الجزائري سيفاوي المصارع على جبهتين... {الإخوان} واليمين الشعبوي

صار واحداً من مثقفي الأضواء الإعلامية في فرنسا

غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان»  -  غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان» - غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
TT

الجزائري سيفاوي المصارع على جبهتين... {الإخوان} واليمين الشعبوي

غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان»  -  غلاف الكتاب الثاني «تقية!»
غلاف كتاب «حل واحد: التمرد والعصيان» - غلاف الكتاب الثاني «تقية!»

يعد محمد سيفاوي واحداً من أشهر الصحافيين الجزائريين المقيمين في فرنسا إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق. وهو من مواليد الجزائر عام 1967: أي لم يتجاوز الخمسين إلا قليلاً. وقد نشر عدة كتب أمّنت له شهرة واسعة. لكنّ شهرته لا تعود إلى نشر الكتب فقط وإنما إلى كونه أحد الوجوه التلفزيونية المعروفة. إنه مثقف الأضواء الإعلامية من أمثال برنارد هنري ليفي أو ميشيل أونفري أو حتى إريك زمور، عدوّه اللدود. وعندما تراه على الشاشة في هذا البرنامج السياسي أو ذاك يدهشك برجاحة عقله وصواب منطقه وقدرته الكبيرة على الإقناع. والواقع أنه يتمتع بشخصية متوازنة جداً وواثقة من نفسها تماما. بل إنه يبدو بحجمه الضخم نسبياً وقوة عضلاته وعرض منكبيه كأنه مصارع تلفزيوني من الدرجة الأولى! فهو جريء جداً ولا يتوانى عن الاقتحام والمخاطرة بنفسه إذا ما استدعت الضرورة ذلك. إنه واحد من أكبر مصارعي عصرنا الراهن لـ«الإخوان» المسلمين ولليمين الشعبوي المتطرف الفرنسي الذي يكره العرب والمسلمين. وهذا يعني أنه مصارع على جبهتين اثنتين لا جبهة واحدة: جبهة التطرف الفرنسي، وجبهة التطرف العربي.
سوف نتوقف هنا عند آخر كتابين ضخمين أصدرهما مؤخراً في العاصمة الفرنسية ألا وهما: «حل واحد: التمرد والعصيان»، والثاني هو «تقية! كيف يحاول الإخوان المسلمون اختراق فرنسا أو التغلغل فيها». فهما من أهم ما كتب.
في الكتاب الأول يروي لنا محمد سيفاوي قصة حياته الفكرية والسياسية في آن معاً. إنه عبارة عن سيرة ذاتية تبتدئ بالجزائر وتنتهي بفرنسا التي وصل إليها وهو في الثلاثين من عمره أو أكثر قليلاً. وهو كتاب سلس ممتع كمعظم كتب السيرة الذاتية الحميمية. ونفهم من كلامه أن معركته الأساسية كانت منذ الأساس مع الأصولية الظلامية التي دمّرت بلاده والتي توشك أن تدمر فرنسا ذاتها بل والعالم كله. يقول ما معناه: «صحيح أني جزائري وأعتز بجزائريتي ولكن عندما يتصرف شخص جزائري بشكل خاطئ فإني أوبّخه. صحيح أني مسلم أباً عن جد وأفتخر بإسلامي ولكن عندما يتصرف مسلم ما بشكل متعصب وطائفي وعدواني على الآخرين فإني أُدينه وأتبرأ منه. قناعاتي الفلسفية تنويرية: أي مع التسامح وضد التعصب من أي جهة جاء. فأنا أُدين اليمين المتطرف الفرنسي مثلما أُدين اليمين المتطرف الأصولي الإسلاموي سواء بسواء. إني أدافع عن القيم التنويرية الكونية التي تنطبق على جميع البشر وجميع الشعوب دون استثناء. فالناس الطيبون الأخيار موجودون في كل الشعوب والأديان وكذلك الناس الأشرار. وبالتالي فلا مبرر للطائفية ولا للعنصرية. فقد يكون الإنسان الأبيض من أحقر الناس والإنسان الأسود من أشرف الناس، والعكس صحيح أيضاً. وهذا يعني أنه ينبغي احترام الكرامة الإنسانية لأي شخص طيب ومستقيم بغضّ النظر عن أصله وفصله أو طائفته وعرقه ومذهبه».
ثم يعترف المؤلف بأن هذا الكتاب الضخم الذي يتجاوز الأربعمائة صفحة من القطع الكبير كان قد كلفه جهداً وعرقاً بل واستغرقت عملية كتابته سنة ونصف السنة. وهو كتاب ذاتي، جواني، داخلي. لماذا نقول ذلك؟ لأنه يروي الكثير من التفاصيل عن حياته الشخصية ويكشف الكثير من أسراره الذاتية. من هنا سر جاذبيته وإمتاعه. ولكنه كتاب موضوعي أيضاً لأنه يعالج القضية الأساسية التي تشغل عصرنا: أي الأصولية الجهادية المتطرفة. والواقع أن الكتاب يحتوي على معلومات هائلة وتحليلات تنويرية مضيئة عن قضايا أساسية: كالحرب الأهلية الجزائرية أو ما تدعى بالعشرية السوداء الرهيبة. كما يتحدث الكتاب أيضاً عن جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، وعن تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وعن حرب أفغانستان وكيفية تشكل التيار الجهادي هناك، إلخ... ولا ينسى المؤلف قضايا الشرق الأوسط الحساسة، وكذلك قضايا العالم العربي. كما يعطي رأيه في أشخاص من نوعية طارق رمضان، وإريك زمور، والروائي ميشيل ويلبيك، والعديد من المثقفين الفرنسيين الآخرين. وبالتالي فشيء ممتع ومشوق أن نعرف رأيه في كل هؤلاء ولماذا ينتقدهم أو يهاجمهم أحياناً... ونفهم من كلامه أنه مسلم علماني لا مسلم إخواني أو أصولي. وهذه بدهية. لماذا؟ لأن العلمانية في رأيه هي الحرية والتسامح ومعاداة الطائفية والتعصب. فالدولة العلمانية المتسامحة لا تفرق بين المتدين وغير المتدين ولا تفرق بين المسلم وغير المسلم سواء أكان مسيحياً أم يهودياً أم بوذياً، إلخ... فكلهم مواطنون من الدرجة الأولى وعلى ذات المستوى ولا يوجد أحد أفضل من أحد إلا إذا كان يخدم المجتمع والمصلحة العامة بشكل أفضل. على أي حال فإن المؤلف من أتباع الفلسفة التنويرية الإنسانية الكونية: أي فلسفة فولتير وروسو وكانط وبقية العباقرة. وبما أن العدو الأول لهذه القيم هم الإخوان المسلمون والجهاديون الدمويون فإنه يحاربهم ويتبرأ منهم ويعدّهم خطراً ماحقاً على العالم الإسلامي قبل العالم الغربي.
- استراتيجية الإخوان الظلامية
بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة دعونا نتحدث عن رأيه في الإخوان المسلمين الذين كرّس لهم كتابه الأخير الصادر قبل بضعة أشهر في العاصمة الفرنسية تحت عنوان: «تقية! كيف يحاول الإخوان المسلمون اختراق فرنسا أو التغلغل فيها». ونفهم منه أنه أكبر مصارع لهم ليس فقط في الجزائر وإنما في فرنسا أيضاً. إنه يلاحقهم ويلاحقونه على مدار حياته وتقلباته في الأوطان والبلدان. لا مفر منهم أو من مواجهتهم لأنهم يشكلون آخر آيديولوجيا توتاليتارية عدوانية في العالم. إنهم يريدون تنميط المجتمع فكراً وسلوكاً من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه. وهم يفعلون ذلك من خلال فرض عقيدتهم الدوغمائية المتحجرة على الجميع، رجالاً ونساءً، شباناً وشيباً. ومن يحيد عنها قيد شعرة يعدّونه معادياً للإسلام. والأنكى من ذلك أنهم يعتقدون أن تفسيرهم الضيّق والمبتسر للإسلام هو الإسلام ذاته! ولا يخطر على بالهم أن الدين حمّال أوجه وأن تفسيرهم الخاص ليس إلا نقطة صغيرة في بحر الإسلام. فهناك لحسن الحظ تفسير آخر ممكن لتراث الإسلام العظيم غير تفسير الإخوان المسلمين. وهو تفسير أفضل وأعظم بما لا يقاس. وبالتالي فنحن أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما إسلام الأنوار وإما إسلام الإخوان. ولكم الخيار.
لماذا وضع محمد سيفاوي كلمة «تقية» العربية على عنوان كتابه؟ وهي كلمة لا يفهمها القارئ الفرنسي الذي لا يعرف العربية. لأنها تلخص تماماً الطريقة الماكرة لـ«الإخوان» المسلمين في التغلغل داخل مجتمع معين. فهم يقدمون أنفسهم في البداية على أساس أنهم وسطيون، معتدلون، محترمون، لا علاقة لهم بالحركات الجهادية المتطرفة. ولكن كل هذا تلبيس وتدليس ولبس لقبعات الإخفاء كما يقول المؤلف. إنهم يُظهرون وجهاً ناعماً أمام الشعب الفرنسي ويخفون وجههم الحقيقي الكالح لكي يستطيعوا التغلغل أكثر فأكثر داخل هذا المجتمع. هكذا نلاحظ أن شعارهم في الداخل والخارج كان ولا يزال هو هو: اتبعوا مذهب التقية. لا تُظهروا وجهكم الحقيقي فوراً لكيلا يرتعب الناس منكم. وإنما تمسكنوا قبل أن تتمكنوا! ولكن على عكس ما يظن بعض المثقفين الفرنسيين فإنهم لا يسعون إلى القفز على السلطة في فرنسا، فهذا شيء مستحيل ويتجاوز إمكانياتهم. ولكنهم يسعون إلى السيطرة على الجاليات العربية والإسلامية الضخمة العائشة داخل فرنسا. وهي تعد بالملايين. ولهذا السبب فإنهم يوزعون شخصياتهم على المناطق الفرنسية شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. على هذا النحو شكّل الإخوان المسلمون شبكة أخطبوطية طويلة عريضة تشمل الأراضي الفرنسية كلها تقريباً.
أخيراً نقول ما يلي: لا ينبغي ترك جالياتنا العربية الإسلامية فريسة لجماعات قطر وتركيا وتيار الإخوان المسلمين. وإنما ينبغي أن تستلمها تيارات التنوير العربي المتسامح التي جسدتها مشاريع مثل «وثيقة مكة المكرمة» التي أقامت المصالحة التاريخية بين الإسلام وبقية الأديان من جهة، ثم بين الإسلام والحداثة من جهة أخرى، و«وثيقة الأخوة الإنسانية» التي لقيت أصداء واسعة وأصبحت منهجاً رائعاً للتعاون والتعايش بين المسلمين وغير المسلمين في شتى أنحاء العالم، والدعوات إلى إصلاح فهم الدين ومصالحته مع العصر، عصر العلم والفلسفة التنويرية. زعماء الاعتدال والانفتاح والتنوير العرب هم الذين سيقصمون ظهر المشروع «الإخواني» الظلامي برمته.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.