الجزائري سيفاوي المصارع على جبهتين... {الإخوان} واليمين الشعبوي

صار واحداً من مثقفي الأضواء الإعلامية في فرنسا

غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان»  -  غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان» - غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
TT

الجزائري سيفاوي المصارع على جبهتين... {الإخوان} واليمين الشعبوي

غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان»  -  غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان» - غلاف الكتاب الثاني «تقية!»

يعد محمد سيفاوي واحداً من أشهر الصحافيين الجزائريين المقيمين في فرنسا إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق. وهو من مواليد الجزائر عام 1967: أي لم يتجاوز الخمسين إلا قليلاً. وقد نشر عدة كتب أمّنت له شهرة واسعة. لكنّ شهرته لا تعود إلى نشر الكتب فقط وإنما إلى كونه أحد الوجوه التلفزيونية المعروفة. إنه مثقف الأضواء الإعلامية من أمثال برنارد هنري ليفي أو ميشيل أونفري أو حتى إريك زمور، عدوّه اللدود. وعندما تراه على الشاشة في هذا البرنامج السياسي أو ذاك يدهشك برجاحة عقله وصواب منطقه وقدرته الكبيرة على الإقناع. والواقع أنه يتمتع بشخصية متوازنة جداً وواثقة من نفسها تماما. بل إنه يبدو بحجمه الضخم نسبياً وقوة عضلاته وعرض منكبيه كأنه مصارع تلفزيوني من الدرجة الأولى! فهو جريء جداً ولا يتوانى عن الاقتحام والمخاطرة بنفسه إذا ما استدعت الضرورة ذلك. إنه واحد من أكبر مصارعي عصرنا الراهن لـ«الإخوان» المسلمين ولليمين الشعبوي المتطرف الفرنسي الذي يكره العرب والمسلمين. وهذا يعني أنه مصارع على جبهتين اثنتين لا جبهة واحدة: جبهة التطرف الفرنسي، وجبهة التطرف العربي.
سوف نتوقف هنا عند آخر كتابين ضخمين أصدرهما مؤخراً في العاصمة الفرنسية ألا وهما: «حل واحد: التمرد والعصيان»، والثاني هو «تقية! كيف يحاول الإخوان المسلمون اختراق فرنسا أو التغلغل فيها». فهما من أهم ما كتب.
في الكتاب الأول يروي لنا محمد سيفاوي قصة حياته الفكرية والسياسية في آن معاً. إنه عبارة عن سيرة ذاتية تبتدئ بالجزائر وتنتهي بفرنسا التي وصل إليها وهو في الثلاثين من عمره أو أكثر قليلاً. وهو كتاب سلس ممتع كمعظم كتب السيرة الذاتية الحميمية. ونفهم من كلامه أن معركته الأساسية كانت منذ الأساس مع الأصولية الظلامية التي دمّرت بلاده والتي توشك أن تدمر فرنسا ذاتها بل والعالم كله. يقول ما معناه: «صحيح أني جزائري وأعتز بجزائريتي ولكن عندما يتصرف شخص جزائري بشكل خاطئ فإني أوبّخه. صحيح أني مسلم أباً عن جد وأفتخر بإسلامي ولكن عندما يتصرف مسلم ما بشكل متعصب وطائفي وعدواني على الآخرين فإني أُدينه وأتبرأ منه. قناعاتي الفلسفية تنويرية: أي مع التسامح وضد التعصب من أي جهة جاء. فأنا أُدين اليمين المتطرف الفرنسي مثلما أُدين اليمين المتطرف الأصولي الإسلاموي سواء بسواء. إني أدافع عن القيم التنويرية الكونية التي تنطبق على جميع البشر وجميع الشعوب دون استثناء. فالناس الطيبون الأخيار موجودون في كل الشعوب والأديان وكذلك الناس الأشرار. وبالتالي فلا مبرر للطائفية ولا للعنصرية. فقد يكون الإنسان الأبيض من أحقر الناس والإنسان الأسود من أشرف الناس، والعكس صحيح أيضاً. وهذا يعني أنه ينبغي احترام الكرامة الإنسانية لأي شخص طيب ومستقيم بغضّ النظر عن أصله وفصله أو طائفته وعرقه ومذهبه».
ثم يعترف المؤلف بأن هذا الكتاب الضخم الذي يتجاوز الأربعمائة صفحة من القطع الكبير كان قد كلفه جهداً وعرقاً بل واستغرقت عملية كتابته سنة ونصف السنة. وهو كتاب ذاتي، جواني، داخلي. لماذا نقول ذلك؟ لأنه يروي الكثير من التفاصيل عن حياته الشخصية ويكشف الكثير من أسراره الذاتية. من هنا سر جاذبيته وإمتاعه. ولكنه كتاب موضوعي أيضاً لأنه يعالج القضية الأساسية التي تشغل عصرنا: أي الأصولية الجهادية المتطرفة. والواقع أن الكتاب يحتوي على معلومات هائلة وتحليلات تنويرية مضيئة عن قضايا أساسية: كالحرب الأهلية الجزائرية أو ما تدعى بالعشرية السوداء الرهيبة. كما يتحدث الكتاب أيضاً عن جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، وعن تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وعن حرب أفغانستان وكيفية تشكل التيار الجهادي هناك، إلخ... ولا ينسى المؤلف قضايا الشرق الأوسط الحساسة، وكذلك قضايا العالم العربي. كما يعطي رأيه في أشخاص من نوعية طارق رمضان، وإريك زمور، والروائي ميشيل ويلبيك، والعديد من المثقفين الفرنسيين الآخرين. وبالتالي فشيء ممتع ومشوق أن نعرف رأيه في كل هؤلاء ولماذا ينتقدهم أو يهاجمهم أحياناً... ونفهم من كلامه أنه مسلم علماني لا مسلم إخواني أو أصولي. وهذه بدهية. لماذا؟ لأن العلمانية في رأيه هي الحرية والتسامح ومعاداة الطائفية والتعصب. فالدولة العلمانية المتسامحة لا تفرق بين المتدين وغير المتدين ولا تفرق بين المسلم وغير المسلم سواء أكان مسيحياً أم يهودياً أم بوذياً، إلخ... فكلهم مواطنون من الدرجة الأولى وعلى ذات المستوى ولا يوجد أحد أفضل من أحد إلا إذا كان يخدم المجتمع والمصلحة العامة بشكل أفضل. على أي حال فإن المؤلف من أتباع الفلسفة التنويرية الإنسانية الكونية: أي فلسفة فولتير وروسو وكانط وبقية العباقرة. وبما أن العدو الأول لهذه القيم هم الإخوان المسلمون والجهاديون الدمويون فإنه يحاربهم ويتبرأ منهم ويعدّهم خطراً ماحقاً على العالم الإسلامي قبل العالم الغربي.
- استراتيجية الإخوان الظلامية
بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة دعونا نتحدث عن رأيه في الإخوان المسلمين الذين كرّس لهم كتابه الأخير الصادر قبل بضعة أشهر في العاصمة الفرنسية تحت عنوان: «تقية! كيف يحاول الإخوان المسلمون اختراق فرنسا أو التغلغل فيها». ونفهم منه أنه أكبر مصارع لهم ليس فقط في الجزائر وإنما في فرنسا أيضاً. إنه يلاحقهم ويلاحقونه على مدار حياته وتقلباته في الأوطان والبلدان. لا مفر منهم أو من مواجهتهم لأنهم يشكلون آخر آيديولوجيا توتاليتارية عدوانية في العالم. إنهم يريدون تنميط المجتمع فكراً وسلوكاً من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه. وهم يفعلون ذلك من خلال فرض عقيدتهم الدوغمائية المتحجرة على الجميع، رجالاً ونساءً، شباناً وشيباً. ومن يحيد عنها قيد شعرة يعدّونه معادياً للإسلام. والأنكى من ذلك أنهم يعتقدون أن تفسيرهم الضيّق والمبتسر للإسلام هو الإسلام ذاته! ولا يخطر على بالهم أن الدين حمّال أوجه وأن تفسيرهم الخاص ليس إلا نقطة صغيرة في بحر الإسلام. فهناك لحسن الحظ تفسير آخر ممكن لتراث الإسلام العظيم غير تفسير الإخوان المسلمين. وهو تفسير أفضل وأعظم بما لا يقاس. وبالتالي فنحن أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما إسلام الأنوار وإما إسلام الإخوان. ولكم الخيار.
لماذا وضع محمد سيفاوي كلمة «تقية» العربية على عنوان كتابه؟ وهي كلمة لا يفهمها القارئ الفرنسي الذي لا يعرف العربية. لأنها تلخص تماماً الطريقة الماكرة لـ«الإخوان» المسلمين في التغلغل داخل مجتمع معين. فهم يقدمون أنفسهم في البداية على أساس أنهم وسطيون، معتدلون، محترمون، لا علاقة لهم بالحركات الجهادية المتطرفة. ولكن كل هذا تلبيس وتدليس ولبس لقبعات الإخفاء كما يقول المؤلف. إنهم يُظهرون وجهاً ناعماً أمام الشعب الفرنسي ويخفون وجههم الحقيقي الكالح لكي يستطيعوا التغلغل أكثر فأكثر داخل هذا المجتمع. هكذا نلاحظ أن شعارهم في الداخل والخارج كان ولا يزال هو هو: اتبعوا مذهب التقية. لا تُظهروا وجهكم الحقيقي فوراً لكيلا يرتعب الناس منكم. وإنما تمسكنوا قبل أن تتمكنوا! ولكن على عكس ما يظن بعض المثقفين الفرنسيين فإنهم لا يسعون إلى القفز على السلطة في فرنسا، فهذا شيء مستحيل ويتجاوز إمكانياتهم. ولكنهم يسعون إلى السيطرة على الجاليات العربية والإسلامية الضخمة العائشة داخل فرنسا. وهي تعد بالملايين. ولهذا السبب فإنهم يوزعون شخصياتهم على المناطق الفرنسية شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. على هذا النحو شكّل الإخوان المسلمون شبكة أخطبوطية طويلة عريضة تشمل الأراضي الفرنسية كلها تقريباً.
أخيراً نقول ما يلي: لا ينبغي ترك جالياتنا العربية الإسلامية فريسة لجماعات قطر وتركيا وتيار الإخوان المسلمين. وإنما ينبغي أن تستلمها تيارات التنوير العربي المتسامح التي جسدتها مشاريع مثل «وثيقة مكة المكرمة» التي أقامت المصالحة التاريخية بين الإسلام وبقية الأديان من جهة، ثم بين الإسلام والحداثة من جهة أخرى، و«وثيقة الأخوة الإنسانية» التي لقيت أصداء واسعة وأصبحت منهجاً رائعاً للتعاون والتعايش بين المسلمين وغير المسلمين في شتى أنحاء العالم، والدعوات إلى إصلاح فهم الدين ومصالحته مع العصر، عصر العلم والفلسفة التنويرية. زعماء الاعتدال والانفتاح والتنوير العرب هم الذين سيقصمون ظهر المشروع «الإخواني» الظلامي برمته.


مقالات ذات صلة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي
كتب لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي

رشا أحمد (القاهرة)

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».