كتابة متمردة على التصنيف... عابرة للنوعية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

كتابة متمردة على التصنيف... عابرة للنوعية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

تتجاوز الكاتبة المغربية رجاء البقالي فكرة النوع الأدبي في كتابها «البعد الرابع»، الصادر حديثاً عن دار «ميريت» بالقاهرة. ورغم أنها تضع على الغلاف بصفتها نوعاً من التعريف كلمة «قصص»، فإن النصوص تتمرد على هذا التصنيف أيضاً. فهي عابرة للنوعية، مفتوحة على أشكال شتى، قصيرة جداً، بعضها لا يتجاوز بضعة أسطر، تمتح من طاقة السرد والشعر والفن التشكيلي والموسيقى والمسرح، كما تحيل إلى التاريخ وعوالم الأسطورة أحياناً، عبر عناوين داخلية مفردة، مجردة في أغلبها من ألف ولام التعريف، لتوحي باتساع فضاء السرد: «همس، وجد، عدالة، ثورة، مطر، سفر، ترانيم».
وتحيل رمزية «البعد الرابع»، بحقائقها ومظانها العلمية والفلسفية، إلى زمنٍ متخفٍ، غير محدد المعالم، يصعب الإمساك به، وتحديده مكانياً، لكن الذات الساردة تبدو وكأنما تعايشه، بل أحياناً يتحول إلى ملعبها الحميم، عبر نثار من الرؤى والإشارات والعلامات، تسربها بعناية فائقة في النصوص، وكأنها سرٌّ يخرج من آبار سحيقة.
يشكل هذا الزمن ما يمكن تسميته «فجوة النص»، فنحن أمام نصوص سردية أشبه بفجوات في جدار الزمن والوجود والذات. ناهيك من أن الفجوة قرينة القلق والتوتر والتأمل دائماً، لا تنفد، بل تزداد اتساعاً كلما غرف الإنسان منها، ولا تسعى الكاتبة إلى ردمها أو الإطاحة بها، وإنما تتركها مفتوحة تتأرجح في الفراغ، في إشارة إلى زمن سائل مائع، تنطلق منه الأبعاد والأشكال وترتد إليه، وكأننا إزاء مراوحة زمنية يتماهى فيها الغياب بالحضور، فيما يفقد الوجود الإحساس بأي معنى واقعي، بل يصبح مجرد فجوة ونثار من الذكريات والأحلام، يخلص إلى قبضة نهاية عبثية يخطها الموت فوق جبين الحياة.
يطالعنا هذا المعنى في النص الذي وسم عنوان الكتاب، وتجريه الذات الساردة بضمير الغائب على لسان طفل يحرك لعبة العيد:
«كيف أجعل القطار اللعين ينطلق خارج مساره الدائري؟
يرمي بكل الأجهزة، لكن القطار يدور ويدور...
لأجل هذا فلن يلبس ثياب العيد،
لن يخرج ليلعب مع أبناء الجيران
لن يأخذ من الأهل عيديته، لن ولن ولن...
بين الركام، كان ينام عند قبر أمه، بيده لفافة من ورق ملون،
عليها بقايا فتات، وصورة قطار يدور، لا يتوقف عن الدوران».
في هذا المقطع من النص الذي لا تتجاوز مساحته ثلثي الصفحة تبرز رمزية الفجوة، حيث توحد الذات الساردة بين القطار بصفته إطاراً للعب وفكرة الانزياح خارج حدود الزمن، تتخيل وجوده بصفته لعبة في إيهام واقعي، لكن في لحظة الاصطدام بالزمن ينتفي وجود الاثنين معاً (القطار واللعب)، كأن كليهما مجرد قناع للآخر، مجرد رمز لحضور مائع يشبه الغياب والعدم، بينما يطل البعد الرابع بصفته محاولة للهروب من العالم بأبعاده الثلاثية المسطحة، لكن في الأفق الأبعد للدلالة تشف اللعبة عن معنى أعمق للصدمة، ترشح منه ظلال طفولة مسروقة مغدورة، تبدو لا زمن لها.
ومن ثم، لا تنشغل النصوص بتحديد إطار ما للبعد الرابع المتخيل، تاركة إياه يتسرب في علاقات بينية رخوة، تتجاور وتتقاطع بحيوية في النصوص، ما يجعلنا إزاء خصيصة فنية لافتة، تعد مناط جدارة في هذه الكتابة، وهي اللعب على «خفة الوضوح» وثقله أيضاً، فالأشياء والعلامات والدلالات والرموز واضحة، لكنها مع ذلك تتخفي في وضوحها. لا تريد من القارئ أن يكتفي بملامسة السطح، أو يطل بجسده عليها، تاركاً روحه عل العتبات، وإنما تريده أن ينغمس في النص بكليته، جسداً وروحاً، سطحاً وعمقاً، وكأنه يفكك لغز الحياة أو الألم أو الحب، أو يعيد ترتيب الحكاية على نحو مغاير لفضائها الشائع المألوف.
تكشف هذه المغايرة عن الولع بما يمكن تسميته أيضاً «مقلوب المعنى»، وهو ما يتجسد حين تستدعي الكاتبة الحكاية التراثية الشهيرة «ألف ليلة وليلة»، برمزيتها المألوفة في اللعب على حبائل الزمان، فتقلب المعنى المتواتر، ويصبح شهر يار هو عين الحكاية، متقمصاً قناع شهر زاد، وعلى هذا النحو كما في نص بعنوان «شهر يار يحكي»:
«جلس شهر يار عند قدمي شهر زاد... أمسك بطرف ثوبها الأخضر، يعبق بعطر طالما سحره سحرُ حكاياها... طبع قبلة على يدها الباردة... نظر إليها طويلاً، ثم قال مستمتعاً بدهشتها: أراكِ تعانين وأنتِ تمطين الحكاية خوفاً من النهاية... أشفق عليك، فأنا منذ البداية أعرف مسار الحكاية.
ومن حينها، لم تمسك شهر زاد عن الحكي خوفاً من مصرع شهر يار عند قدميها».
اللافت هنا أن مقلوب المعني في هذا النص القصير جداً يأتي على شكل لطشة تكثف من جو الدراما في الختام، وهي لطشة مسكونة بطاقة الشعر أكثر من طاقة السرد، بل إن الشعر هو الذي يصنع التكثيف، بمقدرته على اختزال الزمن في ومضة، في لطشة، ما يجعل المفارقة التي يشي بها النص تحت قناع الحكي بين البطلين الشهيرين، ابنة النص نفسه، تنمو من نسيجه الداخلي، بعلاماته وإشاراته ورموزه الخاطفة، وليست مستجلبة أو مقحمة عليه من خارج فضاء الحكاية.
ومن ثم، تنأى نصوص الكتاب عن المفارقات السهلة المألوفة أو المعقدة؛ تحرص الكاتبة على ذلك، وتوحد بينها وبين تجربة الحياة اليومية، بإيقاعها السائل البسيط، وفجواتها النزقة، ومشاهدها المتقلبة في مرايا الواقع، ومكابدات العيش في تناقضاته الشرهة، وصعوبة النظر إلى المستقبل بعين الرضا والطمأنينة... ثمة حالة من العبث والفوضى تسكن هذه المرايا، تشدها إلى العتمة غالباً، أو إلى نور شحيح يكاد لا يبصر سوى ظله. هكذا، ينتهي المشهد في نص «اللعب مع الكبار»، وكأنه تتويج لرشاقة الهزيمة، وتعرجات صراع لاهث في قبضة الزمن:
«ألقى بالقصة جانباً، وارتمى على السرير المنهك، أطلق زغرودة ميلاده في الخمسين، وراح يركض إلى ما قبل البداية، ليصنع حكاية غير الحكاية... امتدت الطريق، مسالك من دم ورفات وأنات... تعثر بإهانات زوجته وسخرية أقاربه...
على كومة رمل تناثرت أوراق روايته... حَبَا وحَبَا، يشده التوق إلى صرخة ميلاد جديدة... مدَّتْ إليه حبلاً من شعاع واختفت، أمه التي لن تلده مرتين...».
يتسع فعل الدراما في عدد من النصوص، ويبدو بعضها وكأنه منصة مسرح، يتناوب عليها الشخوص الأدوار والأقنعة، وهو ما يطالعنا في نص بعنوان «هيا... هيا نلعب»، حيث تتحول صيحة الطفولة التي يشي بها العنوان إلى قناع مستتر يطل منه الموت من خلف الستار: «حفروا ثقوباً في علبهم الحجرية... الأكبر: نحن لا نحتاج إلى أقنعة، وملامحنا متشابهة، وهنا لا وجود لأقنعة... الأصغر: وكيف نشخِّص أدوارنا؟ الطفلة مستغربة: أنا من دون ثياب... مع انبثاق أول خيوط الفجر، أطلوا من التربة فوق تلة من رماد أسود وتواروا خلف الستار، لكن النهار طال، طال النهار... في ذهول تهامس المتفرجون: متى يبدأ العرض؟».
هذا المشهد الذي تتسع فيه مفارقة الحضور والغياب، الموت والحياة، يطل بأكثر من زاوية في كثير من نصوص الكتاب، مكتسياً لمسات إنسانية متنوعة، مشرّبة بنفس صوفي أحياناً، وهواجس أسئلة المصير بقلقها وحيرتها أحياناً أخرى، كما في: «وجد»، و«حيرة»، و«محاسبة»، وغيرها، بل تصل إلى محاكمة «الأنا»، ووضعها في قفص الاتهام، لتكون نواة لمحاكمة تهكمية للعالم والوجود.
يبقى أن أشير إلى أن نصوص هذا الكتاب الشيق التي تعد تمثيلاً خصباً لفكرة الكتابة عبر النوعية، وتشكل ما يشبه المصفاة للقلق الإنساني، كان يمكن أن تكون أكثر رحابة وتشويقاً، لو تخففت من قبضة الأنا الساردة على مجريات الحكي، والسيطرة على ضمائره، وكأنها ظل لها، ما جعل الشخوص تتحرك داخل سياقات ومسارات محددة، أفقدتها كثيراً من رائحتها وروحها الخاصة، فغدت مجرد إشارات وعلامات عابرة، يعلق بها عرضاً ما يشير إلى ماهية المكان أو الزمان أو الواقع.


مقالات ذات صلة

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

ثقافة وفنون مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)

استعادت فرقة «كنعان» الفلسطينية للثقافة والفنون أغاني ورقصات الفولكلور الفلسطيني في ليلة رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الجمعة، وسط حضور وتفاعل جماهيري لافت مع اللوحات الفنية الاستعراضية التي قدمتها الفرقة والأغاني الحماسية التي أدّتها.

فعلى المسرح الصغير بدار الأوبرا وبالتعاون مع الإدارة المركزية للعلاقات الثقافية الدولية وسفارة فلسطين وبحضور نائب سفيرها بالقاهرة، ناجي الناجي، قدمت فرقة كنعان للثقافة والفنون نخبة من اللوحات الحركية والتراثية بالزي التقليدي التي جسدت الهوية الفلسطينية بكل ألوانها، وأشعلت حماسة الحشد الجماهيري، كان من أبرزها رقصة الدبكة الشهيرة، وعرض «بعث» الذي قُدِّم للمرة الأولى، إلى جانب عدد من الأهازيج والأعمال الغنائية الفولكلورية التي حملت عطور أرض الزيتون والياسمين وقادها المايسترو أنس النجار وشارك فيها كل من ليندا مهدي ويارا قوريق.

جاء الحفل ضمن السهرات الرمضانية التي تنظمها دار الأوبرا المصرية، وتستضيف فيها العديد من الفرق الفنية من الدول مثل: باكستان، وفلسطين، والفلبين، والعراق، وتونس وإندونيسيا، والتي تعرض نماذج من تراثها الموسيقي والغنائي وعاداتها المرتبطة بشهر رمضان.

فرقة كنعان قدمت التراث الفلسطيني والفولكلور في الأوبرا المصرية (دار الأوبرا المصرية)

وتمثل فرقة «كنعان» للثقافة والفنون الموجودة في مصر دولة فلسطين، وتقوم بتقديم الفلكلور والتراث الفلسطيني في المحافل الدولية والمهرجانات والفعاليات الفنية المتنوعة، وشاركت في العديد من الاحتفاليات من قبل، من بينها مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء، وافتتاح مهرجان بورسعيد للسياحة والفنون، ومهرجان الطبول، وغيرها من المهرجانات الفنية في مصر وخارجها.

ومن الأغاني التراثية والفولكلورية التي اشتهرت بها الفرقة أغاني: «أنا دمي فلسطيني» و«رافع راسي بعلم بلادي» و«يا طالعين ع الجبل» و«فلسطين أنت الروح ونن العين» و«يا فلسطينية»، و«شيل شيل عالجماله»، بالإضافة إلى رقصة الدبكة الفلسطينية الشهيرة.

وأعلنت دار الأوبرا المصرية عن برنامج للحفلات الرمضانية، يتضمن فرقاً فولكلورية وحفلات للإنشاد الديني، وفرقاً عربية وأجنبية ومن بينها حفلات لفرق شبابية مثل فريق وسط البلد الذي استضاف في حفل على مسرح الجمهورية، الخميس، كل من الشيخ إيهاب يونس، والمنشد عبد الرحمن بلاله، والمطرب عادل ميخا، وسلوان محمد لتمتزج طاقة وحيوية الشباب بالأنغام الصوفية والابتهالات وقدموا أعمالاً مثل «قل للمليحة»، و«يا جزيرة»، و«أبشروا»، و«يا إمام الرسل»، و«قمر»، و«باب السما»، و«المسحراتي» و«المسك فاح».

الفرقة قدمت لوحات استعراضية متنوعة (دار الأوبرا المصرية)

ومن المقرر أن تختتم الأوبرا برنامجها الرمضاني بأمسية روحانية مع عميد الإنشاد الديني، ياسين التهامي، وفرقته في حفل على المسرح المكشوف، الاثنين 9 مارس (آذار) الحالي.

يتضمن الحفل نخبة مختارة من الأشعار الصوفية وقصائد المديح النبوي والتواشيح والابتهالات الدينية التي نجح التهامي من خلالها في تحقيق انتشار واسع وقاعدة جماهيرية كبيرة.

ووفق الدكتور علاء عبد السلام، رئيس دار الأوبرا المصرية، فقد حرصت الأوبرا في برنامج حفلاتها الرمضانية على الجمع بين الطرب والإبداع المعاصر والسهرات العربية والإسلامية التى تعكس الهوية وتعبر عن التراث، مؤكداً في بيان صحافي «الحرص على تقديم محتوى يثري الساحة الفنية ويشكل مساراً متميزاً لتعزيز الوعي والارتقاء بالذوق العام مع الحفاظ على الجذور وفتح آفاق جديدة لإبداع الشباب».


ما آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» بموسم دراما رمضان في مصر؟

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

ما آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» بموسم دراما رمضان في مصر؟

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

أعادت تصريحات أبطال عدد من صناع الأعمال الدرامية الرمضانية المصرية حول الأكثر مشاهدة وصدارة نسب المشاهدات التساؤلات حول آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» في الموسم الحالي.

وتضج مواقع التواصل الاجتماعي لعدد من الفنانين بتصريحات وسجالات حول الأكثر مشاهدة وصدارة، وهو ما برز بشكل واضح مع تكرار نشر الفنانة مي عمر وزوجها المخرج محمد سامي خبر تصدر مسلسلها «الست موناليزا» للمشاهدة خلال عرضه في النصف الأول من شهر رمضان، في حين تفاعلت الفنانة ياسمين عبد العزيز واحتفلت بصدارة مسلسلها ووجوده في المركز الثاني على منصة «شاهد»، باعتبار أنه لا يُعرض مجاناً ولكن للمشتركين فقط.

ودخلت ياسمين عبد العزيز في سجال مع محمد سامي بعد نشر تصدّرها المشاهدة عبر حسابها على «إنستغرام»، ليتفاعل المخرج المصري معها، ويؤكد أن الصدارة جاءت بعد انتهاء عرض حلقات «الست موناليزا».

الأمر نفسه تكرر بين سامي والفنان عمرو سعد الذي وزّع بيانات إعلامية عن صدارة مسلسله «إفراج» لنسب المشاهدة، ومن بينها تقرير زعم صدوره من «الشركة المصرية للأقمار الصناعية» (نايل سات) تحدث عن صدارة مسلسله، لكن رئيس الشركة نفى في وقت لاحق صدور أي بيانات حول نسب المشاهدة، وهو التقرير الذي نشره سعد بعد تهنئة سامي له بوجوده في المركز السادس بنسب المشاهدة.

بينما دخل أحمد العوضي بطل مسلسل «علي كلاي» على خط الاشتباك مع نشر صور لفيديوهات حققت ملايين المشاهدات بوصفها دليلاً على كونه الأكثر مشاهدة.

الملصق الترويجي لمسلسل «علي كلاي» (حساب العوضي على «فيسبوك»)

وتفاعل عدد من صناع الفن مع الجدل والاشتباك اللفظي بين النجوم منهم أيمن بهجت قمر الذي أكد حبه للسينما، لكونها تضع كل شخص في مكانه الطبيعي من دون صراعات عبر مواقع التواصل، في حين كتب المخرج عمرو سلامة مع الضجة مستغرباً عدم وجود آلية حتى الآن لحساب مصداقية المشاهدات التلفزيونية من دون انحياز، لافتاً في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» إلى أن الأرقام الحقيقية تكون في صالح القناة والمعلن والمنتج والفنان، بالإضافة إلى دورها في إنهاء الجدل بين الصناع.

ورد على تدوينة سلامة الإعلامي حسام صالح بتأكيد وجود هذه التقنية التي تكون مرتبطة بوجود أجهزة خاصة في أطباق الاستقبال الفضائية، لكنها غير موجودة في مصر إلا في الأجهزة التي تستخدم اشتراكات القنوات المشفرة فحسب، مشيراً إلى أن هذه التقنية هي الآلية الوحيدة العملية التي يمكن البناء عليها، لكونها تتيح معلومات حال وجودها عند صاحب الجهاز.

وأضاف أن المنصات لديها الأرقام الخاصة بها المرتبطة بالمشاهدات، لكن في الوقت نفسه توجد تحديات في معرفتها بدقة، لوجود أكثر من فرد يستخدمون الاشتراك نفسه، لافتاً إلى أن التفاعل على مواقع التواصل هو المعيار الحالي.

صورة نشرتها مي عمر عبر صفحتها لتصدر مسلسلها نسب المشاهدة (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى خبير الإعلام الرقمي، خالد البرماوي، أن «مسألة قياس نسب المشاهدة أو تحديد من يتصدر المشهد الإعلامي في مصر ما زالت تفتقر إلى آلية دقيقة أو جهة رسمية متخصصة تتولى هذه المهمة بشكل منهجي»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجهات الموجودة عالمياً تعتمد على أدوات متعددة مثل استطلاعات الرأي والاستبيانات التي كانت تقوم تقليدياً على عينات عشوائية يتم التواصل معها لمعرفة ما يشاهدونه، إلا أن هذه الطريقة لم تعد كافية في العصر الرقمي».

ويشير إلى أن الاتجاه السائد حالياً يعتمد بدرجة أكبر على تحليل البيانات الرقمية، في ظل وجود نسبة كبيرة من الجمهور على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يسمح بقياس حجم الاهتمام بالمحتوى وجودته وطبيعته، سواء أكان إيجابياً أو سلبياً أو محايداً بدرجات مختلفة.

ويضيف البرماوي أن «كثيراً من المؤشرات المتداولة حالياً، مثل تصدر بعض الأعمال أو الأسماء لقوائم (الترند)، لا يمكن عدّها مقياساً دقيقاً للنجاح أو الانتشار، لأن ظهور اسم ما ضمن الأكثر تداولاً قد يكون نتيجة عوامل متعددة، مثل الحملات المدفوعة أو النشاط اللحظي على المنصات»، مؤكداً أن تحليل البيانات يجب أن يتم عبر مستويات مختلفة، تشمل رصد مدى انتشار المحتوى على الشبكات الاجتماعية، والتمييز بين حجم النشر وحجم التفاعل وطبيعته.

عمرو سعد في لقطة من مسلسل «إفراج» (حسابه على «فيسبوك»)

من جهته، عدّ الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، مسألة تحديد العمل الدرامي الأكثر مشاهدة أو ترتيب النجوم وفق نسب المشاهدة «من أكثر الأسئلة تعقيداً في سوق الدراما، ليس في مصر فقط بل في العالم العربي عموماً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «طبيعة هذه السوق تختلف عن السينما التي يمكن قياس نجاحها بسهولة عبر شباك التذاكر والأرقام المعلنة للإيرادات. أما الدراما التلفزيونية فتفتقر إلى مقياس موحد، لأن المشاهدات موزعة بين القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية المختلفة، بالإضافة إلى نسب المشاهدة الناتجة عن النسخ المقرصنة أيضاً، مما يجعل الوصول إلى رقم دقيق لقياس حجم الجمهور أمراً بالغ الصعوبة».

ويضيف عبد الرحمن أن تعدد المنصات ووسائل المشاهدة، إلى جانب محدودية قدرة شركات الأبحاث التسويقية على العمل في جميع الدول أو الوصول إلى كل الشرائح داخل المجتمعات المحلية، يحدّ من دقة الأرقام المتداولة حول نسب المشاهدة، لافتاً إلى أن «الأفضل للنجوم وصناع الدراما هو التركيز على جودة المحتوى وقدرته على البقاء بعد انتهاء الموسم الرمضاني، بدل الانشغال بالصراعات حول من يتصدر المشاهدة».

Your Premium trial has ended


إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
TT

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي، ولكن كبيان شخصي وصرخة جماعية في آنٍ واحد، فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً يعيش إقليم كيفو الشمالي على إيقاع نزاعات مسلحة متكررة، في حين يبقى المدنيون من نساء وأطفال وشباب في قلب العاصفة.

ينطلق الفيلم من لحظة مفصلية، وهي سقوط مدينة غوما في يناير (كانون الثاني) 2025 في يد حركة «23 مارس» الانفصالية خلال أيام قليلة، رغم وجود قوات حكومية ودعم إقليمي، وتحت أنظار بعثة الأمم المتحدة «مونوسكو»، غير أن الفيلم لا يتوقف عند الحدث العسكري في حد ذاته، بل يتجاوزه إلى ما هو أعمق عبر أثر هذا السقوط على أرواح الناس، وتفاصيل حياتهم اليومية، وقصة جيل لم يعرف من وطنه سوى المخيمات والحواجز والرصاص.

فيلم «طفح الكيل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، لا يتعامل مع الحرب بوصفها خبراً عاجلاً، بل كواقع ممتد يتنفسه السكان كل يوم. سبعة ملايين نازح وعشرة ملايين قتيل خلال ثلاثة عقود، أرقام تتحول هنا إلى وجوه حية... شباب يتدرّبون بعصي خشبية دفاعاً عن أحيائهم، وفتيات يكتبن الشعر احتجاجاً، وموسيقيون يحوّلون الغضب إلى إيقاع، وأمهات يواصلن تربية أطفالهن وسط الخراب.

الملصق الترويجي للفيلم (مهرجان برلين)

الكاميرا المحمولة، والإضاءة الطبيعية، والصوت الخام، كلها عناصر تجعل المتفرج داخل المشهد المستمر في الأحداث على مدار 65 دقيقة، بتجربة بصرية أقرب إلى الالتحام منها إلى المراقبة، في اختيار قدمه المخرج إليزي سواسوا ليس كصحافي يدوّن الوقائع، بل كابن مدينة يعيش المأساة ويقاومها، محاولاً من خلال فيلمه إيصال صوت غوما عالمياً.

يقول المخرج الكونغولي إليزي سواسوا لـ«الشرق الأوسط» إنه عندما وُلد في غوما عام 1994، نشأ «على إيقاع الرصاص»، بحسب وصفه، فالحرب لم تكن حدثاً استثنائياً في حياته، بل خلفية دائمة لطفولته ومراهقته وشبابه، مشيراً إلى أنه «نجا من مجازر عام 2008، وهذه التجربة رسّخت لديه شعوراً بأن الصمت لم يعد خياراً، وأن توثيق ما يحدث هو شكل من أشكال المقاومة».

وأوضح أن جميع الأشخاص الذين يظهرون في الفيلم هم من محيطه القريب، ما بين أصدقاء، وأقارب، وجيران، وفنانين يعرفهم منذ سنوات، لافتاً إلى أن هذا القرب منح العمل صدقه، لكنه في الوقت نفسه حمّله مسؤولية مضاعفة؛ لأنه لم يكن يصوّر غرباء، بل كان يصوّر جزءاً من حياته اليومية، فالعلاقة المتبادلة بينه وبين من صوّرهم جعلت الكاميرا أقل اقتحاماً وأكثر اندماجاً في الواقع.

الفيلم وثّق جوانب إنسانية عدة (الشركة المنتجة)

وتطرق إليزي سواسوا لصعوبات التصوير الذي اعتبره بمنزلة «مغامرة يومية»، لكونه عمل في بيئة مضطربة، وسط مظاهرات غاضبة وتحركات عسكرية مفاجئة، مما جعله يعتمد على معدات خفيفة وكاميرا محمولة، وفي أحيان كثيرة عمل بمفرده من دون فريق صوت أو حماية، بسبب خطورة الوضع وفوضويته، لافتاً إلى أن التنقل بين المخيمات والأحياء لم يكن سهلاً؛ لأن الخطر كان حاضراً في كل لحظة، لكنه رأى أن المخاطرة كانت ضرورة حتى لا تبقى هذه القصص في الظل.

الفيلم يركز على الحياة اليومية للأهالي تحت وطأة الحرب (الشركة المنتجة)

وأكد أن هدفه لم يكن تقديم تحليل سياسي معقّد، بل إظهار ما تعنيه الحرب في تفاصيلها الصغيرة؛ كيف يستيقظ الناس، ويبحثون عن الماء والطعام، وكيف يدرّب الشباب أنفسهم، ويحاول الفنانون تحويل الإحباط إلى طاقة إبداع، لافتاً إلى أنه أراد أن يرى العالم الإنسان الكونغولي الضحية المجرّدة، وأن يفهم أن وراء الأرقام عائلات وأحلاماً معلّقة.

وعن مشاركته في مهرجان برلين، أوضح أن اختياره ضمن عروض «البانوراما» كان حلماً كبيراً بالنسبة إليه، مؤكداً أن لحظة إبلاغه بقبول الفيلم شكّلت اعترافاً بجهد سنوات من العمل في ظروف بالغة الصعوبة، ومعرباً عن سعادته بردود الفعل على العرض الأول الذي شهد تفاعل الجمهور، والذي منحه إحساساً بأن الرسالة وصلت، ولو جزئياً، إلى خارج حدود بلاده.

المخرج الكونغولي إليزي سواسوا (مهرجان برلين)

وشدد على أنه يؤمن بأن السينما يمكن أن تُحدث أثراً، حتى لو لم تُغيّر الواقع فوراً، موضحاً أن مجرد معرفة الناس بتاريخ الكونغو وبالمآسي التي عاشها شعبها، قد يفتح باباً لمساءلة أوسع حول المسؤوليات السياسية والاقتصادية المحيطة بالصراع؛ لأن التغيير يبدأ بالانتباه، والفيلم يطالب العالم بهذا الانتباه، وفق قوله.