«أصيلة» المغربية تراهن على الفن والأمل للتغلب على «كورونا»

مدينة مرسومة باليد قبل أكثر من أربعة عقود

أطفال أصيلة
أطفال أصيلة
TT

«أصيلة» المغربية تراهن على الفن والأمل للتغلب على «كورونا»

أطفال أصيلة
أطفال أصيلة

رغم الظروف الاستثنائية التي رافقت جائحة كورونا، حرصت مؤسسة منتدى أصيلة في المغرب على رسم طريق التخلص من الآثار النفسية للحجر الصحي، مستندة إلى الفن لزرع الأمل في نفوس سكان مدينة الفنون.
ولم تخلف المدينة العتيقة لأصيلة هذه السنة موعدها مع الجداريات، التي دأبت مؤسسة منتدى أصيلة، منذ عام 1978 على تنظيمها واستدعاء فنانين مغاربة وأجانب لإنجازها لتصبح مدينة مرسومة باليد بامتياز منذ أزيد من أربعة عقود.
لكن جداريات هذا العام كانت في جلها من إبداع فنانين زيلاشيين (نسبة إلى أصيلة) مخضرمين، وثلّة من اليافعين والأطفال المبدعين، غمسوا ريشاتهم في ألوان الأمل لتزيين طريق الخلاص من التبعات النفسية للجائحة.
ويلخّص مشهد في أحد أزقة المدينة العتيقة القصة، حيث تتراءى لزائرها مجموعة من الفتيان والفتيات وقد بدت على محياهم ابتسامات ملائكية وهم يرافقون مؤطرتهم وهي تواكبهم في خطواتهم الأولى في سفر فني متعدد الوجهات، في حين يحمل فنانون تشكيليون من المدينة نفسها في أيديهم ريشاتهم وأدوات صباغة وهم منغمسون برسم الجداريات والسباحة في ألوان الحياة.
في هذه المدينة ترعرعوا، وأمضوا طفولتهم بين أزقتها، وعاينوا أسلافهم الفنانين يرسمون هذه الجداريات الضخمة فساروا على نهجهم. لكل واحد من هؤلاء نمط يتبناه وفلسفة يتّبعها، غير أنهم أجمعوا على «تجديد حلّة مدينتهم» وبعث الأمل والسرور في هذه اللحظات العصيبة التي يعيشها العالم بسبب الجائحة.
في سياق ذلك، قال الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، محمد بن عيسى، في تصريح صحافي، إنه عقب اتخاذ قرار تأجيل الدورة الـ42 من موسم أصيلة الثقافي الدولي بسبب تداعيات جائحة «كوفيد – 19»، «ارتأينا تنظيم معرض فني بغية الخروج من أجواء الضيق والحزن التي تخيّم على حاضرة دأبت على الظهور في أبهى صورها، ولا سيما إبان فترة الصيف».
وأبرز بن عيسى أن فناني أصيلة اتفقوا على الإبقاء على فقرة الجداريات، وهي جزء من فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي، باعتبارها لا تتطلب تجمهر الناس، وكذا بالنظر إلى أنها كانت أول ما تبدأ به جميع الفعاليات الثقافية بالمدينة منذ سنة 1978. وأضاف أن «هذا لم يمنع مع ذلك من الترحيب بالزوار، ليس بعدد كبير كما كان معتاداً في السابق، الذي يأتون من مدن طنجة وتطوان والعرائش بالخصوص، ما خلق دينامية تجارية نوعاً ما».
وأشار بن عيسى إلى أن هذا النشاط يهدف إلى بعث طمأنينة وارتياح وأمل سكان مدينة أصيلة بعد حالة اتسمت بنوع من «الاكتئاب»، وذلك من خلال منح فرصة للجمهور للتأمل في جداريات جميلة رسمت بألوان زاهية.
من جانبه، أشار الفنان التشكيلي محمد العنزاوي، والمشرف على ورشة الجداريات والصباغة بمؤسسة منتدى أصيلة، إلى أن دورة هذا العام «استثنائية»؛ لأن الجائحة فرضت على العالم والمغرب بطبيعة الحال، وقف كل الاحتفاليات والمهرجانات، مبرزاً أن المؤسسة قرّرت الخروج من ضائقة الجائحة بنشاط يشرف عليه فنانون محليون بغية الترويح عن الناس ومنحهم جو البهجة والسرور.
الجدارية التي رسمتها ريشة التشكيلي العنزاوي مستوحاة من اللوحة الشهيرة لبابلو بيكاسو المناهضة للحرب بعنوان «غيرنيكا»، مع تغيير بعض ملامح شخوصها وإلباسهم أقنعة واقية لتتماشى والتهديد الذي تشكله الجائحة على العالم.
بدورها، تحاول الفنانة اليافعة هبة الفخاري، وهي تضع اللمسات الأخيرة على جدارية شاركت فيها برسم حمامة سلام تحلّق في سماء مدينة ذات معمار مغربي أصيل، تجسيد شعار هذه الدورة «كورونا... المواجهة والأمل»، موضحة أنها تقول للناس عبر الرسم، إن «الأمل هو أفضل وسيلة للتغلب على الفيروس، والفن يبقى طريقة فضلى للتعبير عن المعاناة بعد الجائحة، وهذه الدورة المصغّرة من موسم أصيلة الثقافي تبقى مناسبة للتخفيف عن الإحساس بالفقد الذي انتابنا خلال الحجر المنزلي».
بدوره، اختار الفنان التشكيلي حكيم غيلان المشاركة في جداريات أصيلة عبر تيمة «القطط اللعوب» على خلفية بلون أصفر طاغ على العين، معتبراً أن الغرض تمرير رسالة واضحة للحفاظ على جذوة الأمل متقدة وإبقاء روح المرح في إطار الجائحة، مضيفاً «لقد اخترت القطط لأنها حيوانات معروفة بروحها المرحة، وقدرتها على إدخال الفرح والسرور على الإنسان».
القطط التي رسمها هذا الفنان ستتجاوز حدود هذه الجدارية لتتجوّل بين أسوار المدينة العتيقة، حيث يخفي غيلان مفاجأة لسكان المدينة الأطلسية وزوارها، تتمثل في رسم 70 قطاً بمختلف الأزقة، وإطلاق مسابقة مفتوحة أمام الجميع لإيجاد أكبر عدد من القطط ومشاركة الصور على منصات التواصل الاجتماعي للفوز بلوحة فنية أصلية.
بينما يجسد الفنان المغربي المتخصص في الجداريات، عبد القادر الأعرج إحساسه بالانتماء إلى هذه المدينة وتفاعله مع عمرانها وناسها وألوانها وأشكالها، وهو الذي دأب منذ أكثر من 40 سنة على القدوم إليها من الدار البيضاء، وإبداع جداريات تزين أسوارها على مدى العام، موضحاً أن موضوع الجدارية هو «مدينة أصيلة ذاتها، المدينة الفنية بعمرانها وأقواسها وأزقتها، فأنا لا أختار الألوان والأشكال، بل فقط أرسم ما أحس وأنا فيها، أصيلة في حد ذاتها لوحة فنية».
من جهتها، قالت الفنانة التشكيلية، بدرية الحساني، إن هذا النشاط يشكل فرصة لها للعودة إلى مسقط رأسها، معبرة عن سعادتها بمبادرة مؤسسة منتدى أصيلة على تنظيم «النسخة المحلية» من الموسم الثقافي الدولي لمدينة أصيلة. وأوضحت أنه «فيما يتعلق بالموضوعات التي اشتغلت عليها، فقد اخترت أن أكون متفائلة من خلال اختيار ألوان مشرقة»، مضيفة أنه على الرغم من كل ما يقال عن الحجر الصحي فإنه سمح للطبيعة أن تتنفس، وللأشخاص بأن يثمنوا البساطة المستوحاة من المناظر الطبيعية، كمنظر الفراشة، والخضرة، والأشجار.
من جانبه، اختار الرسام أنس البوعناني لوحة جدارية على شكل رسالة أطلق عليها اسم «رسالة إلى بلدي». وأشار إلى أن كلمة «بلد» استخدمت هنا بالمعنى الأكثر شمولية للكلمة، موضحاً أنها قد تحيلك على «بلدنا المغرب»، كما يمكن أن تحيل على مدينة «أصيلة»، أو على «العالم» بشكل عام.
وتابع البوعناني، وهو أستاذ الفنون التشكيلية، قائلاً «إنها أيضاً رسالة عرفان لبلدنا المغرب على الدعم الذي ما فتئ يقدمه لنا، خاصة في هذه الأوقات الصعبة لـ(كوفيد – 19)».
أمّا بالنسبة للفنان معاذ الجباري، فإن الأمر يتعلق بتجربة «مختلفة قليلاً»، خاصة مع توظيف إكسسوار جديد هو «الكمامة».
ويقول الجباري «من جهتي، اخترت إعادة رسم (الموناليزا) للرسام الإيطالي ليوناردو دا فينشي بطريقتي الخاصة، بحيث أضفت كمامة على وجهها»، مشيراً إلى أن هذا يعكس الوضع الحالي الذي يعيشه العالم، وفي إيطاليا التي تضرّرت كثيراً من هذا الوباء.
وتبقى أصيلة، مدينة مفعمة بالفن والثقافة، والجداريات أحد محاور الأنشطة التي سطرتها مؤسسة منتدى أصيلة لمساعدة الناس على تجاوز الجائحة، إلى جانب المعارض ووضع منحوتة فنية كبرى بأهم مدارات مدينة أصيلة، وفق ما قاله توفيق لوزاري، النائب الثاني للأمين العام للمؤسسة، مشدداً على أن كل الأنشطة تتم وفق التدابير الوقائية والإجراءات الاحترازية كلبس الكمامة والتعقيم والتباعد الجسدي.
ويبدو من هذا الاهتمام الشعبي بالفنون ومشاركة الفنانين والأهالي في أنشطة الجداريات، أن المؤسسة ربحت رهان مواجهة الفيروس بالفن، فهدف هذه الأنشطة – التي تمتد من 15 إلى 30 يوليو (تموز)، حسب لوزاري، يكمن في التخفيف من وطأة الحجر عن سكان المدينة وزوارها، وخلق البهجة في نفوس الأطفال والشباب، وإشراك الفنانين المحليين، المخضرمين واليافعين، في تزيين وتجميل المدينة وخلق جو من السرور والبهجة لتجاوز الجائحة.
وإذا كانت الجائحة قد منعت، على غير العادة، توافد الفنانين والمثقفين من مختلف بقاع المعمورة على موسم أصيلة الثقافي الدولي، فإن أبناء المدينة كانوا في الموعد للحفاظ على تقليد سنوي شكّل منبع صيت لمدينتهم على امتداد العقود الماضية، تقليد الجداريات الذي ساهمت من خلاله مؤسسة منتدى أصيلة في دمقرطة الفن التشكيلي وإخراجه من إطار النخبوية وتقريبه من عموم الناس.



المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended