نابوكوڤ مؤلف رواية «لوليتا» يكتب إلى زوجته ڤيرا

رسائل في 600 صفحة تلقي أضواء جديدة على حياته واهتماماته

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

نابوكوڤ مؤلف رواية «لوليتا» يكتب إلى زوجته ڤيرا

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

«صحوت من النوم فوجدتني مشهورا».. عبارة قالها الشاعر الرومانتيكي الإنجليزي اللورد بايرون في مطلع القرن التاسع عشر عقب نشر قصيدته المسماة «أسفار تشايلد هارولد» (1812)، ولا تصدق هذه المقولة على أحد من أدباء القرن العشرين قدر ما تصدق على الروائي الروسي المولد ڤلاديمير نابوكوڤ (1899 - 1977).
كان نابوكوڤ مهاجرا تركت أسرته روسيا إلى أوروبا عقب قيام ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية. استقر أبواه أولا في ألمانيا، ودرس الابن اللغة الفرنسية والأدب الروسي بجامعة كمبريدج بإنجلترا قبل أن ينتقل للعيش في برلين (1937 - 1940) ويكتب رواياته وشعره باللغة الروسية في أغلب الأحيان. وفي 1940 هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية (حصل فيما بعد على جنسيتها في 1945) أستاذا للأدب الروسي بجامعة كورنيل. ومنذ ذلك الحين أصبح يكتب كل رواياته باللغة الإنجليزية. وما لبثت روايته المسماة «لوليتا» أن ظهرت في باريس عام 1955، فإذا به بين عشية وضحاها يغدو حديث النقاد والجمهور. وحظر تداول الرواية زمنا إلى أن أفرج عنها وأصبحت الآن تعد من كلاسيات الفن الروائي في القرن العشرين.
واليوم يظهر كتاب عنوانه «رسائل إلى ڤيرا» Letters to Véra يضم رسائل نابوكوڤ Vladimir Nabokov عن سلسلة «كلاسيات بنجوين» في أكثر من 600 صفحة، يضم رسائله إلى زوجته ويلقي أضواء مهمة على هذا الأديب الذي كانت أبرز اهتماماته في الحياة ثلاثة: الأدب، ولعب الشطرنج، ودراسة الفراشات والعثة.
ومن المفارقات أن المخرج الأميركي ستانلي كوبريك طلب من نابوكوڤ أن يكتب سيناريو «لوليتا» كي يحول الرواية إلى فيلم، ولكن كوبريك لم يرض عن سيناريو المؤلف، وعهد إلى آخر بكتابة السيناريو الذي نراه الآن مجسدا على الشاشة منذ عام 1962.
التقى نابوكوڤ بڤيرا سلونيم لأول مرة في مطلع مايو 1923 في حفلة خيرية راقصة في برلين، كان وقتها شاعرا يكتب باسم مستعار هو «سيرين» عندما تقدمت إليه فتاة ترتدي قناعا أسود (كانت حفلة تنكرية) وعبرت عن إعجابها بشعره الذي راحت تتلوه من الذاكرة، كان طبيعيا عند ذلك أن ينبهر بها، وعقب الحفلة خرجا يتمشيان في الشوارع حتى ساعة متأخرة من الليل، هكذا كان أول لقاء بينهما متسما بطابع المفارقة، كما يلاحظ الناقد دنكان هوايت: مشروع حب بين فتاة متنكرة وشاب يكتب تحت اسم مستعار!
بعد هذا اللقاء بوقت قصير رحل نابوكوڤ إلى جنوب فرنسا، اشتغل عاملا في مزرعة آملا أن يساعده العمل اليدوي الشاق على نسيان همومه: فقد قتل أبوه – وكان ينتمي إلى حزب ديمقراطي التوجه – في العام السابق وهو يحاول أن يحمي خصما سياسيا من الاغتيال، وكان محطم القلب؛ إذ تخلت عنه خطيبته التي رأى أبواها أنه لا ينتظره مستقبل طيب، وأقنعاها بفسخ الخطبة.
ظل لقاؤه بڤيرا ماثلا في ذاكرته، ومن فرنسا نظم قصيدة تصور الالتقاء بامرأة غامضة ترتدي قناعا على جسر فوق قناة، تقوم على جانبيه أشجار الكستناء، ونشر القصيدة في مجلة كان يعرف أنها من قرائها. وبعد ذلك بشهر كتب إليها أول رسالة منه يقول فيها إنه ليس معتادا على أن يتذوق أحد شعره، ولكنها – بلمسة واحدة منها – جعلته يحس بالثقة فيما يكتب.
لم يكن نابوكوڤ مخطئا حين كتب هذا، فقد كانت هذه بداية واحدة من أطول الشراكات في تاريخ الأدب، لقد ظلت ڤيرا – حتى موته في 1977 – حبيبته، وزوجته، وأم ابنه، ومعدة كتاباته للنشر، والباحثة التي تزوده بما يريد، ومترجمة أعماله إلى اللغات الأخرى، ومديرة شؤونه، ونصيرته، وحاميته، ومعاونته في الكتابة، شاركته حبه للصيد وتصنيف أنواع الفراشات. وحين ملأت إقرارها الضريبي في أميركا كتبت في خانة المهنة: «مساعدته». وحين قرر – في لحظة غضب ويأس – أن يحرق مخطوط رواية «لوليتا» أنقذت الرواية من أن تغدو طعمة للنيران. وقد سجل نابوكوڤ أنه رأى حلما كان فيه يعزف على البيانو بينما هي تقلب صفحات النوتة الموسيقية له.
صنعت ڤيرا ذلك كله بإنكار كامل للذات، وحتى قبل أن تلتقي به كانت تؤمن – من قراءتها لأعماله – بأنه أعظم كتاب جيله، وضحت بأي مطامح أدبية شخصية لها (كانت قد نشرت عدة ترجمات منظومة في مطلع عشرينات القرن الماضي) كي تكرس ذاتها لتحقيق مطامحه.
ورسائل نابوكوڤ التي تظهر الآن لأول مرة – مترجمة من الروسية إلى الإنجليزية بأقلام أولغا ڤورونينا وبرايان بويد – تكشف عن تطور موهبته. وكان ابن نابوكوڤ – المدعو ديمتري – قد شارك في المراحل الأولى لإعداد هذا المجلد قبل أن تتدهور صحته ويتوفى في 2012.
إن نابوكوڤ يكتب هنا لأول وأهم قارئة له، ولكن المجلد لا يحوي للأسف ردود ڤيرا على خطاباته، فقد كانت حريصة على خصوصية علاقتهما إلى الحد الذي يجعلها تدمر كل رسائلها إليه، لقد كانت تشعر بأن كلماته هي وحدها الجديرة بالبقاء.
إن رسائل نابوكوڤ إليها في عشرينات القرن العشرين تسجل خطبه لودها وسنوات زواجهما السعيدة الأولى، أما أغلب الرسائل فمكتوبة في الفترة ما بين منتصف وأواخر عقد الثلاثينات حين كان نابوكوڤ بعيدا عنها يقضي أسابيع وأحيانا شهورا في باريس أو بروكسل أو لندن باحثا عن وظيفة ذات دخل يمكنه من إخراج أسرته من ألمانيا النازية. وفي مطلع الأربعينات اضطر للابتعاد عن زوجته حين اشتغل محاضرا في الولايات المتحدة الأميركية.
وأولى هذه الرسائل هي أغناها وأكثرها شاعرية، فنحن نراه هنا شاعرا شابا عاشقا ينادي محبوبته بمختلف أسماء التدليل، وهو أيضا يكتشف قدراته في كتابة النثر، ويجرب وقع كتاباته على قارئته، ومن جنوب فرنسا حيث قضى فصل الصيف، يكتب لها قائلا: «إنك الشخص الوحيد الذي أستطيع أن أتكلم معه عن ظل سحابة أو عن أغنية فكرة وعن كيف أنني عندما خرجت للعمل اليوم ونظرت وجها لوجه إلى زهرة عباد شمس طويلة ابتسمت لي بكل بذورها».
غدت ڤيرا هي جمهوره وترمومتره الجمالي، يقول في خطاب آخر: «لست أستطيع أن أكتب كلمة دون أن أسمع الطريقة التي ستنطقينها بها»، وفي رسالة ثالثة: «لا أستطيع أن أتحدث عن هذا كله مع أحد غيرك».
وفي السنوات التي سبقت نشر أول رواية له، وعنوانها «ماري»، في 1926 نجده يبلور أفكاره عن الفن والأدب: «لقد أصبحت، على نحو متزايد، راسخ الاقتناع بأن الفن هو الأمر الوحيد المهم في الحياة، وإنني على استعداد لأن أتحمل عذابا كذلك الذي يوقعه الصينيون بأعدائهم في سبيل أن أقع على نعت واحد موفق»، ويعيد قراءة رواية الروائي الفرنسي فلوبير «مدام بوڤاري» واصفا إياها، على نحو لعله لا يخلو من مبالغة، بأنها «ألمع رواية في الأدب العالمي».
ورسائله في السنوات التي تلت ذلك أقرب إلى طابع كتاباته الروائية، وذلك حين يكتب من فرايبورغ بألمانيا واصفا الأبقار، أو يكتب من مقاطعة كنت بإنجلترا واصفا الأغنام. وفي مترو أنفاق لندن يصف السلالم الكهربائية المتحركة بأنها تصعد «مثل شلال حديدي». وفي ﭙاريس يتوقف ليصف برج إيفل.
وفي عقد الثلاثينات تغدو الرسائل أقرب إلى الطابع العملي؛ إذ يبحث نابوكوڤ عن عمل في باريس ولندن، ويسعى إلى استخراج جواز سفر، ويلاحق رؤساء التحرير والناشرين. ويذكر نابوكوڤ أن الأديب الآيرلندي جيمس غويس حضر إحدى القراءات التي قدمها نابوكوڤ من أعماله في 1937. ويصف غويس بأنه «أطول قامة مما كنت أظن، له نظرة محدقة مروعة كالرصاص». وكان نابوكوڤ يعد رواية غويس «يوليسيس» واحدة من أعظم 4 أعمال قصصية في القرن العشرين (الأعمال الأخرى هي في رأيه: النصف الأول من رواية الروائي الفرنسي مارسيل بروست «بحثا عن الزمن المفقود»، وقصة الروائي التشيكي كافكا «المسخ»، ورواية الشاعر والروائي الروسي أندريه بلاي المسماة «بطرسبرغ»)، ولكن ما أثار اهتمامه في هذه المناسبة هو حالة غويس البصرية: «إنه لا يستطيع أن يبصر البتة بإحدى عينيه، بينما بؤبؤ العين الأخرى (الذي يصوبه إليك بطريقة خاصة، لأنه لا يستطيع أن يديره) قد حل محله ثقب، وكان عليهم أن يجروا له 6 جراحات قبل أن يتمكنوا من ثقب البؤبؤ دون أن يحدثوا له نزيفا. ومن المعروف أن غويس، في أواخر أيامه، أصيب بالعمى الكامل.
ويصف نابوكوڤ غداء حضره مع الروائي الإنجليزي ھ. ج. ويلز، وجنازة الأديب الروسي زامياتين صاحب رواية «نحن» التي تعد من أول الكوابيس العلمية (مثل رواية أولدس هاكسلي «عالم جديد جميل» أو رواية ﭼورچ أورويل «1984»)، وكيف أنه في الجنازة سار بجوار القاص الروسي إيڤان بونين الذي بدا مثل «سلحفاة عجوز ضامرة»، «وقد قال لي بصوت كالفحيح، وكان مخمورا، إنه (أي بونين) يتوقع أن يموت وحيدا وفي غمرة عذاب أليم»، كذلك تكشف الرسائل عن أن نابوكوڤ لم يكن يحسن الظن بأدب المرأة الذي تنتجه الكاتبات.
وآخر هذه الرسائل مكتوبة من ثاورمينا في إيطاليا عام 1970، يعبر نابوكوڤ هنا عن سعادته بفخامة الفندق الذي ينزل فيه، وإن شكا من وجود عدد كبير من الألمان هناك، وفيما بعد أقام مع ڤيرا في فندق منتروبالاس بسويسرا ابتداء من عام 1966. وتولت ڤيرا مسؤولية مراسلاته كلها، وساعدته على رسم صورته العامة أمام الناس. صار معروفا بكبريائه إلى حد الصلف، وردوده المفحمة على من لا يروقه كلامهم. والأمر، كما يقول دنكان هوايت، إن «الشابة الغامضة التي كانت ترتدي قناعا في تلك الحفلة التنكرية – منذ 50 عاما – قد ساعدت زوجها على أن يرتدي قناعا بعد أن تسنم قمة المجد الأدبي!».



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.