مخطط طويل المدى وأكبر من المتصوَّر لضرب البرنامج النووي الإيراني

منشأة «نطنز» النووية الإيرانية بعد التفجير (نيويورك تايمز)
منشأة «نطنز» النووية الإيرانية بعد التفجير (نيويورك تايمز)
TT

مخطط طويل المدى وأكبر من المتصوَّر لضرب البرنامج النووي الإيراني

منشأة «نطنز» النووية الإيرانية بعد التفجير (نيويورك تايمز)
منشأة «نطنز» النووية الإيرانية بعد التفجير (نيويورك تايمز)

بعد الانفجار الذي لحق بالمركز الإيراني لتطوير أجهزة الطرد المركزية المتقدمة وحوّله إلى أنقاض متفحمة، ذلك الذي يشير بعض العلامات إلى ضلوع إسرائيل فيه، فإن الصراع القديم الحديث ما بين الولايات المتحدة وإيران يبدو الآن على مسار التصاعد صوب مرحلة توحي بالخطورة الكبيرة، تلك التي من المرجح أن تتكشف أماراتها خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.
وتعكس صور الأقمار الصناعية الجديدة أعلى منشأة «نطنز» المنكوبة في إيران، وقوع أضرار فادحة أكبر بكثير مما كان واضحاً في الصور الملتقَطة الأسبوع الماضي.
وأفاد مسؤولان من أجهزة الاستخبارات الأميركية، ممن اطّلعوا على تقدير الأضرار التي لحقت بالمنشأة الإيرانية والذي أعدته الولايات المتحدة وإسرائيل في الآونة الأخيرة، بأن الأمر قد يستغرق من الجانب الإيراني ما يصل إلى عامين كاملين بُغية إعادة ضبط مسار البرنامج النووي الإيراني إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل الانفجار الشديد. وخلصت دراسة عامة موثوقة المصادر إلى تقدير أن الأمر سوف يستغرق عاماً أو نحوه حتى تستعيد إيران كامل قدراتها على إنتاج أجهزة الطرد المركزية التي دُمرت.
- التفجير الأخير
وتعرضت إيران لانفجار كبير آخر في وقت مبكر من يوم الجمعة الماضية، ذلك الانفجار الذي أشاع الأضواء في سماء إحدى المناطق الثرية من العاصمة طهران. ولا تزال الأسباب غير معروفة حتى الآن، ولكن يبدو أن الأمر ناشئ من اتجاه إحدى القواعد الصاروخية الإيرانية. وإذا ما ثبت أنه هجوم آخر ضد إيران، فمن شأن ذلك أن يزيد من زعزعة ثقة الحكومة الإيرانية مرة أخرى في حماية وتأمين أفضل المنشآت النووية والصاروخية في البلاد.
وعلى الرغم من قلة التقارير الإخبارية الصادرة عن الحكومة الإيرانية بشأن الانفجارات التي شهدتها مؤخراً، فإن المسؤولين الغربيين يتوقعون شكلاً من أشكال الأعمال الانتقامية، والتي قد تحدث ضد القوات الأميركية أو القوات المتحالفة معها في العراق، أو ربما تكون عبر موجة جديدة من الهجمات السيبرانية. وفي الماضي، كانت مثل تلك الهجمات الإلكترونية توجَّه مباشرة ضد المؤسسات المالية في الولايات المتحدة، مثل كازينو كبير في مدينة لاس فيغاس، أو ضد سد في ضواحي مدينة نيويورك، أو استهداف نظام إمدادات المياه في إسرائيل كما حدث في الآونة الأخيرة، والذي تعدّه الحكومة الإسرائيلية من أركان البنية التحتية الحيوية في البلاد.
قارن المسؤولون المطّلعون على الانفجار الذي لحق بمنشأة «نطنز» الإيرانية من حيث مستوى التعقيد، بالهجوم السيبراني المعقد (ستوكسنيت) على المنشآت النووية الإيرانية قبل عشر سنوات، والذي استغرق الإعداد له أكثر من عام كامل قبل تنفيذه. وفي ضوء الهجوم الأخير الذي وقع الأسبوع الماضي، تشير نظرية التحليل المبدئية إلى زرع عبوة ناسفة شديدة الانفجار في المنشأة الإيرانية فائقة الحراسة، وربما وُضعت العبوة الناسفة إلى جوار خط الغاز الطبيعي في المنشأة. غير أن بعض الخبراء الآخرين طرحوا أيضاً احتمال شن هجوم إلكتروني على المنشأة بهدف تفجير إمدادات الغاز فيها.
وقال بعض المسؤولين إن الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية المشتركة تواصل التطور إلى سلسلة من الضربات السرية التي لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة، وإن كان البعض الآخر يشير إلى أن تلك الاستراتيجية في تراجع ملحوظ، تلك التي تستهدف اغتيال أبرز جنرالات «الحرس الثوري الإيراني» وتعطيل المنشآت النووية الإيرانية.
وأقرب ما تمكنت الإدارة الأميركية من البوح به في توصيف استراتيجية الاستجابة الأكثر حدة وصرامة المتخَذة إزاء إيران، وَرَدَ في تعليقات خرجت الشهر الماضي عن برايان هوك، مبعوث وزارة الخارجية الأميركية الخاص إلى إيران، والذي أفاد بقوله: «لقد علمنا من دروس التاريخ أن التردد والوهن يزيدان من الصلف والعداوة لدى إيران».
- مواجهة حول ناقلات النفط
وربما للخطوة التالية أن تتمثل في مواجهة حول أربع ناقلات نفطية، تلك التي تشق طريقها راهناً صوب فنزويلا، والتي قد تعهدت الولايات المتحدة بعدم السماح لها بنقل النفط الإيراني فيما يُعد انتهاكاً صريحاً للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. ويحذّر المحللون من أن المقاربة الجديدة محفوفة بقدر معتبَر من المخاطر، وهي المقاربة التي إن اعتمدت على المدى البعيد قد تدفع بالجانب الإيراني إلى اعتماد سياسات أكثر سرية فيما يتعلق ببرنامجها النووي، الأمر الذي يزيد من صعوبة اكتشافه في المستقبل.
لكن على المدى القصير، يراهن المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون على أن إيران سوف تتخذ ردود فعل محدودة النطاق والتأثير، تماماً كما فعلت في أعقاب اغتيال قاسم سليماني، أحد أبرز وأهم القادة العسكريين الإيرانيين، في غارة بطائرة مسيّرة تتبع سلاح الجو الأميركي.
وفي حين أعرب بعض المسؤولين الأميركيين عن مخاوفهم من أن مقتل سليماني سوف يدفع إيران إلى شن الحرب ضد الولايات المتحدة، فإن مديرة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جينا هاسبل، قد طمأنت الجميع بأن الأمر لدى طهران لن يتجاوز إطلاق بعض الصواريخ المحدودة ضد بعض الأهداف الأميركية في العراق. وهو الأمر الذي أثبتت الأيام صحته حتى الآن. ومن شأن الاستجابة الإيرانية المحدودة وقتذاك أن تتحول إلى حافز لدى القوى الغربية لشن مزيد من العمليات ضدها في آونة لاحقة.
ومما يُضاف إلى ذلك، قال بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، فضلاً عن خبراء الأمن الدولي المعنيين بالأمر، إن إيران قد تعتقد في خسارة الرئيس دونالد ترمب، جولة الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وأن منافسه الديمقراطي جوزيف بايدن، سوف يرغب في إعادة شكل من أشكال التسوية بطريق التفاوض على النحو الذي توصلت إليه إدارة الرئيس السابق باراك أوباما قبل خمس سنوات كاملة مع الحكومة الإيرانية.
وحتى الآن، كانت الهجمات الصاروخية الأخيرة هي أكثر إثارة للإزعاج من مجرد إلحاق المزيد من الأذى.
- خدمة «نيويورك تايمز»



محاولات فرنسية - بريطانية لتسريع «مهمة هرمز» متعددة الجنسيات

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

محاولات فرنسية - بريطانية لتسريع «مهمة هرمز» متعددة الجنسيات

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)
قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

ترى فرنسا وبريطانيا، الدولتان اللتان تدفعان باتجاه تشكيل قوة متعددة الجنسيات لضمان أمن الإبحار في هرمز، أن الوقت حان لوضع النقاط على الحروف والتعرف على ما تنوي كل دولة من دول التحالف تقديمه، عملياً، لتنفيذ المهمة التي يراد للقوة القيام بها.

ونوهت وزارة الدفاع البريطانية بالاجتماعات التي استضافتها يومي 22 و23 أبريل (نيسان) الماضي في مقر القيادة المشتركة الدائمة البريطانية وهو الاجتماع الذي وصفته بـ«الحاسم» لجهة «توحيد الرؤى الوطنية ضمن خطة متعددة الجنسيات»، كما اعتبرت اجتماعها، الثلاثاء، مستنداً إلى «التقدم الكبير الذي تحقق خلال الأسابيع الماضية من قبل المخططين العسكريين من 44 دولة من مختلف القارات».

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الاثنين، إن «المملكة المتحدة ستقود هذه المهمة الدفاعية متعددة الجنسيات، وستحول الاتفاقات الدبلوماسية إلى خطط عسكرية لاستعادة الثقة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز ومهمتنا التأكد من أننا لا نكتفي بالكلام، بل إننا مستعدون للتحرك».

ولأن باريس ولندن تريدان إعطاء «المثل الصالح» فقد عجلتا بإرسال حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» وقطعها المواكبة التي عبرت البحر الأحمر. وتفيد معلومات متداولة في باريس أنها توقفت في القاعدة البحرية الفرنسية في جيبوتي.

من جانبها، قامت لندن بتوجيه المدمرة «إتش إم إس دراغون» إحدى «أكثر السفن الحربية البريطانية تطوراً»، إلى المياه القريبة من المضيق، من دون تحديد مكان وجودها في الوقت الراهن.

سفن في مضيق هرمز في 8 مايو 2026 (رويترز)

نضوج اللحظة المناسبة

وتعمل العاصمتان الأوروبيتان وفق مبدأ «التموضع المسبق» بحيث تكون الدول المساهمة في القوة متعددة الجنسيات «جاهزة» لمباشرة مهامها «حالما تتوافر الظروف لذلك».

وبالنسبة لفرنسا، فالفكرة تقوم وفق مصادر رئاسية، على «الاستفادة بأفضل شكل ممكن من الوسائل البحرية الموجودة حالياً، خصوصاً في شرق المتوسط، استعداداً للحظة التي تتضح فيها معالم استعادة الملاحة في المضيق».

وبحسب الإليزيه، فإن باريس وجهت عشر سفن، بينها 8 فرقاطات وسفينتا إنزال وقيادة كانت غالبتيها في شرق المتوسط قبالة الشواطئ القبرصية وأخرى في منطقة الخليج. وتشدد الأوساط الفرنسية على أهمية «التمركز المسبق للقوات؛ إذ إنه أمر مهم، كما أن حسن إدارته بالغ الأهمية أيضاً».

ووفق عشرات التصريحات من القادة السياسيين، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدرش ميرتس، فإن السمات الأساسية للقوة متعددة الجنسيات أنها «محايدة»، «سلمية» و«منفصلة تماماً» عما تقوم به القوات الأميركية في المنطقة. ولمزيد من الطمأنة، أكد ماكرون العديد من المرات أنها ستعمل بـ«التفاهم» مع الجانب الإيراني أي أن انطلاقتها مشروطة بتقبله لها.

كذلك، تشدد أوساط الرئاسة الفرنسية على ضرورة «تقبل» الجانب الأميركي لها. ويعني ذلك، عملياً، توافر مجموعة من الشروط كتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق ينهي الحرب أو أن تتثبت الهدنة الهشة التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها «في غرفة الإنعاش»، أو أن تتراجع حدة الاشتباكات بشكل جدي ما يطمئن الدول المساهمة بأنها غير ذاهبة للحرب.

عوائق صعبة التذليل

بيد أن قراءة معمقة لصورة الوضع الراهن لا تدفع إلى توقع انطلاق «المهمة» في الأيام أو الأسابيع المقبلة القادمة؛ لأنه ينقصها، في الوقت الحاضر، توافر ما لا يقل عن 5 عناصر أساسية، والعنصران الأولان يرتبطان بالطرفين المتصارعين.

من جهة، يبدو اتفاق وقف إطلاق النار الذي مدده الرئيس ترمب لإعطاء الوقت الكافي لإيران من أجل بلورة ردودها على آخر مقترحاته المتضمنة في الورقة المكونة من 14 بنداً، على كف عفريت. وهدد الأخير، الاثنين، في أكثر من مقابلة صحافية، بالعودة إلى استخدام لغة السلاح.

بالمقابل، فإن طهران جاهرت بأن عليه إما قبول ردها وإما رفضه بمعنى أنه لم يعد لديها مجال لتقديم تنازلات إضافية. وفي وضع كهذا، سيكون صعباً على الدول الراغبة بالمساهمة في القوة الموعودة الانخراط في مهمة غير محمودة العواقب، ويمكن أن تحولها إلى طرف داخل في الصراع.

أما العنصر الثاني فيتمثل في غياب أفق التوصل إلى مفاوضات السلام بين الطرفين المعنيين. وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن رؤية الوفدين الأميركي والإيراني يتفاوضان، مجدداً، إما وجهاً لوجه وإما بالواسطة، تبتعد أكثر فأكثر لا بل ترى أن الوساطة الباكستانية «وصلت في نهاية المطاف إلى طريق مسدود» بينما لا يبقى التعويل قائماً إلا على دور قد تقبل الصين بالقيام به نظراً لتضررها الكبير من إغلاق مضيق هرمز، حيث تمر فيه نسبة 40 في المائة من مشترياتها النفطية.

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» والقطع المرافقة لها تبحر في قناة السويس بطريقها إلى المياه القريبة من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

تعايش المهمتين في هرمز

بعد أن فشلت الخطة الأميركية المسماة «مشروع الحرية»، لإعادة فتح هرمز، رأى الأوروبيون أنها تعبد الطريق أمام مبادرتهم الخاصة التي يراد لها أن تكون بعيدة عن الحضور الأميركي.

والحال أن الرئيس ترمب هدد، الاثنين، بإعادة تفعيل «مشروع الحرية» مع الرغبة في تنفيذه باللجوء إلى قوة أكبر، وسبق له أن برر تعليقه، بعد 36 ساعة فقط من إطلاقه، بتدخلات خليجية، وتقدم المفاوضات مع إيران.

وإذا كان من الصعب التعرف حقيقة على نيات الرئيس الأميركي ومعرفة ما إذا كان كلامه يندرج في إطار التهويل والتهديد أم أنه جاد في العودة لمشروعه السابق، فإن إعادة تدويره من شأنها أن تقلق باريس ولندن والدول المتعاونة معهما والتي تضم بلداناً أوروبية وآسيوية وخليجية وحتى أفريقية. ذلك أنه سيكون من الصعب تواجد مهمتين عسكريتين متنافستين على ضمان المرور الآمن في مضيق هرمز؛ ما يعني عملياً أنه سيتعين على الأوروبيين وشركائهم الانتظار حتى تتوضح صورة الوضع في المضيق وفي ما سترسو عليه العلاقات الأميركية - الإيرانية.

عداء أميركي - إيراني

لا تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ ذلك أن الصعوبة الكبرى عنوانها العداء الإيراني لقوة عسكرية في المضيق، وأن إيران سارعت على لسان نائب وزير خارجيتها كاظم غريب أبادي إلى تحذير باريس ولندن من اقتراب قطعهما الحربية أو «قطع دول أخرى» من مضيق هرمز لأنها «ستواجه برد حاسم».

وكتب عبادي على منصة «إكس»: «نذكرهم بأنه في زمن الحرب كما في زمن السلم، وحدها الجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على ضمان الأمن في هذا المضيق، ولن تسمح لأي دولة بالتدخل في هذا المجال».

من هنا، استعجال الرئيس ماكرون إلى «طمأنة» إيران إلى أن مهمة القوة ستكون بـ«التنسيق» مع إيران وأن فرنسا «لم تفكر مطلقاً» بنشر قوات في المضيق، لكن ماكرون حرص على التذكير بالمبادئ الرئيسية التي تقوم عليها «المبادرة»، وتتمثل رفض أي حصار مفروض على المضيق من أية جهة كانت، ورفض فرض أي رسوم. وتطرح فرنسا بالتلازم أن ترفع طهران حصارها على المضيق مقابل أن تتمكن سفنها من حرية الحركة أي أن يتوقف الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية.

ليست إيران وحدها متحفظة على «متعددة الجنسيات»، بل إن واشنطن أيضاً غير متحمسة لها؛ إذ تربطها برفض الأوروبيين والأطلسيين ودول أخرى مثل أستراليا واليابان الانضمام إلى واشنطن في الحرب الأخيرة؛ ففي الاتصال الهاتفي الذي جرى، الاثنين، بين وزيري خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا تناول البحث المهمة التي يدفع بها الأوروبيون إلى الأمام، وليس سراً أن الوزير الأميركي ماركو روبيو، كما الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غير متحمس لها وسبق له أن تساءل عن جدواها «بعد انتهاء الأمر» أي بعد انتهاء الحرب معتبراً أن أمراً كهذا ّيبدو كأنه غير منطقي، إلا أنه، في نهاية المطاف اعتبر أنه «قد يكون لها بعض الفائدة».


تركيا: توقيف أعضاء بشبكة لتمويل «داعش» عبر العملات الرقمية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)
TT

تركيا: توقيف أعضاء بشبكة لتمويل «داعش» عبر العملات الرقمية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول في أثناء مداهمة موقع لمطلوبين من عناصر «داعش» (الداخلية التركية)

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 43 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في عمليات متزامنة في 16 ولاية في أنحاء البلاد للاشتباه في ضلوعهم في شبكة لتمويل التنظيم عبر جمع أموال وتحويلها باستخدام العملات الرقمية المشفرة. ونفذت فرق من شعبة مكافحة الإرهاب التابعة لمديرية شرطة إسطنبول و15 ولاية أخرى في أنحاء تركيا العملية، بتنسيق من مكتب المدعي العام الرئيسي في إسطنبول، وفق ما أفادت به مصادر أمنية، الثلاثاء.

وجاءت العملية بعدما كشفت تحقيقات أجرتها إدارة مكافحة الجرائم المالية عن استخدام محافظ عملات لجمع الأموال عبر قنوات بتطبيق «تلغرام» تابعة لتنظيم «داعش»، تم تحويلها إلى محافظ باردة بهدف تصعيب عملية التتبع. وبحسب المصادر، تم جمع ما يقرب من 170 ألف دولار عبر هذه المحافظ الرقمية بين عامي 2021 و2025، وتسليم الأموال إلى أعضاء «داعش»، كما تبين أن الموقوفين خلال العملية الأمنية أجروا معاملات مالية مع أفراد لديهم سجلات جنائية مرتبطة بمنظمات إرهابية»، وتم ضبط العديد من المواد الرقمية في أثناء التفتيش في عناوين الموقوفين.

تنفذ قوات الأمن التركية حملات مستمرة على عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (إعلام تركي)

وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي أدرجته تركيا على لائحتها للإرهاب عام 2023، أو نسب إليه، سلسلة من الهجمات على أهداف مدنية في تركيا، في المدة بين عامي 2015 و2017، تسببت في مقتل نحو 300 شخص، وإصابة العشرات، حيث استخدم مقاتلو التنظيم الأجانب تركيا كنقطة عبور رئيسية من وإلى سوريا خلال الحرب الداخلية فيها. وتشهد تركيا حملات أمنية منتظمة على عناصر التنظيم وخلاياه منذ هجوم إرهابي نفذه الداعشي الأوزبكي عبد القادر مشاريبوف، المكنى «أبو محمد الخراساني» على نادي «رينا» الليلي في إسطنبول في رأس السنة عام 2017؛ ما أدى إلى مقتل 39 شخصاً، وإصابة 79 آخرين غالبيتهم أجانب. ومنذ ذلك الحين، أطلقت أجهزة الأمن التركية عمليات مستمرة، ألقت خلالها القبض على آلاف، كما رحّلت مئات من المقاتلين الأجانب، ومنعت دخول آلاف من المشتبه بهم إلى البلاد؛ ما أدى إلى تراجع هجمات «داعش» بشكل ملحوظ.

عودة نشاط «داعش»

وعاود «داعش» نشاطه الإرهابي، بعد 7 سنوات، بالهجوم على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول، مطلع فبراير (شباط) 2024؛ ما أسفر عن مقتل المواطن التركي تونجر جيهان (52 عاماً).

جانب من قداس لضحية هجوم «داعش» على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول في عام 2024 (إعلام تركي)

وعقب الهجوم، جرى القبض على 17 من عناصر «ولاية خراسان» بعد تحديد هويتهم بواسطة المخابرات التركية وشعبة مكافحة الإرهاب، في مديرية أمن إسطنبول، وجرى التأكد من صلتهم بالهجوم المسلَّح على الكنيسة والتخطيط لإقامة كيان لتدريب ونشر مسلَّحي «داعش» في دول الشرق الأوسط. وصعّدت أجهزة الأمن التركية، بعد ذلك الهجوم، من وتيرة عملياتها التي تستهدف كوادر التمويل والدعاية والترويج في «داعش»، ضمن حملاتها المستمرة ضد التنظيم، أسفرت عن ضبط عدد من كوادره القيادية، ومسؤولي التسليح والتمويل والتجنيد. وألقت قوات الأمن التركية، خلال هذه العمليات، القبض على مئات من عناصر تنظيم «داعش» ممن نشطوا سابقاً في صفوفه بالعراق وسوريا، وقاموا بأنشطة للتمويل، داخل تركيا، في حملات شملت عديد الولايات في أنحاء البلاد.

دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا غرب تركيا خلال اشتباكات بين الشرطة وعناصر من «داعش» في 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

وفي 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025، قُتل 3 شرطيين و6 من عناصر «داعش» في اشتباكات وقعت في مدينة يالوفا، شمال غربي تركيا، أسفرت أيضاً عن إصابة 8 من رجال الشرطة وحارس أمن. وكانت هذه الاشتباكات هي الأولى من نوعها بهذا الحجم بالنظر إلى عدد العمليات التي تنفذها قوات الأمن التركية ضد التنظيم الإرهابي منذ هجوم نادي رينا في إسطنبول. وعقب هذه الاشتباكات نفذت قوات الأمن التركية حملة موسعة في أنحاء البلاد استهدفت تنظيم «داعش»، وتم خلالها القبض على أكثر من 500 من عناصره. وكشفت تحقيقات في هجوم وقع بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (نيسان) الماضي، عن ارتباط منفذيه بتنظيم «داعش».

عناصر من قوات الانتشار السريع بالشرطة التركية تحيط بموقع تنفيذ هجوم إرهابي بالقرب من القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقتل أحد المنفذين، وأصيب آخران، بينما أصيب شرطيان بجروح طفيفة في الهجوم، الذي أعلنت وزارة الداخلية التركية، في أعقابه، توقيف 24 شخصاً لارتباطهم بـ«داعش»، من بين 198 مشتبهاً تم القبض عليهم غداة الهجوم. وتبين أن من بين الموقفين أعضاء في «داعش» وأشخاص يشاركون في تمويله، ونشر دعايته. ولم يعلن «داعش» أو أي جهة أخرى، المسؤولية عن الهجوم الذي استهدف نقطة للشرطة بالقرب من القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول، ولم تحمله السلطات، رسمياً، المسؤولية عنه.


حرب مفاوضات بين ترمب وطهران بلا رابح صريح

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

حرب مفاوضات بين ترمب وطهران بلا رابح صريح

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

من الواضح أن عوامل عدة تلعب دوراً كبيراً في تشديد إيران شروطها لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، ما وضع مسار التفاوض مع واشنطن في مأزق مفتوح، بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرد الإيراني الأخير.

كانت التحليلات تتوقع نتائج «منطقية» للحرب، تقوم على أن الضربات الأميركية والإسرائيلية الواسعة التي تعرضت لها إيران ستدفعها إلى قبول تسوية تقلّص خسائرها وتحفظ ما تبقى من قدراتها. لكن هذه المعادلة لم تطبق منذ إعلان الهدنة.

فطهران، بدلاً من خفض سقف مطالبها، بدت كأنها تحاول تحويل وقف النار إلى مساحة لإعادة ترتيب أوراقها، مستندة إلى توازنات داخلية مرتبكة، ودعم خارجي من الصين وروسيا، وتردد قوى إقليمية ودولية تخشى أن يخرج ترمب من الحرب بانتصار تفاوضي واسع ينعكس على ملفات خلافية أخرى.

انقسام داخلي يرفع سقف التشدد

المفارقة أن الضربات التي كان يفترض أن تضغط على النظام الإيراني لتقديم تنازلات، ربما أنتجت أثراً معاكساً داخل بنية القرار في طهران؛ فبدلاً من أن يظهر مركز واحد قادر على اتخاذ قرار بإنهاء الحرب، برزت مؤشرات إلى تنازع بين تيارات داخل النظام: فريق يريد تجنب الانهيار الكامل، وآخر يخشى أن تظهر أي تسوية بمظهر الاستسلام، وثالث يراهن على أن الزمن والاقتصاد العالمي والداخل الأميركي يمكن أن يفرضوا على واشنطن خفض شروطها.

في هذا السياق، يقول الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز» مايكل روبين، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن غياب الحكم الداخلي القادر على الفصل بين الأجنحة يزيد تصلب النظام. ويضيف: «في الماضي، كان المرشد الإيراني يقوم بدور الحكم بين الفصائل المختلفة، خصوصاً في القضايا الصعبة المتعلقة بما إذا كان ينبغي عقد صفقة أم لا. إذا كان مجتبى قد مات، فلا يوجد حكم. سيتنافس كل فصيل ليكون الأكثر عرقلة أو تشدداً، خشية أن يصوره منافسوه بأنه ضعيف أو خائن».

هذا التوصيف يفسر جانباً من التناقض الذي تحدث عنه ترمب نفسه، حين قال إن الإيرانيين وافقوا شفهياً على التخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب، ثم قدموا رداً مكتوباً لا يتضمن هذه النقطة. كما أنه يلقي الضوء على سبب استخدام ترمب تعبير «المعتدلين والمجانين» لوصف الانقسام داخل القيادة الإيرانية. فالرهان الأميركي على أن الضربات ستنتج قراراً موحداً في طهران اصطدم، على ما يبدو، بحسابات بقاء داخلية تجعل التشدد أقل كلفة سياسياً من التسوية.

مروحية أميركية تُحلق فوق زوارق دورية تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني في هرمز خلال ديسمبر 2018 (أرشيفية - أ.ب)

«هرمز» ورقة ضغط مؤقتة

يبقى مضيق هرمز الورقة الأكثر أهمية في يد إيران؛ فاستمرار تعطيل الملاحة يمنح طهران قدرة على توسيع كلفة الحرب خارج حدودها، من أسواق الطاقة إلى التضخم، ومن آسيا إلى أوروبا، وصولاً إلى الداخل الأميركي. ولهذا تحاول إيران ربط إعادة فتح المضيق بشروط سيادية وسياسية واقتصادية، بينها تخفيف العقوبات والاعتراف بدورها في إدارة أمن الممر البحري.

لكن هذه الورقة ليست بلا سقف. ويرى جوناثان شانزر، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن طهران تبالغ في تقدير قوتها. ويقول: «لا أعتقد أن النظام في إيران غيّر موقفه منذ إعلان وقف النار. أعتقد أن من الخطأ أن يواصل الحرب. ستكسب الولايات المتحدة في النهاية اليد العليا عبر الحرب الاقتصادية أو العمليات العسكرية أو كلتيهما. مضيق هرمز يوفر بعض النفوذ الآن، لكن ذلك سيتغير بمجرد تعديل تدفقات الطاقة وتخفيف الأزمة من جانب المنتجين الآخرين في المنطقة. استمرار الحرب رهان خاسر للنظام».

هذا الرأي يعكس الرهان الأميركي المضاد، أن الوقت الذي تستخدمه إيران لتكبير كلفة الحرب، يمكن أن تستخدمه واشنطن وحلفاؤها لإعادة توجيه التدفقات، وتوسيع الضخ، وتخفيف أثر المضيق، بما يحول الورقة الإيرانية من أداة ابتزاز استراتيجية إلى عبء طويل الأمد على النظام نفسه.

الصين وروسيا

تستمد طهران جزءاً من صلابتها من حسابات خارجية، خصوصاً من الصين وروسيا. ويرى محللون أن بكين لا تريد انهيار إيران ولا انتصاراً أميركياً كاملاً يكرس قدرة واشنطن على فرض شروطها في قلب آسيا وغربها. وتشير «سي إن إن» إلى أن شبكة من المصافي الصينية الصغيرة، ولا سيما في إقليم شاندونغ، تواصل معالجة النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، ما يضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، ويمنح النظام هامشاً مالياً في لحظة ضغط قاسية.

لكن الدعم الصيني يبقى محكوماً بمفارقة واضحة؛ فالصين تعتمد بشدة على نفط الخليج، ولا مصلحة لها في إغلاق طويل لهرمز يهدد صناعتها وسلاسل توريدها ويعمق التباطؤ في آسيا. لذلك يذهب ترمب إلى بكين حاملاً ملف إيران كجزء من اختبار أكبر للعلاقة مع الرئيس شي جينبينغ: هل تضغط الصين على طهران لتقبل تسوية، أم تستثمر المأزق لإضعاف واشنطن تفاوضياً؟

أما روسيا فتجد في الحرب فرصة لتوسيع كلفة السياسة الأميركية، وتشتيت الموارد والاهتمام بعيداً عن ملفات أخرى. لكنها، مثل الصين، لا تستطيع إنقاذ إيران من تبعات عسكرية واقتصادية مفتوحة إذا قررت واشنطن استئناف الضربات. وهنا تظهر حدود «دعم الأصدقاء»، فهو يكفي لإطالة النفس الإيراني، لكنه لا يكفي بالضرورة لتغيير ميزان القوة.

إيرانيون يقودون دراجاتهم أمام لوحة إعلانية تعرض صورة للمرشد مجتبى خامنئي في وسط طهران 6 أبريل الماضي (أ.ب)

ترمب بين التصعيد وكلفة البنزين

في واشنطن، لا يبدو ترمب في موقع مريح؛ فقد نقل موقع «أكسيوس» أن الرئيس اجتمع مع فريقه للأمن القومي لبحث استئناف العمل العسكري، بعدما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. وقال ترمب إن وقف النار بات على «أجهزة إنعاش ضخمة»، وإنه يملك «خطة» تقوم على منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وتحدث مسؤولون أميركيون عن خيارات تشمل إعادة إطلاق «مشروع الحرية» لمرافقة السفن في مضيق هرمز، أو استئناف حملة القصف ضد ما تبقى من أهداف عسكرية لم تضرب بعد.

لكن توقيت القرار معقد، فترمب يتوجه إلى الصين، ومسؤولون أميركيون لا يتوقعون قراراً عسكرياً كبيراً قبل عودته. كما أن الداخل الأميركي يضغط بقوة. أسعار البنزين ارتفعت إلى نحو 4.52 دولار للغالون، بينما تشير استطلاعات عن تراجع شعبية ترمب الاقتصادية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. ومن هنا جاء انفتاحه على تعليق ضريبة البنزين الفيدرالية، رغم أن هذه الخطوة تحتاج إلى موافقة الكونغرس، وقد لا تنعكس كاملة على المستهلكين.

بهذا المعنى، تراهن طهران على أن الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل صارت سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة. فكل يوم يبقى فيه مضيق هرمز معطلاً يزيد الضغط على المستهلك الأميركي، ويعطي خصوم ترمب فرصة للقول إن حربه رفعت التضخم وأضعفت الاقتصاد.

غير أن هذا الرهان الإيراني ينطوي بدوره على مخاطرة كبرى، فإذا شعر ترمب بأن طهران تستخدم هرمز والانتخابات لابتزازه، فقد يندفع إلى ضربة جديدة لإثبات أن الضغط الداخلي لا يقيد قراره. لذلك يلخص مايكل أوهانلون، الباحث في معهد «بروكينغز»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، غموض اللحظة بقوله: «كلا الطرفين يأمل أن تكون له اليد العليا. لكن لا أحد يعرف بعد من هو المصيب».

الخلاصة أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً من القصف نفسه، ومضيق هرمز يبقى قلب المعادلة: ورقة ضغط إيرانية الآن، لكنه قد يتحول سريعاً إلى سبب لاستئناف الحرب إذا قرر ترمب أن الهدنة لم تعد سوى غطاء لتعطيل انتصاره.