الولايات المتحدة تبدأ تجارب المرحلة الثالثة من لقاح «كورونا»

مستشار الأمن القومي لترمب يصاب بالفيروس... واستمرار زيادة الإصابات في فلوريدا وكاليفورنيا

الولايات المتحدة تبدأ تجارب المرحلة الثالثة من لقاح «كورونا»
TT

الولايات المتحدة تبدأ تجارب المرحلة الثالثة من لقاح «كورونا»

الولايات المتحدة تبدأ تجارب المرحلة الثالثة من لقاح «كورونا»

بدأت أمس المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للقاح ضد فيروس «كورونا»، في الولايات المتحدة. تم تطوير اللقاح الجديد من قبل شركة التكنولوجيا الحيوية «موديرنا»، بالشراكة مع المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية. وستجري التجارب في حوالي 100 موقع بحثي أميركي. وقد تناول أول مريض الجرعة التجريبية الأولى، في ولاية جورجيا، أمس (الاثنين)، وفقاً لـ«موديرنا».
ومن المتوقع أن يتم إجراء الاختبارات على حوالي ٣٠ ألف متطوع بالغ، وسيتم تقييم فاعلية اللقاح بعد أول جرعتين، بمعنى أنه سيصبح اللقاح فعالا إذا أظهر نتائج إيجابية في قدرته على منع ظهور أعراض الفيروس بعد تناول الشخص لأول جرعتين. وسيتلقى المتطوعون جرعتين بحجم 100 ميكروغرام بفارق 28 يوماً بين كل جرعة.
ووجدت نتائج المرحلتين الأولى والثانية استجابات مناعية جيدة، حيث وجدت نتائج التجارب أن اللقاح، الذي تم إعطاؤه بثلاث جرعات مختلفة، يزيد المناعة ضد الفيروس لدى جميع المتطوعين، وكان آمنا بشكل عام. رغم ذلك، كانت هناك بعض الآثار الجانبية الخفيفة، بما في ذلك التعب والقشعريرة والصداع وآلام العضلات، والألم في موقع الحقن.
عادة ما تجري اختبارات المرحلة الأولى على عدد صغير من الأشخاص، وتركز على ما إذا كان اللقاح آمناً ويؤدي إلى استجابة مناعية. في المرحلة الثانية، يتم توسيع الدراسة السريرية ويتم إعطاء اللقاح للأشخاص الذين لديهم صفات صحية خاصة، مثل العمر والصحة البدنية. إذا جاءت النتائج في المرحلتين الأولى والثانية كما هو مرجو، يبدأ العمل في المرحلة الثالثة، والتي تركز على إعطاء اللقاح لآلاف الأشخاص، ويتم اختباره من أجل الفاعلية ومرة أخرى من أجل السلامة. ويعد لقاح موديرنا، واحدا من 25 في التجارب السريرية في جميع أنحاء العالم، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وقد حصلت الشركة على حوالي 955 مليون دولار من الحكومة الفيدرالية للإسراع في تطوير اللقاح.
«كورونا» داخل البيت الأبيض
في غضون ذلك، دق الفيروس التاجي أبواب البيت الأبيض مرة أخرى، حيث أصاب مستشار الأمن القومي، روبرت أوبراين، بعد أن جاءت نتيجة الاختبار إيجابية. يعد أوبراين أعلى مسؤول في إدارة ترمب يصاب بالفيروس. ومن غير الواضح متى التقى الرئيس بمستشاره آخر مرة. كان آخر ظهور علني لهما معاً منذ أكثر من أسبوعين خلال زيارة للقيادة الجنوبية الأميركية في ميامي في 10 يوليو (تموز).
وأكد البيت الأبيض أن اختبار مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين كان إيجابيا للفيروس التاجي، مشيرا إلى أن أوبراين كان يعمل عن بعد، ولا يوجد خطر على تعرض الرئيس أو نائبه لانتقال العدوى. وقال البيت الأبيض، في بيان أمس: «جاء اختبار مستشار الأمن القومي، روبرت أوبراين، إيجابيا لـ(كوفيد ١٩)، لديه أعراض خفيفة وكان يعزل نفسه ويعمل من مكان آمن خارج الموقع. لا يوجد خطر التعرض للرئيس أو نائب الرئيس. العمل في مجلس الأمن القومي متواصل دون انقطاع».
عاد أوبراين، أحد كبار مساعدي ترمب، مؤخراً من أوروبا، حيث التقى هو ونائبه الأعلى بمسؤولين من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. ونقلت «سي إن إن»، عن مسؤول كبير في الإدارة، أن أوبراين يعمل من المنزل منذ الأسبوع الماضي.
من ناحية أخرى، أعلن البيت الأبيض، أمس، عن زيارة الرئيس ترمب لمركز «فوجي فيلم بيوتك»، الذي تعمل على تصنيع مكونات واحد من أكثر اللقاحات الواعدة للفيروس التاجي الذي تطوره شركة نوفافاكس.
وتقوم شركة نوفافاكس بتصنيع مادة دوائية مرشحة للقاح «نوفافاكس كوفيد ١٩» والذي ما زال في المرحلة الأولى من التجارب السريرية، ومن المتوقع أن يتقدم إلى المرحلة الثانية في منتصف أغسطس (آب) والمرحلة الثالثة في الخريف.
استمرار الإصابات
مع استمرار الاتجاه التصاعدي في عدد الإصابات، ما زالت كاليفورنيا تمثل الولاية الأكبر عددا من الإصابات، تليها فلوريدا ونيويورك وتكساس. وسجلت كاليفورنيا أكثر من 8100 حالة وفاة في جميع أنحاء حتى الآن، وتم إدخال ما لا يقل عن 6912 شخصاً إلى المستشفى، منهم ألف و993 شخصاً في وحدات العناية المركزة.
وقال مسؤولو الصحة إن معدل الإيجابية في الولاية، وهو مؤشر رئيسي على سرعة انتشار الفيروس داخل المجتمع، وصل إلى حوالي 7.5 في المائة، وهو آخذ في الارتفاع. معدل الإيجابية، هو عدد الأشخاص الذين تم اختبارهم بشكل إيجابي مقارنة بعدد الأشخاص الذين تظهر نتائج الاختبارات سلبية لديهم.
في تكساس، تجاوز عدد الوفيات 5 آلاف، حتى يوم الأحد، بعد أن أبلغت الولاية عن 153 حالة وفاة في يوم واحد. ويوجد ما لا يقل عن 10755 شخصاً في المستشفيات، في جميع أنحاء الولاية. ووصلت 46 مستشفى إلى السعة القصوى لوحدات العناية المركزة، في فلوريدا، بعد أن وصلت نسبة إشغال الأسرة إلى ١٠٠ في المائة، وفقاً للبيانات الصادرة عن وكالة إدارة الرعاية الصحية بالولاية. وبلغت نسبة الإشغال لوحدات العناية المركزة في جميع أنحاء الولاية ٨٢ في المائة.
يوجد في الولايات المتحدة حالياً 4.2 مليون حالة إصابة بالفيروس التاجي، أي ربع الإجمالي الإصابات العالمية، البالغة 16.2 مليون، وفقاً لجامعة جونز هوبكنز. وسجلت الولايات المتحدة حوالي ١٤٧ ألف حالة وفاة، حتى أمس الاثنين.
من جهتها، أعلنت شركة «غوغل» تمديد سياسة العمل عن بعد حتى يوليو 2021، وكانت الشركة قد ذكرت في السابق أن معظم الموظفين سيعملون عن بعد حتى نهاية عام 2020، مع السماح لبعض الموظفين بالعودة إلى المكتب في وقت قريب. ويعطي قرار تمديد العمل عن بعد دلالات على أن واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم تستعد لوباء طويل، وبما قد يدفع ذلك الشركات الأخرى إلى أن تحذو حذوها.
وقالت، الشركة في رسالة بريد إلكتروني إلى الموظفين أمس: «لمنح الموظفين القدرة على التخطيط مسبقاً، نقوم بتمديد عملنا التطوعي العالمي من المنزل حتى 30 يونيو (حزيران) 2021، للمهام التي ليست بحاجة إلى أن تتم من المكتب».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...