المأساة الجماعية والهم الفردي في أعمال فلسطينية

الغالبية روت «نكبتها».. وقليلون التفتوا إلى الحكايات الفردية

من كاريكاتير ناجي العلي ... و إميل حبيبي
من كاريكاتير ناجي العلي ... و إميل حبيبي
TT

المأساة الجماعية والهم الفردي في أعمال فلسطينية

من كاريكاتير ناجي العلي ... و إميل حبيبي
من كاريكاتير ناجي العلي ... و إميل حبيبي

في أواخر القرن الماضي، منحت بلدية حيفا رجل أعمال من تل أبيب رخصة بناء عمارة شاهقة فوق منزل متهالك مؤلف من طابقين، تعود ملكيته لأسرة عربية. لدى توجه مالك المنزل، إيلي، إلى مقر البلدية لتصحيح ما بدا له خطأ، إذ ليس لأحد الحق في التعدي على أملاكه الخاصة، فوجئ بالموظف يخبره أن صك الملكية الذي لديه يعطيه فقط حق التصرف بالأرض التي يقع عليها المنزل، أما الفضاء الشاسع الممتد فوقه فتعود ملكيته إلى السلطات، التي بدورها باعت «حقوق ملكية الهواء» لرجل الأعمال ذاك! فما كان من إيلي، أمام هذا الواقع «الكافكاوي» إلا أن أعلن استسلامه، ومن يومها ما انفك يتلو قصته على مسامع أصدقائه الغارقين في بحر من الضحك.
قلّما تتطرق وسائل الإعلام، أو حتى الكتاب والفنانون، لمجريات الحياة اليومية داخل الأراضي الفلسطينية، من دون أن تستحضر الظرف التاريخي لتلك البقعة الجغرافية، والمتمثل بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. فالصورة عن الواقع هناك يحكمها منظور مسيّس يختلف باختلاف الميول الآيديولوجية لصاحبها. لذلك غالبا ما تبدو الشخصية الفلسطينية أحادية الجانب، تتمحور جلّ اهتماماتها حول الصراع. لكن أن يكون المرء فلسطينيا، لا يعني ذلك أن تدور حياته فقط حول مقارعة الاحتلال وفضح جرائمه، إن كان في الداخل، أو الحنين إلى فردوسه المفقود، إن كان في الشتات. فالهوية الفلسطينية ليست كتلة مصمتة متماثلة التجارب والخبرات، ولا بد أن لكل واحد من منتسبيها همومه الشخصية بمعزل عن الإطار الجمعي للمأساة الفلسطينية. صحيح لا يمكن تجاهل 6 عقود من الظلم والإجحاف، ولكن في نهاية الأمر، يبقى للفلسطيني، كغيره من بني البشر، أحلامه وانكساراته الخاصة. فالإعراض عن التطرق لمثل هذه الجوانب الفردية يهدد بخلق صورة مبتسرة تحجب الذات الفلسطينية أكثر مما تكشف ملامحها ومزاياها.
حمى تجاهل الجوانب الفردية أصابت حتى الفلسطينيين العاديين أنفسهم، إذ قلما نراهم يتحدثون عن نكبتهم على المستوى الشخصي، خارج الإطار الجمعي لنكبتهم كشعب. وتعتقد المعمارية الفلسطينية سعاد العامري: «انه لا يوجد بين الفلسطينيين من يتحدث بحسرة وألم عن فقدانه لممتلكاته الشخصية، كغرفة النوم، والحديقة، والسيارة، على سبيل المثال، بقدر ما يتحدث عن النكبة بسياقها الجمعي المتمثل باقتلاع شعب كامل من وطنه.
في كتابها الجديد «غولدا نامت هنا»، الصادر بالإنجليزية في أكتوبر (تشرين الأول)عن دار «بلومزبري قطر»، تقول صاحبة «شارون وحماتي»: «أكثر ما يدهشني هو أننا، كشعب، لم نكف عن رواية قصة طردنا الجماعي خارج فلسطين، لكن بطريقة ما يشعر الفرد الفلسطيني بالخجل من أن يروي قصته الشخصية حول طرده من منزله وغرفة جلوسه وغرفة نومه» (ص 172).
لذلك تأخذ العامري على عاتقها، في كتابها الذي يقع في 200 صفحة، تناول 5 شخصيات فلسطينية واقعية، مثل إيلي، كل منها يتحدث عن ذكرياته حول المنزل الذي فقده، إما خلال النكبة أو النكسة. يعرض الكتاب رؤية بانورامية عن الإنسان الفلسطيني، إذ تتراوح ردود فعل الشخصيات تجاه الفقد بين التسليم (إيلي)، والضحك الهستيري (أنضوني برامكي)، والإصرار على عدم فقدان الأمل (هدى).
يمتاز الكتاب باقتناصه لـ«عادية» الإنسان الفلسطيني، إذ يقدم صورة مباينة لما هو سائد حول «خوارقية» هذا الشعب. فبدلا من أن نقرأ عن شخصيات تتمثل أرفع قيم البطولة والتضحية والصمود، نصادف أشخاصا عاديين، إما يبكون مساكن فقدوها، أو تكتويهم نيران الحنين إلى ذكريات عائلية ما عاد من الممكن تكرارها، ولكن من دون أن يصرفهم ذلك عن الاستمتاع بتفاصيل حياتهم اليومية.
«غولدا نامت هنا» لا يحتفي بفلسطين كمكان جمعي شاهد على مأساة شعب، بقدر ما يذكرنا بأن للفلسطيني أيضا مأساته الفردية المنفصلة عن السياق السياسي للصراع. وما استخدام اسم الإشارة للمكان القريب «هنا» في عنوان الكتاب إلا للدلالة على خصوصية الطرح.
أسلوب الكتاب يتنوع ما بين النثر والشعر والمونولوج، والقصص الـ5 التي ينطوي عليها، بعضها لا يُصدق، لا بل أحيانا يقترب من لا معقولية وعبثية أعمال فرانز كافكا، من أمثال «المحاكمة» و«القلعة»، وهو أمر غير مألوف في الأعمال التي تعالج الواقع الفلسطيني. لذلك ليس من المستغرب أن يجد القارئ نفسه مضطرا، ولو خلال الـ20 صفحة الأولى على الأقل، لاستشارة محرك البحث «غوغل» للتأكد ما إذا كان الكتاب، بشخوصه ومجريات أحداثه، يعالج قضايا واقعية وليس من نسج الخيال. ولكن ليس كل سائد يخلو بالضرورة من الخيال.
هذا يعيدنا إلى نموذجين، أحدهما مستخلص من فن الكاريكاتير والآخر من جنس الرواية، يلقيان الضوء على اتجاهين رئيسيين في تجسيد صورة الفرد الفلسطيني وموقعه في سياق صراعه مع الإسرائيلي.
النموذج الأول، الذي يمثل المسار الغالب طبعا، هو «حنظلة»، تلك الشخصية «الأيقونة» التي صاغتها ريشة ناجي العلي تعبيرا عن الذات الفلسطينية المقاومة للاحتلال داخل فلسطين، أو تلك التائقة إلى العودة إليها. فحنظلة، بظهره المدار للقارئ ويديه المعقودتين إلى الخلف، بات أبلغ تعبير عن الرفض القاطع لأي مساومة على القضية الفلسطينية. هو ذلك الفلسطيني الذي لا شغل له سوى تذكير محيطه بمأساة شعبه. لذلك لم يكن ناجي العلي معنيا بالكشف عن خصائص شخصيته بقدر ما كان راغبا في توكيد حالة جمعية تؤطرها ملامح آيديولوجية خاضعة لمحددات زمانية ومكانية.
يقول ناجي العلي على لسان حنظلة: «عزيزي القارئ، اسمح لي أن أقدم لك نفسي.. أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا.. اسمي: حنظلة، اسم أبي مش ضروري، أمي.. اسمها نكبة، وأختي الصغيرة فاطمة.. نمرة رجلي: ما بعرف لأني دايما حافي.«
كما هو جلي من صورته، يقدم حنظلة الحد الأدنى من المعلومات حول شخصيته، لا اسم أب أو أم يميزه عن غيره، حتى نمرة حذائه غير معلومة. وهذا أمر طبيعي، إذ لا وجود لحنظلة من دون القضية، هو انعكاس لظرفية تاريخية متمثلة بالصراع.
على النقيض من حنظلة، يقف «سعيد أبي النحس المتشائل»، الشخصية الفريدة التي ابتكرها إميل حبيبي في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» وباتت واحدة من كلاسيكيات السرد الفلسطيني. هناك سيل جارف من التفاصيل التي تدور حول حياة سعيد ومغامراته الشخصية، مع إشارات عابرة هنا وهناك للواقع السياسي والظرف التاريخي للمنطقة. كل ذلك من خلال نبرة هجائية ساخرة تدفع القارئ إلى البكاء ضحكا من شدة عبثية المشهد الفلسطيني.
يقول سعيد مقدما نفسه للقارئ: «اسمي، وهو سعيد أبو النحس المتشائل، يطابق رسمي مخلقا منطقا. وعائلة المتشائل عائلة عريقة نجيبة في بلادنا. يرجع نسبها إلى جارية قبرصية من حلب لم يجد تيمورلنك لرأسها مكانا في هرم الجماجم المحزوزة.. فأرسلها مع أحد قواده إلى بغداد لتغتسل فتنتظر عودته. فاستغفلته، وفرت مع أعرابي من عرب التويسات، اسمه أبجر، فطلقها حين وجدها تخونه مع الرغيف بن أبي عمرة، من غور الجفتلك، الذي طلقها في بير السبع. وظل جدودنا يطلقون جداتنا حتى حطت بنا الرحال في بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر، قيل إنه عكاء، فإلى حيفاء على الشاطئ المقابل من البسيط. وبقينا مطلاقين حتى قامت الدولة. وبعد النحس الأول، في سنة 1948. تبعثر أولاد عائلتنا أيدي عرب، واستوطنوا جميع بلاد العرب التي لما يجر احتلالها. فلي ذوو قربى يعملون في بلاط آل رابع في ديوان الترجمة من الفارسية وإليها. وواحد تخصص بإشعال السجائر لعاهل آخر، وكان منا نقيب في سوريا، ومهيب في العراق، وعماد في لبنان. إلا أنه مات بالسكتة يوم إفلاس بنك أنترا» (ص 18 - 19).
حبيبي لا يكتفي بإمطارنا بوابل من التفاصيل عن سعيد فحسب، وإنما يوسع دائرة المعلومات المحيطة بشخصيته لتمتد إلى أبعد أجداده. يجعل حبيبي من سعيد مركز ثقل ومحور دوران العملية السردية، بينما يسكب ناجي العلي منظوره للصراع في قالب بصري يطلق عليه اسم حنظلة. وعليه يمكن القول إن مأساة سعيد كفرد تأخذ الأسبقية على مأساة الجماعة، أما مأساة حنظلة فتبدأ وتنتهي في مأساة شعبه.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.