باشلار... من «جماليات المكان» إلى «شعرية النار»

باشلار... من «جماليات المكان» إلى «شعرية النار»

جعل الشعر أسمى من الفلسفة والتاريخ
الأربعاء - 8 ذو الحجة 1441 هـ - 29 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15219]
القاهرة: رشا أحمد

للنار في الشعر العربي حضور لافت، يكاد يشكل وثيقة فنية وجمالية مدهشة، محملة بدلالات متنوعة، خصوصاً في تراث الشعراء القدامى، فتارة نجدها رمزاً للحرب وتارة أخرى نجدها تعبيراً عن المشاعر الملتهبة، بينما تظهر في سياقات أخرى، وكأنها قوى خرافية تتسم بالهيمنة والغموض.
ولم يقتصر حضور النار ورمزيتها على الشعر الجاهلي فقط، لكنه امتد على مدار عصور متعاقبة للشعر العربي. لكن ماذا عن حضور النار في الشعر الغربي؟ وكيف تناولها الشعراء، وجعلوا منها أيقونة للخيال والمجاز، وما علاقة كل ذلك بأساطير مأخوذة من التراث العربي مثل طائري العنقاء والرخ؟
هذا الأسئلة، وما يرشح عنها من أفكار ورؤى، يتناولها كتاب «شذرات من شعرية النار» للفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار، الصادر في القاهرة عن «المركز القومي للترجمة» بترجمة جديدة للشاعر والباحث محمد سيف.
يمهد المترجم بتعريف مقتضب عن باشلار، مشيراً إلى أنه يعد واحداً من أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين، وأكثرهم حداثة، لكن المدهش أنه كرس جزءاً كبيراً من حياته لوضع تصوراته الجمالية عن الشعر وتوظيف الشعراء الغربيين لرموز وأساطير مختلفة. يأتي ذلك من منطلق محبة باشلار للشعر ورد الاعتبار إليه حتى أنه وضعه هو والفيلسوف الألماني مارتن هيدجر في مرتبة أسمى من التاريخ والفلسفة باعتباره «مخلوقاً لا يدرك إلا من خلال عملية الخلق».
ويذكر المترجم أن العديد من المساهمات المبتكرة لباشلار في مجال جدلية المعرفة الإنسانية «الإبستمولوجيا» تمثل إنجازاً لا يمكن تجاوزه، بل ترك آثاره واضحة في فلسفة معاصريه ومن جاء بعده، خصوصاً من الفلاسفة الفرنسيين، ومنهم فوكو ولويس ألتوسير ودومينيك وليكور وجاك دريدا، بالإضافة إلى عالم الاجتماع بيير بورديو.
ويذهب سيف إلى أن الموضوع الرئيسي عند باشلار أصبح في الجزء الثاني من حياته، هو التخيل أو عمل المخيلة، بعد أن كان العقل، فسعى إلى القيام بدراسة فلسفية شاملة للإبداع الشعري، مستسلماً لدافع كبير للتواصل مع القوى التي تخلق المعرفة لا التي تحصلها، والمجال الوحيد الذي يأمل أن يرى فيه تلك القوى وهي تعمل. من هنا وضع عدة مؤلفات تحمل أفكاره ومناهجه، سعياً للوصول إلى هذا المجال، ومنها «شذرات من شعرية النار»، حيث يبرهن في هذا الكتاب على أن الخيال، والمتخيل والتأمل الشارد تتمثل «جذر القوة الفعالة»، واللاعقلاني يمكن أن يكون بمثابة أساس لما هو عقلاني.
من ثم، يدعو باشلار إلى إعادة النظر في عناصر الواقع، أي الأرض والهواء والماء والنار. وتوضح ابنته سوزان في تقديمها للكتاب أنه في أعقاب نشر كتاب «جماليات المكان»، وتسليمه للناشر، ثم الانتهاء من مخطوطة كتابه «شعرية الهاجس»، شرع باشلار في تأليف كتاب جديد، مسكوناً بالرغبة التي ترافقه منذ زمن طويل في أن يجعل من النار موضوعاً لدراسة جديدة مختلفة، بنهج مفارق لما اتبعه في الدراستين السابقتين.
وحول عنوان الكتاب، تقول: «انصرف أبي فيما بعد عن عنوان (النار المعيشة) لصالح عنوان (شعرية النار)، لكن دون أن ينصرف عن فكرته الأساسية، وهي استنباط الأفكار الفلسفية الكبرى من داخل القصائد، حتى أن اقتباساته من الشعراء تفوق اقتباساته من الفلاسفة. وفاق اهتمامه بهذا النوع من الكتابة أقرانه حتى أن هيدجر لم يتطرف في محاباته للشعر مثلما فعل باشلار، فكتبه في هذا السياق فاقت تلك التي وضعها هيدجر ابتداء من (جماليات المكان)، وانتهاءً بـ(الماء والأحلام - دراسة عن الخيال والمادة)، ثم (شعلة قنديل النار)».
عبر فصول الكتاب، يأخذنا باشلار في رحلة جمالية يستهلها بالحديث عن العنقاء، وهو اسم طائر خرافي تقول عنه الأساطير والحكايات إنه كان يعيش زمناً طويلاً، ثم إذا جاءه الموت يحرق نفسه بالنار ويستحيل رماداً، ثم يولد من جديد من رماده ويبعث حياً، وهكذا دواليك في دورة من الموت والحياة لا تنتهي. وقد ورد ذكر العنقاء في جميع حضارات العالم القديم كالصينية والإغريقية والمصرية والفينيقية. ويقال إن الفراعنة أخذوه عن الفينيق، حيث عرف عندهم بطائر الفينيق، ومنه اشتق الاسم اللاتيني؛ الفينيكس. وذكره هويمروس في ملحمتيه الأوديسة والإلياذة.
وحسب رؤية باشلار في الكتاب، فإن الشعراء يزودوننا بتنويعات حاذقة من الصور الشعرية التي تعين على إحياء أسطورة هذا الكائن الخرافي، لكن يجب أن «نمزج بين الحماس والحذر في تعاملنا مع أسطورة كهذه». وبعبارة أخرى، يقول لنا باشلار إننا حين نعجب بأسطورة العنقاء ينبغي أن نرفض الإيمان الأعمى بها، كما أننا يجب أن نتعامل مع العنقاء باعتبارها حالة، و«كائناً لغوياً رفيع القيمة».
وينتقل الكتاب بنا إلى أسطورة أخرى وثيقة الصلة بشعرية النار، وهي أسطورة برومثيوس التي تعد واحدة من أهم القصص في الميثولوجيا الغربية، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، وهذه القصة ترمز لمضامين ودلالات هائلة في الفكر والتاريخ الغربي. ومن المعروف أن بروميثيوس، حسب الأسطورة، نذر نفسه لمساعدة البشر. ورأى أنهم يكافحون من أجل البقاء في حالة من الدفء وطهو الطعام، لذلك أحضر لهم سر النار من جبل أوليمبوس فلقب بـ«سارق النار». وعندما اكتشف زيوس كبير الآلهة ذلك، وحكم عليه بالتعذيب مقيداً إلى جبل القوقاز بسلاسل غير قابلة للكسر، حيث تأتي النسور كل يوم لتلتهم كبده الذي سرعان ما ينمو مرة أخرى في اليوم التالي، لتلتهمه النسور من جديد.
ويخرج الكتاب من إطار الأساطير إلى وقائع حقيقية مر بها بعض البشر، ليرصد لنا محطة جديدة من محطات علاقة الشعر بالنار. إنها صورة مختلفة هذه المرة، حيث تتعلق بفيلسوف وشاعر قديم راودته أحياناً فكرة الفناء في النار بأن يلقي بنفسه إلى فوهة أحد البراكين طامحاً لتحقيق الخلود والانصهار مع تلك القوة الغريبة. وهو أمبيقدوقل الذي ولد في عام 125م بالجزائر، وكان يسمي نفسه أحياناً «أبوليوس المادوري الأفلاطوني» و«الفيلسوف الأفلاطوني». ويعتبر صاحب أول رواية في التاريخ كتبت باللغة اللاتينية القديمة وهي رواية «التحولات»، وُيطلق عليها أيضاً «الحمار الذهبي». وقد كتبت في 11 جزءاً، بأسلوب طغت عليه المحسنات اللفظية.
يري جاستون باشلار أن قصة حياة أمبيقدوقل الذي ظل يتأمل فوهة البراكين طويلاً، تمنحنا صورة شعرية قاتمة عن بشاعة النهايات المحتملة للبشر، كما تجسد مؤلفاته شوق الإنسان للخلود وسعيه الدائم لأن يتذكره من يجيء لاحقاً.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة