نابوكوڤ مؤلف رواية «لوليتا» يكتب إلى زوجته ڤيرا

رسائل في 600 صفحة تلقي أضواء جديدة على حياته واهتماماته

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

نابوكوڤ مؤلف رواية «لوليتا» يكتب إلى زوجته ڤيرا

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

«صحوت من النوم فوجدتني مشهورا».. عبارة قالها الشاعر الرومانتيكي الإنجليزي اللورد بايرون في مطلع القرن التاسع عشر عقب نشر قصيدته المسماة «أسفار تشايلد هارولد» (1812)، ولا تصدق هذه المقولة على أحد من أدباء القرن العشرين قدر ما تصدق على الروائي الروسي المولد ڤلاديمير نابوكوڤ (1899 - 1977).
كان نابوكوڤ مهاجرا تركت أسرته روسيا إلى أوروبا عقب قيام ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية. استقر أبواه أولا في ألمانيا، ودرس الابن اللغة الفرنسية والأدب الروسي بجامعة كمبريدج بإنجلترا قبل أن ينتقل للعيش في برلين (1937 - 1940) ويكتب رواياته وشعره باللغة الروسية في أغلب الأحيان. وفي 1940 هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية (حصل فيما بعد على جنسيتها في 1945) أستاذا للأدب الروسي بجامعة كورنيل. ومنذ ذلك الحين أصبح يكتب كل رواياته باللغة الإنجليزية. وما لبثت روايته المسماة «لوليتا» أن ظهرت في باريس عام 1955، فإذا به بين عشية وضحاها يغدو حديث النقاد والجمهور. وحظر تداول الرواية زمنا إلى أن أفرج عنها وأصبحت الآن تعد من كلاسيات الفن الروائي في القرن العشرين.
واليوم يظهر كتاب عنوانه «رسائل إلى ڤيرا» Letters to Véra يضم رسائل نابوكوڤ Vladimir Nabokov عن سلسلة «كلاسيات بنجوين» في أكثر من 600 صفحة، يضم رسائله إلى زوجته ويلقي أضواء مهمة على هذا الأديب الذي كانت أبرز اهتماماته في الحياة ثلاثة: الأدب، ولعب الشطرنج، ودراسة الفراشات والعثة.
ومن المفارقات أن المخرج الأميركي ستانلي كوبريك طلب من نابوكوڤ أن يكتب سيناريو «لوليتا» كي يحول الرواية إلى فيلم، ولكن كوبريك لم يرض عن سيناريو المؤلف، وعهد إلى آخر بكتابة السيناريو الذي نراه الآن مجسدا على الشاشة منذ عام 1962.
التقى نابوكوڤ بڤيرا سلونيم لأول مرة في مطلع مايو 1923 في حفلة خيرية راقصة في برلين، كان وقتها شاعرا يكتب باسم مستعار هو «سيرين» عندما تقدمت إليه فتاة ترتدي قناعا أسود (كانت حفلة تنكرية) وعبرت عن إعجابها بشعره الذي راحت تتلوه من الذاكرة، كان طبيعيا عند ذلك أن ينبهر بها، وعقب الحفلة خرجا يتمشيان في الشوارع حتى ساعة متأخرة من الليل، هكذا كان أول لقاء بينهما متسما بطابع المفارقة، كما يلاحظ الناقد دنكان هوايت: مشروع حب بين فتاة متنكرة وشاب يكتب تحت اسم مستعار!
بعد هذا اللقاء بوقت قصير رحل نابوكوڤ إلى جنوب فرنسا، اشتغل عاملا في مزرعة آملا أن يساعده العمل اليدوي الشاق على نسيان همومه: فقد قتل أبوه – وكان ينتمي إلى حزب ديمقراطي التوجه – في العام السابق وهو يحاول أن يحمي خصما سياسيا من الاغتيال، وكان محطم القلب؛ إذ تخلت عنه خطيبته التي رأى أبواها أنه لا ينتظره مستقبل طيب، وأقنعاها بفسخ الخطبة.
ظل لقاؤه بڤيرا ماثلا في ذاكرته، ومن فرنسا نظم قصيدة تصور الالتقاء بامرأة غامضة ترتدي قناعا على جسر فوق قناة، تقوم على جانبيه أشجار الكستناء، ونشر القصيدة في مجلة كان يعرف أنها من قرائها. وبعد ذلك بشهر كتب إليها أول رسالة منه يقول فيها إنه ليس معتادا على أن يتذوق أحد شعره، ولكنها – بلمسة واحدة منها – جعلته يحس بالثقة فيما يكتب.
لم يكن نابوكوڤ مخطئا حين كتب هذا، فقد كانت هذه بداية واحدة من أطول الشراكات في تاريخ الأدب، لقد ظلت ڤيرا – حتى موته في 1977 – حبيبته، وزوجته، وأم ابنه، ومعدة كتاباته للنشر، والباحثة التي تزوده بما يريد، ومترجمة أعماله إلى اللغات الأخرى، ومديرة شؤونه، ونصيرته، وحاميته، ومعاونته في الكتابة، شاركته حبه للصيد وتصنيف أنواع الفراشات. وحين ملأت إقرارها الضريبي في أميركا كتبت في خانة المهنة: «مساعدته». وحين قرر – في لحظة غضب ويأس – أن يحرق مخطوط رواية «لوليتا» أنقذت الرواية من أن تغدو طعمة للنيران. وقد سجل نابوكوڤ أنه رأى حلما كان فيه يعزف على البيانو بينما هي تقلب صفحات النوتة الموسيقية له.
صنعت ڤيرا ذلك كله بإنكار كامل للذات، وحتى قبل أن تلتقي به كانت تؤمن – من قراءتها لأعماله – بأنه أعظم كتاب جيله، وضحت بأي مطامح أدبية شخصية لها (كانت قد نشرت عدة ترجمات منظومة في مطلع عشرينات القرن الماضي) كي تكرس ذاتها لتحقيق مطامحه.
ورسائل نابوكوڤ التي تظهر الآن لأول مرة – مترجمة من الروسية إلى الإنجليزية بأقلام أولغا ڤورونينا وبرايان بويد – تكشف عن تطور موهبته. وكان ابن نابوكوڤ – المدعو ديمتري – قد شارك في المراحل الأولى لإعداد هذا المجلد قبل أن تتدهور صحته ويتوفى في 2012.
إن نابوكوڤ يكتب هنا لأول وأهم قارئة له، ولكن المجلد لا يحوي للأسف ردود ڤيرا على خطاباته، فقد كانت حريصة على خصوصية علاقتهما إلى الحد الذي يجعلها تدمر كل رسائلها إليه، لقد كانت تشعر بأن كلماته هي وحدها الجديرة بالبقاء.
إن رسائل نابوكوڤ إليها في عشرينات القرن العشرين تسجل خطبه لودها وسنوات زواجهما السعيدة الأولى، أما أغلب الرسائل فمكتوبة في الفترة ما بين منتصف وأواخر عقد الثلاثينات حين كان نابوكوڤ بعيدا عنها يقضي أسابيع وأحيانا شهورا في باريس أو بروكسل أو لندن باحثا عن وظيفة ذات دخل يمكنه من إخراج أسرته من ألمانيا النازية. وفي مطلع الأربعينات اضطر للابتعاد عن زوجته حين اشتغل محاضرا في الولايات المتحدة الأميركية.
وأولى هذه الرسائل هي أغناها وأكثرها شاعرية، فنحن نراه هنا شاعرا شابا عاشقا ينادي محبوبته بمختلف أسماء التدليل، وهو أيضا يكتشف قدراته في كتابة النثر، ويجرب وقع كتاباته على قارئته، ومن جنوب فرنسا حيث قضى فصل الصيف، يكتب لها قائلا: «إنك الشخص الوحيد الذي أستطيع أن أتكلم معه عن ظل سحابة أو عن أغنية فكرة وعن كيف أنني عندما خرجت للعمل اليوم ونظرت وجها لوجه إلى زهرة عباد شمس طويلة ابتسمت لي بكل بذورها».
غدت ڤيرا هي جمهوره وترمومتره الجمالي، يقول في خطاب آخر: «لست أستطيع أن أكتب كلمة دون أن أسمع الطريقة التي ستنطقينها بها»، وفي رسالة ثالثة: «لا أستطيع أن أتحدث عن هذا كله مع أحد غيرك».
وفي السنوات التي سبقت نشر أول رواية له، وعنوانها «ماري»، في 1926 نجده يبلور أفكاره عن الفن والأدب: «لقد أصبحت، على نحو متزايد، راسخ الاقتناع بأن الفن هو الأمر الوحيد المهم في الحياة، وإنني على استعداد لأن أتحمل عذابا كذلك الذي يوقعه الصينيون بأعدائهم في سبيل أن أقع على نعت واحد موفق»، ويعيد قراءة رواية الروائي الفرنسي فلوبير «مدام بوڤاري» واصفا إياها، على نحو لعله لا يخلو من مبالغة، بأنها «ألمع رواية في الأدب العالمي».
ورسائله في السنوات التي تلت ذلك أقرب إلى طابع كتاباته الروائية، وذلك حين يكتب من فرايبورغ بألمانيا واصفا الأبقار، أو يكتب من مقاطعة كنت بإنجلترا واصفا الأغنام. وفي مترو أنفاق لندن يصف السلالم الكهربائية المتحركة بأنها تصعد «مثل شلال حديدي». وفي ﭙاريس يتوقف ليصف برج إيفل.
وفي عقد الثلاثينات تغدو الرسائل أقرب إلى الطابع العملي؛ إذ يبحث نابوكوڤ عن عمل في باريس ولندن، ويسعى إلى استخراج جواز سفر، ويلاحق رؤساء التحرير والناشرين. ويذكر نابوكوڤ أن الأديب الآيرلندي جيمس غويس حضر إحدى القراءات التي قدمها نابوكوڤ من أعماله في 1937. ويصف غويس بأنه «أطول قامة مما كنت أظن، له نظرة محدقة مروعة كالرصاص». وكان نابوكوڤ يعد رواية غويس «يوليسيس» واحدة من أعظم 4 أعمال قصصية في القرن العشرين (الأعمال الأخرى هي في رأيه: النصف الأول من رواية الروائي الفرنسي مارسيل بروست «بحثا عن الزمن المفقود»، وقصة الروائي التشيكي كافكا «المسخ»، ورواية الشاعر والروائي الروسي أندريه بلاي المسماة «بطرسبرغ»)، ولكن ما أثار اهتمامه في هذه المناسبة هو حالة غويس البصرية: «إنه لا يستطيع أن يبصر البتة بإحدى عينيه، بينما بؤبؤ العين الأخرى (الذي يصوبه إليك بطريقة خاصة، لأنه لا يستطيع أن يديره) قد حل محله ثقب، وكان عليهم أن يجروا له 6 جراحات قبل أن يتمكنوا من ثقب البؤبؤ دون أن يحدثوا له نزيفا. ومن المعروف أن غويس، في أواخر أيامه، أصيب بالعمى الكامل.
ويصف نابوكوڤ غداء حضره مع الروائي الإنجليزي ھ. ج. ويلز، وجنازة الأديب الروسي زامياتين صاحب رواية «نحن» التي تعد من أول الكوابيس العلمية (مثل رواية أولدس هاكسلي «عالم جديد جميل» أو رواية ﭼورچ أورويل «1984»)، وكيف أنه في الجنازة سار بجوار القاص الروسي إيڤان بونين الذي بدا مثل «سلحفاة عجوز ضامرة»، «وقد قال لي بصوت كالفحيح، وكان مخمورا، إنه (أي بونين) يتوقع أن يموت وحيدا وفي غمرة عذاب أليم»، كذلك تكشف الرسائل عن أن نابوكوڤ لم يكن يحسن الظن بأدب المرأة الذي تنتجه الكاتبات.
وآخر هذه الرسائل مكتوبة من ثاورمينا في إيطاليا عام 1970، يعبر نابوكوڤ هنا عن سعادته بفخامة الفندق الذي ينزل فيه، وإن شكا من وجود عدد كبير من الألمان هناك، وفيما بعد أقام مع ڤيرا في فندق منتروبالاس بسويسرا ابتداء من عام 1966. وتولت ڤيرا مسؤولية مراسلاته كلها، وساعدته على رسم صورته العامة أمام الناس. صار معروفا بكبريائه إلى حد الصلف، وردوده المفحمة على من لا يروقه كلامهم. والأمر، كما يقول دنكان هوايت، إن «الشابة الغامضة التي كانت ترتدي قناعا في تلك الحفلة التنكرية – منذ 50 عاما – قد ساعدت زوجها على أن يرتدي قناعا بعد أن تسنم قمة المجد الأدبي!».



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».