أفلام المعاناة تنبئ بحلول موسم الجوائز

حياة العالم هوكينغ تدخل سباق الأوسكار

أفلام المعاناة تنبئ بحلول موسم الجوائز
TT

أفلام المعاناة تنبئ بحلول موسم الجوائز

أفلام المعاناة تنبئ بحلول موسم الجوائز

فيلم الافتتاح الذي اختاره مهرجان دبي المقام حاليا لدورته الـ11 هو «نظرية كل شيء». الفيلم البريطاني الذي قام بإخراجه جيمس مارش من بطولة إيدي ردماين في دور العالم الشهير ستيفن هوكينغ والمأخوذ عن سيرة حياة وضعتها زوجته السابقة جين هوكينغ وتقوم بتمثيلها فيليسيتي جونز.
يبدأ الفيلم في عام 1963 عندما كان هوكينغ شابّا مهتمّا بالفيزياء والعلوم الفضائية ورياضياتها. شاب سعيد ومنطلق باستثناء أن اهتماماته في الحياة ليست اهتمامات شائعة. طالب نابغة في العلوم الفيزيائية والفضائية ويرمي لإثبات أن الحياة سرمدية ومتوالية وأن نظريات أينشتاين صائبة ويجب الدفاع عنها. كان يبدو معافى، على رقّة بدنه، يركب الدراجات الهوائية ويمرح ويمازح.
في ذلك العام يقع في حب الفتاة جين والمفارقة هي أنه ملحد بينما هي فتاة مؤمنة لا تشاركه نظرياته. لكنها تبادله الحب. في إحدى المرّات يتعثر ستيفن ويسقط أرضا ويغمى عليه في باحة الجامعة. لم يصطدم بشيء أو يدفعه أحد بل لم تحتمل قدماه المشي فالتوت. حين نقله إلى المستشفى وإجراء الفحوصات تبيّن أنه مصاب بمرض يفصل الدماغ عن الأعصاب التي تحرّك الأطراف. من دون هذا الاتصال لا تعمل تلك الأطراف وتلتوي على بعضها البعض كما هي الصورة الماثلة في الأذهان لستيفن هوكينغ منذ 30 سنة.
هذا لم يدفع جين للتخلّي عنه. يتزوّجان ويرزقان بطفلين ثم بآخر في وقت لاحق. كما يقول لصديقه الفضولي إن حالته البدنية لا تمنعه من الإنجاب.
ستتطوّر الأحداث في الساعة الثانية من الفيلم عندما تلجأ الزوجة إلى الكنيسة لتغني في الكورس حيث تتعرّف على مدير الفرقة الذي كان خسر زوجته ويعرض مساعدتها ومساعدة ستيفن كونها الآن تعيش تحت ضغط لا تستطيع تحمّله.
هناك جانبان على الأقل لهذا الفيلم. الأول أنه سيرة حياة ممثلة بقدرة فائقة. أداء إيدي ردماين يذكرك بأداء دانيال داي لويس في «قدمي اليسرى»: صعب ومعقد والتجسيد البدني للحالة المستعصية رائع. أداء فيليسيتي جونز لا يقل جدارة. نعم يدخل الفيلم في لمسات عاطفية مجانية من حين لآخر، لكن الأداء من كليهما يبقى صلبا وينقذ المشاهد المذكورة من التأثير سلبا على الفيلم.

* سوابق
* الجانب الثاني هو أنه فيلم عن معضلة جسدية. مأساة إنسانية ناتجة عن شخص يعاني من السقوط مقعدا ومكبّلا بمرضه الدائم. نوع إذا ما تم تنفيذه جيّدا، كما الحال هنا، حمل الفيلم إلى مسافات قريبة من الترشيح لجائزة الأوسكار وهذا ما يبدو أن هذا الفيلم آيل إليه.
إطلاقه في هذه الفترة المسبقة مباشرة لترشيحات الأوسكار يعزز احتمال أنه سيدخل ضمن القائمة الرسمية لسباق أفضل فيلم. وهذا ليس جديدا. العادة جرت أن يكون بين الأفلام المنتخبة وبالتالي الفائزة بأوسكار في واحد من الأقسام المتعددة للجائزة، واحد - على الأقل - يدور حول معاناة فردية من هذا النوع.
العادة أيضا أن لا يفوز الفيلم بالأوسكار بالضرورة، لكنه يتسبب في منح أحد ممثليه هذه الجائزة.
فكّر في فيلم «قدمي اليسرى» لجيم شريدان الذي تم ترشيحه سنة 1989 إلى 5 أوسكارات هي أفضل سيناريو وأفضل إخراج وأفضل فيلم وأفضل ممثل وأفضل ممثلة في دور مساند. من هذه الجوائز خرج باثنين هما أوسكار أفضل ممثل ونالها دانيال داي لويس وأفضل ممثلة مساندة وذهبت إلى برندا فريكر.
فوز دانيال داي لويس، في ذلك العام، كان خسارة لتوم كروز الذي لعب دور المقعد في فيلم «ولد في الرابع من يوليو» الذي رشّح لـ8 أوسكارات (في الموسيقى والسيناريو والتصوير). كروز لم ينل أوسكار أفضل ممثل، لكن الفيلم نال أوسكارين مهمين هما أفضل إخراج، وذهبت إلى أوليفر ستون، وجائزة أفضل مونتاج (ونالها ديفيد برنر وجو هتشينغ).
في عام 1995 نال توم هانكس أوسكارا عن دوره في «فيلادلفيا» الذي يدور حول مصاب بالإيدز. وفي العام الماضي نال ماثيو ماكونوهي أوسكار أفضل ممثل عن دوره كشاب مصاب بالايدز في فيلم «دالاس بايرز كلوب».
وهناك أمثلة أخرى مرمية على مدى سنوات الأوسكار من عام 1927 وما بعد. الثابت أن مثل هذه الأدوار تقدّر لذاتها نظرا لأنه من الصعب، عادة، إتقان تمثيلها وإقناع المشاهدين بأن المرض المجسّد في شخص بطل الفيلم بات ملموسا من خلال أداء الممثل الذي يلعب الدور.
إلى ذلك، هناك حقيقة أن هذه الأدوار تؤثر عاطفيا على أحاسيس ومشاعر المشاهدين وأعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية ما هم إلا مشاهدون ذوو عواطف بدهية (وأحيانا فطرية) كالكثير منا.

* عاطفة حقيقية
* «نظرية كل شيء» لن يكون الفيلم الوحيد الذي يحمل معاناة يطلقها برسم الترشيحات المقبلة. في الجوار الفيلم الجديد الذي تقوم جوليان مور ببطولته بعنوان «ما زلت أليس»: دراما أميركية تم تأليفها مباشرة للسينما حول امرأة مصابة بألزهايمر.
مثل ستيفن هوكينغ هي عالمة، لكنها عالمة لغويات ناجحة تدرّس في جامعة كولمبيا. متزوّجة ولديها 3 أولاد وتعيش حياة مستقرة وناجحة. بعد قليل من التعرّف عليها، تبدأ في نسيان كلمات اعتادت استخدامها، ثم مبان اعتادت دخولها ثم الذاكرة والأسماء والوجوه وهويتها الشخصية.
خلال مسيرتها يحاول الزوج (أليك بولدوين) أن يكون خير معين لحالتها. لكن الوضع ليس متساويا بين أبنائها. واحدة من بناتها (كيت بوزوورث) لا تتأثر كثيرا بل تفضّل الابتعاد عن مشكلة أمها، في حين أن الأخرى (كرستن ستيوارت) هي التي تندفع لمؤازرة أمها في هذا الوضع رغم تفاوت الرؤية الشخصية لكل منهما.
جوليان مور ممثلة قديرة وهي أفضل ما في هذا الفيلم اللمّاع الذي يدّعي تقديم حالته بنعومة رومانسية، بينما يقوم في الواقع بتقديم ملامح من المأساة مغلّفة بالمفارقات المعهودة أو المتوقّعة من دون أن يصيب عمقا أو عاطفة حقيقية.
على عكس الحالة التي يجسّدها بجدارة الممثل البريطاني ردماين في «نظرية كل شيء»، فإن ما توفّره جوليان مور لا يحتاج إلى بذل بدني خاص. مرض فقدان الذاكرة، لا يعطل عمل الأطراف ولا يضر بالعصب أو يؤثر على الصحة البدنية تحديدا. هذا يعني أن جوليان مور لم يكن أمامها سوى القليل من البحث والكثير من ترك نفسها تمثّل كما ترتئي مستندة إلى موهبتها التي وضعتها في مصاف أفضل الممثلات منذ سنوات والتي قد تدفع بها إلى الأوسكار قريبا.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز