الأمراض الحيوانية المنشأ تهدد حياة البشر

ثلاثة من كل أربعة فيروسات جديدة مصدرها الحيوانات

الأمراض الحيوانية المنشأ تهدد حياة البشر
TT

الأمراض الحيوانية المنشأ تهدد حياة البشر

الأمراض الحيوانية المنشأ تهدد حياة البشر

الأمراض الحيوانية المنشأ هي أمراض تسببها الجراثيم التي تنتقل بين الحيوانات والناس، منتشرة في جميع أنحاء العالم. ويمكن أن تكون ناجمة عن فيروسات أو بكتيريا أو طفيليات أو فطريات وقد تسبب مرضاً خفيفاً أو شديداً أو حتى الوفاة. ويقدر الخبراء أن نحو 60 بالمائة من الأمراض المعدية المعروفة في البشر يمكن أن تنتشر عن طريق الحيوانات. ولكن وفقاً لمراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها (CDC) فإن ثلاثة من كل أربعة أمراض جديدة مصدرها من الحيوانات.
انتقال المرض
> كيف تنتقل الأمراض الحيوانية؟ الاتصال المباشر بالحيوانات هو أسهل طريقة لانتشار الأمراض من الحيوانات إلى البشر من خلال اللعب أو التعامل معها، أو من خلال عضها أو خدشها للإنسان. والأشخاص الذين يعملون في صناعة الثروة الحيوانية أو في رعاية الحيوانات مثل حدائق الحيوانات أو أحواض السمك هم أكثر عرضة لأمراض حيوانية لأنهم غالباً ما يكونون على اتصال مباشر بالحيوانات.
ويمكن أن تكون الحيوانات الأليفة المحلية أيضاً مصدراً مباشراً للعدوى وكذلك الحيوانات البرية التي تكون بتماس مع الصيادين. كما يمكن أيضاً نقل الأمراض الحيوانية المنشأ من الحيوانات إلى البشر من خلال الحشرات التي تعمل بمثابة «وسيط» أو نواقل للعامل المسبب للمرض مثل القراد الذي ينقل مسببات الأمراض المنقولة بالدم مثل البكتيريا التي تسبب «مرض لايم» من الحيوانات المصابة إلى حيوانات أخرى أو للبشر كما أن البعوض والبراغيث هي أيضاً ناقلات شائعة لأمراض حيوانية مثل «فيروس زيكا» الذي ينتقل عن طريق البعوض والبكتيريا التي تسبب الطاعون التي تنتقل عن طريق البراغيث. ويمكن أن يصاب البشر بأمراض حيوانية من خلال استهلاك الأطعمة الملوثة عند تناول اللحوم أو البيض غير المطبوخ جيداً أو تناول منتجات غير مغسولة وتكون ملوثة ببراز الحيوانات. ويمكن أن يتسبب شرب الحليب الخام غير المبستر أو المياه الملوثة أيضاً في انتشار الأمراض الحيوانية المنشأ إلى البشر.
> فيروسات تاجية حيوانية. أما الفيروسات التاجية، وهي عائلة كبيرة من الفيروسات التي تصيب الطيور والثدييات فقد كانت مسؤولة عن العديد من تفشي عدد من الأمراض في جميع أنحاء العالم بما في ذلك وباء المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) بين الأعوام 2002 - 2003 ووباء «كوفيد 19» الحالي.
وهناك سبعة فيروسات تاجية حيوانية المنشأ معروفة بإصابة البشر، لكن لم تستطع جميعها من القفز مباشرة من مضيفها الأصلي إلى الإنسان إنسان. وقد تم العثور على أسلاف فيروس «سارس» في الخفافيش ولكن الفيروس قفز إلى قطط الزباد (الثدييات الصغيرة الليلية) قبل أن يصيب البشر. وقد يكون فيروس كورونا الذي يسبب «كوفيد 19» قد نشأ في الخفافيش ولكن لا يزال من غير الواضح كيف انتقل الفيروس إلى البشر.
أسباب الانتقال
ويقول الباحثون إن من الصعب التكهن بالمكان الذي ستظهر فيه الأمراض وإن أغلب العلماء ليسوا متأكدين تماماً من سبب ارتفاع الأمراض الحيوانية المنشأ. ولكن لديهم بعض الفرضيات القوية.
> غزو البيئة الحيوانية. وتشير إلى إن أحد أبسط الأسباب قد يكون أن الناس يغزون بيئة الحيوانات في كثير من الأحيان مما يسهل المزيد من التفاعلات بين البشر والحيوانات مثل قطع الأشجار في الغابات أو التعدي على البيئة.
> ممارسة الصيد. وقد تساهم بعض الممارسات الثقافية أيضاً في المزيد من الأمراض الحيوانية المنشأ مثل ممارسة الصيد، حيث يعتبر الصيد في كثير من الأماكن في العالم المصدر الرئيسي للبروتين.
وتضيف أن الضغط على البيئة من خلال الصيد والتنمية يؤدي إلى عدم توازن النظام البيئي ويصعب على الحيوانات البقاء على قيد الحياة كما كانت. وإن الحيوانات تضطر إلى الانتقال لمناطق أبعد والبحث أكثر عن الطعام أو الأصحاب وفي هذه الحالة المجهدة بشكل مزمن تكون هذه الحيوانات أكثر عرضة للإصابة بالأمراض وأكثر عرضة لانتشار المرض إلى البشر. كما توفر ممارسات الصيد هذه المزيد من الفرص للناس ليصبحوا عرضة لأمراض حيوانية.
> ارتباط سكاني. وهناك سبب آخر محتمل لارتفاع الأمراض الحيوانية المنشأ هو أن الناس أصبحوا أكثر ارتباطاً ببعضهم البعض الآن أكثر من أي وقت مضى مما يوفر المزيد من الفرص لانتشار الأمراض الحيوانية المنشأ بعيداً عن أي مكان نشأت فيه. وإن الاتصال أمر ضخم بل إن حتى الأماكن البعيدة نسبياً أصبحت أكثر ارتباطاً الآن مما كانت عليه في الماضي.
* تجارة الحيوانات. ويقول العديد من الباحثين إن تجارة الحياة البرية في الصين يجب التحقيق فيها بدقة كجزء من الجهود المبذولة للكشف عن أصل جائحة الفيروس التاجي المستجد وإن التركيز يجب أن يكون على الأنشطة المرتبطة بتجارة الحياة البرية في الصين - القانونية وغير القانونية - بما في ذلك مناطق الصيد ومرافق التخزين والمزارع والأسواق.
تقول أليس لاتيني عالمة الأحياء التطورية في جمعية حماية الحياة البرية في فيتنام في هانوي: «يجب التحقق من جميع أجزاء سلسلة الإمداد بالحياة البرية». وتضيف: «نحتاج إلى اختبار أي أنواع حيوانات برية أو مستزرعة يمكن أن تكون على اتصال وثيق ومتكرر مع البشر في الصين، ويرى الباحثون أن تجارة الحياة البرية - التي تقترب فيها العديد من الحيوانات مع بعضها بعضاً والناس - توفر الظروف المثالية لانتشار الفيروس في أحد الأنواع إلى آخر.
قفزة «كورونا المستجد»
يتفق معظم الباحثين على أن فيروس «كوفيد 19» ربما نشأ في «خفافيش حدوة الحصان»، ولكن الطريق الذي اتخذته للوصول إلى البشر لا يزال لغزاً. ويمكن أن يكون الفيروس قد قفز مباشرة من الخفافيش إلى البشر وتطور بمرور الوقت إلى سلالة الوباء الحالية أو ربما قد انتقل عبر الحيوانات الوسيطة. وفي وقت مبكر من الوباء الحالي كان يُعتقد أن حيوان البنغولين (وهو نوع مهدد بالانقراض، يأكل النمل)، هو مضيف وسيط محتمل لفيروس «كوفيد - 19» عندما اكتشف الباحثون الفيروسات التاجية ذات الصلة في الحيوانات التي تم ضبطها في جنوب الصين بين عامي 2017 و2019. وهذه الحيوانات هي الأكثر تهريباً في العالم والتي تستخدم في الطب الصيني التقليدي.
كانت الفيروسات التاجية الموجودة في حيوانات البنغولين مختلفة جداً عن أن تكون السلف المباشر لــ«كوفيد 19» لكن الباحثين يقولون إن زمن وكيفية إصابة الحيوانات يمكن أن توفر أدلة حول مكان نشأة الفيروس.
يقول جيمي لي الباحث في منظمة EcoHealth Alliance الماليزية في كوالالمبور الذي يدرس احتمالات ظهور الاوبئة الجديدة، أن حيوانات البنغولين على الأرجح هي مضيفات عرضية أو أصيبت بالصدفة خلال تجارة الحياة البريه وقد تعرضت لفيروسات كورونا أثناء نقلها إلى وجهتها النهائية. بينما تقول يوجيا إلينا جان عالمة الوراثة في معهد Broad Institute of MIT and Harvard في كمبردج بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحده في بحثها المنشور في مايو (أيار) 2020 في bioRxiv أن حيوانات البنغولين قد تكون كسبت الإصابة من حيوانات أخرى مصابه بالفيروس أو من الأشخاص الذين قاموا بتهريبها.
إلا أن اليس لاتين وفريقها تقول في بحثها المنشور في Science Direct في يونيو (حزيران) 2020 إن تحقيقات منظمة الصحة العالمية يجب أن تنظر أيضاً إلى الثدييات الأخرى التي يتم صيدها والاتجار بها بشكل شائع في جنوب الصين وخاصة آكلات اللحوم الصغيرة والقوارض. وتضيف أن الأولوية الأخرى يجب أن تكون الخفافيش في مقاطعة يونان الجنوبية - وهي نقطة ساخنة لفيروسات الخفافيش التاجية حيث تم التعرف على أقرب قريب معروف لــ«كوفيد - 19» يسمى RaTG13.
من جهتها، تقول أليس هيوز عالمة الأحياء في المؤسسة الصينية لحفظ التنوع البيولوجي والتنمية الخضراء في يونان، إن التحقيقات لا ينبغي أن تقتصر على الصين فقط، بل إن العديد من الأنواع قد تنتقل عبر الحدود كما أن الناس في البلدان المجاورة على اتصال متكرر بالحيوانات البرية. وتضيف أن الحصاد الكبير لفضلات الخفافيش أو فضلات الطيور يحدث في ظروف غير صحية في بلدان مثل لاوس وتايلاند وكمبوديا والعديد من هذه البلدان لا تملك القدرة على قمع تجارة الحيوانات البرية.



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟