالة هي القاعدة، فالسيد حسن نفسه يقيم فوق رفات أبيه أو أمه، وهلم جرا.
لا أظن أن خالي سعدون سمع بأبيات المعري التي كأنها تصف ما كان يجري خلال عقود وقرون من حياة هذه البقعة الواقعة في صوب الكرخ:
ربَّ لحدٍ قد صار قبراً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين في طويل الأزمان والآباد
ينتابني شعور قوي بأن خالي كان يؤمن (وقد يكون لا شعورياً)، بشكل ما من أشكال الأنيمية، فالموتى يبقون أحياء بشكل آخر، في قبورهم، ولذلك هو لا يجد حرجاً أن يشعر بالألفة حين يسلّم على أخوته وأبناء خالاته ويتبادل الطرائف عما فعلوه خلال حياتهم. لعل الخيط الفاصل بين الحياة والموت بالنسبة له ليس سوى في الشكل فقط، أما مضمونهما فواحد، وقد يكون ذلك وراء مخاطراته الكثيرة وجرأته ونزقه التي كانت تضعه من وقت إلى آخر أمام احتمال موته.
في اليوم الذي أعقب مقتل ابنه، اتصل بي هاتفياً، ليخبرني بالفجيعة، ولعلي كنت تحت الصدمة أكثر منه، إذ سمعت تسجيلاً لقراءة سورة «ياسين» يتسلل عبر الهاتف، لكنه انتقل في مكالمته إلى مواضيع عادية أخرى لا صلة لها بما كان يجري في بيته آنذاك.
هذه اللامبالاة أمام الموت جعلته يخوض سلسلة عمليات جراحية خطيرة، لكنه ظل يمر من واحدة إلى أخرى بسلام، فيعود إلى أرجيلته وحكاياته الممتعة عما جرى له خلال سنوات حياته، بعد إعادة ترتيبها وجعلها مسلية لضيوفه، لكنه هذه المرة وبامتلاء مستشفيات بغداد بالمصابين بفيروس كورونا، ما كان بالإمكان أن يحصل مثل المرات السابقة على أي من العناية الصحية.
لا أظن أن خالي يعرف أن معروف الكرخي توفي عام 815 ميلادية، وأن ضريحه أصبح جزءاً من مسجد بناه الخليفة العباسي الناصر لدين الله سنة 1225 ميلادية، وأعيد تجديده مراراً، فهو من أوائل رواد التصوف البغدادي، وأصبح قطباً بعد وفاة شيخه، داود الطائي.
يذكر المؤرخون أنه ذات مرة كان جالساً على نهر دجلة، فمر زورق يحمل عدداً من الشباب الذين كانوا يغنون ويمرحون، فطلب أصحابه أن يدعو عليهم فرفع يديه إلى السماء، وقال: «إلهي وسيدي، كما فرّحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة!»، فقال له أصحابه «إنما قلنا لك: ادع عليهم»، فقال «إذا فرَّحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا، ولم يُضركم شيء». ولو أنني أخبرته بهذه الحكاية لقال ضاحكا: أنا كنت في ذلك الزورق.
عندما توفي معروف الكرخي دُفن في هذه المقبرة التي كانت تحمل اسما آخر: الشوينزية أو باب الدير العتيقة، لكن مع مرور الوقت ولتبجيل الناس لهذا الولي أخذت المقبرة اسمه، وهذه حال أكثر المقابر في بغداد، لكل منها شيخ جليل يحمي سكانها.
لكن مقبرة الشيخ معروف، ضمت إليها رفات فقيه ومتصوف كبير آخر ما زال أتباعه منتشرين في العالم الإسلامي، وما زالت كتبه العديدة متداولة؛ إنه الشيخ الجنيد البغدادي المتوفى عام 910 ميلادية، والذي يعتبر من أكثر المتصوفة المسلمين الذين أقاموا صرحهم الفكري على القرآن والسنة النبوية، وهذا ما جعله موضع تقدير كل الملل المحافظة منها والمتحررة.
هنا في هذه الزاوية المنسية من بغداد أقيم مسجد فوق ضريحه، تبلغ مساحته 2500 متر مربع، ويتسع لمائة مصل، وتقام فيه صلاة الجمعة وصلاة العيدين والصلوات الخمس. إذن فأنت الآن لست في صحبة أخوتك وأخواتك وابنك القتيل وأبناء خالاتك فحسب، بل في صحبة شيخين جليلين يخففان بمسجديهما اللذين يقفان فوق أعلى نقطة في المقبرة وحشة المكان وسكونه.
كم تبدو هذه المقبرة من الأماكن القليلة التي لم يلحقها الخراب، لا على يد الغزاة، ولا على يد الحكام المحليين الذي دمروا كل ما يمت بصلة لهذه المدينة التي أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ببنائها عاصمة له عام 762 ميلادية. في أول الأمر، اختيرت ضفة الكرخ الواقعة إلى غرب نهر دجلة عاصمة لهذه الدولة الناشئة، فبني سور حولها ثم تدريجياً امتد البناء إلى الجانب الشرقي للنهر: صوب الرصافة.
وكأنه من تلك النقطة الزمنية البعيدة، رمى أبو جعفر المنصور عبر اختيار موقع عاصمته حزمة من الأقدار المخبأة لأجيال، ترجّعت أصداؤها عام 1991، حين تعرضت بغداد لقصف جوي، مدة أربعين يوماً، وخلالها تجاوزت القنابل التي أُسقِطَت عليها ما أُسقِط خلال الحرب العالمية الثانية.
لا بد أن خالي سعدون أحبّ تلك المنارة المقرنصة الغريبة في معمارها التي تضم في قبوها ضريح زمرد خاتون أم الخليفة العباسي الرابع والثلاثين الناصر لدين الله، فهي جمعت المال من أوقاف المدارس القائمة آنذاك وبنت قبل وفاتها عام 1202 ميلادية، هذا الصرح الرائع بالقرب من مسجد معروف الكرخي.
هل حققت زمرد خاتون الخلود لنفسها عبر هذا المعلم أم خلود هذه المقبرة؟ لا بد أن من يراه اليوم دون معرفة لتاريخه سيشك بأن هناك فعلاً فاصلة زمنية لا تقاس بالسنين أو العقود، بل تتجاوز الألف سنة بين تاريخ اكتماله ويومنا الحالي.
كم يُشبه سكان ذلك المربع الصغير في مقبرة الشيخ معروف، بنزواتهم وغضبهم وحبهم وأحلامهم، مدينتهم التي عاشوا هم وأسلافهم فيها عبر القرون.
فهذه المدينة جمعت كل التناقضات في حناياها: في طقسها وقسوتها وحنانها وأفراحها وأحزانها.
هل هم مراياها أم هي مرآتهم؟ أقلّب أمامي صور بعضهم في مراحل مختلفة من حياتهم: وهم أطفال يحملون لعبهم الصغيرة، وهم صبية، وهم شباب، ووراء كل صورة هناك حكايات تتردد أصداؤها في رؤوس أبنائهم اليوم، وكأن الحياة تعود في دوراتها عبرهم، وبفضل هذه الجذور يبقى معروف الكرخي والجنيد البغدادي حاملَين في تلك البقعة المنسية مفتاح الباب الموصل للفردوس. كم هم محظوظون سكان مقبرة الشيخ معروف. كأنها المكان الوحيد الذي ظل آمناً من الدمار في بغداد، جنباً إلى جنب، مع مقابرها الأخرى على طرفي نهر دجلة المتلوي والمتباطئ في اندفاعه صوب البحر.
- روائي ومترجم مقيم في لندن



غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».