ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

خيارات العنف تُشعل قلقاً أممياً

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية
TT

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

راود الليبيين على مدار تسع سنوات شعور مُهين بأن بلادهم «باتت مرتعاً لأجهزة استخباراتية عديدة»، وأن مجالها الجويّ أصبح مفتوحاً لطائرات أجنبية، كانوا يطلقون على بعضها فيما مضى لقب «فاعل خير». غير أن هذا الشعور بات واقعاً مرئياً، على وقع «حرب طرابلس»، وما تسببت فيه من «فتح شهية» أنظمة دولية وإقليمية، في مقدمها نظام تركيا، دخلت إلى السوق الليبية لعرض بضاعتها، والتربح من أزمتها.
وبقراءة الليبيين أنفسهم، فإن جزءاً من عبثية المشهد، راهناً، يتمثل في صراع دولي بات يعرقل بعضه بعضاً لكثرة أجنداته وتعدّد حساباته؛ فلكل منهم هدف ولجميعهم غاية. ولقد عبَّر عن ذلك وزير ليبي سابق في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، فقال: «كان صراعنا في البدء مناطقياً داخلياً منذ إسقاط نظام معمر القذافي، إلا أن قوى دولية مختلفة عملت على تغذيته، وتعاظم أكثر مع دخول تركيا على خط الأزمة».
هناك، عند منتصف الساحل الليبي، بين طرابلس العاصمة وبنغازي، وتحديداً، على بُعد 450 كيلومتراً، تتقاطع المصالح الدولية حول سرت. ويجري التجهيز لمعركة فاصلة، ربما تكون الأكثر دمويةً في البلاد، تحشد لها تركيا عدةً وعتاداً منذ شهر وأكثر دعماً لـ«حكومة الوفاق»، برئاسة فائز السراج، في مواجهة قوات «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وكأن مصير هذه المدينة أن تكون شاهداً على تحوّلات جذرية، بدأت بمقتل معمر القذافي في إحدى ضواحيها، وربما تنتظر مشهداً جديداً في قادم الأيام.
الملاحَظ أنه منذ إطلاق حفتر الحرب على طرابلس، تبدَّلت مواقف دولية، وظهرت أخرى كانت خافتة، إلى العلن، على مسرح الأحداث. ومع ذلك لا تتوقف غالبيتها عن بث رسائل الطمأنة بأنه «لا حل عسكرياً في ليبيا»، وأن الأزمة «لا بدّ من أن تنتهي على طاولة التفاوض السياسي»، لكن فوق طاولة مشابهة أُجريت اتفاقات وعقدت صفقات.

إردوغان وماكرون
لم تهدأ أنقرة، منذ إعلان «تحرير» الحدود الإدارية للعاصمة، في الرابع من يونيو (حزيران) الماضي. ولعلها لن تكتفي بما تحقق. ذلك أن ما سيطرت عليه - وفقاً لموالين لـ«الجيش الوطني» - عبارة عن أراض صحراوية تخلو من آبار النفط. لذا ينفخ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي تحظى تحركاته هناك برضا أميركي، في نار الحرب، سعياً لإشعالها، على أمل أن يتجاوز خط سرت - الجفرة، ويقترب من «الهلال النفطي». ولذا، تجاهل كل المبادرات والدعوات المنادية بوقف الحرب.
من ناحية ثانية، فإن مسؤولي الحكومة التركية بدأوا يتحدثون بلسان «حكومة الوفاق»، ويحدّدون شروطاً لوقف إطلاق النار، بما معناه أن الحرب ماضية في طريقها، وهو ما أغضب كثيرين من مواطني غرب ليبيا. وذهب المحلل السياسي عبد العظيم البشتي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الارتهان للديكتاتور إردوغان يزداد يوماً بعد يوم... وهو سيستغل استعانة السراج به أبشع استغلال». لكنه يستدرك، فيقول: «ما كان ذلك ليحدث لولا الحرب (العدوانية) والمدمّرة التي شنها حفتر على طرابلس».
وحقاً، فإن جزءاً من تقاطع المصالح عبّرت عنه فرنسا، عندما أظهرت موقفاً مغايراً باتجاه التحرّكات التركية في ليبيا، نشأ عنه تجاذبات متبادلة في بداية الأمر. وتدرّج تصاعدياً إلى أن اتهم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، تركيا، بمحاولة تكرار «السيناريو السوري» في ليبيا من خلال الدفع بالأسلحة و«المرتزقة» إلى الغرب الليبي، لدرجة دفعت البعض للتساؤل: هل تتحوّل ليبيا إلى ساحة للصراع بين إردوغان وإيمانويل ماكرون؟

كلام لودريان الأخير
موقف فرنسا المتصاعد في مواجهة تركيا، وإن كان البعض يرى أنه ظل مسانداً لحفتر طول أشهر الحرب الـ14. يُعد الأقوى في ظل التباينات التي تبديها أطراف دولية أمام مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة الليبية، فضلاً عن أنه يُوصف بأنه تمكن من «لجم» الموقف التركي، وبات نداً له.
ورداً على الاتهامات التركية لباريس بالانحياز لطرف على حساب آخر، قال لودريان أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي: «أسمع أشياء كثيرة عن أن فرنسا اختارت معسكر المشير (خليفة) حفتر. من المهم توضيح كل هذا... نحن ندعم الجيش الوطني الليبي الذي اشتهر على الصعيد الدولي بقتاله ضد (داعش). إننا لا نقدم له دعماً عسكرياً فعالاً، بل المشورة والدعم السياسي»، متحدثاً عن «تغيير في الموقف» بعدما شن حرباً على طرابلس.

«ضحية الجغرافيا»
كثير من المحللين يرجعون السبب في تأخر حسم معركة سرت، ومن ثم، عرقلة الطموح التركي، إلى أسباب عدة، من بينها كثرة التدخلات الخارجية على خط المعركة، وما يكتنف ذلك من تضارب مصالح، بغض النظر عما تضمره تلك القوى، ويظهر في إفادات منمقة أمام مجلس الأمن الدولي.
ويربط كثيرون من الليبيين هذه التصرفات الدولية المتباينة بما يرونه أطماعاً في ثروات بلدهم وموقعه الجغرافي، وهي النقطة ذاتها التي انطلق منها الرئيس التركي، عندما تحدث عن حق بلاده في «جغرافيتها القديمة»، وبرّر دخوله ليبيا للدفاع عن مليون ليبي من أصول تركية. لكن الدكتور علي قلمة مرصدي، وزير العمل والتأهيل السابق في «حكومة الوفاق»، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى أن أطماع تركيا وكثرة من الدول المتدخلة في الأزمة متعلقة بالموقع الاستراتيجي لليبيا الذي يربط بين أوروبا وأفريقيا، وأن هذا سبب كافٍ للصراعات الدولية حول بلاده، وتابع: «ما نشهده هو بداية للحرب الباردة بين الدول العظمى من جديد، وفق نظرية (قلب العالم)، خصوصاً الدول التي لديها أطماع بالسيطرة على الساحل الشمالي للبحر المتوسط».
وحسب مرصدي، فإن «هناك ارتباطاً وثيقاً بين تحقيق الأمن في كل من ليبيا ومصر. وبالتالي، كان طبيعياً أن نجد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث عن ضرورة تحقيق الأمن في ليبيا، بوقف الحرب ومنع تخطيها خط سرت - الجفرة. ولا أحد يستطيع أن يجادل في أهمية خطورة ذلك على مصر، لكن ليس لدى تركيا حجة للتدخل في ليبيا، بل هي تستهدف مصالح آنية فقط».
من جانب آخر، يقول مسؤول عسكري بـ«الجيش الوطني» إن «تحركات كثير من الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها مصر وروسيا، التي عرضت للرأي العام العالمي رغبة القيادة العامة في الحوار واستئناف العملية السياسية، ساهمت إلى الآن في إيطاء عجلة الحرب، ووضع إردوغان أمام حرج دولي، غير أن الأطماع التي قادته إلى ليبيا ستدفع به لاستكمال الحرب، بهدف وضع يده على موانئ النفط، كما يزعم أنصاره».
وأردف المسؤول أن الليبيين «يحلمون بيوم يرون فيه دولتهم مستقرة، ذات سيادة محفوظة، وليست بحدود مشرعة أمام مخابرات العالم، وسماؤها تعربد فيها الطائرات الأجنبية التي كان الليبيون يطلقون عليها في السابق (فاعل خير) عندما كانت تستهدف فلول (داعش)».

«العبثية الساخرة»
الواقع أن ثمة نظرةً في ليبيا تعتبر الدورين الروسي والتركي السبب الرئيسي في تأجيج الصراع وإذكاء نار الحرب؛ فالأولى داعمة لـ«الجيش الوطني الليبي»، والثانية تدفع بالسلاح والمرتزقة لـ«حكومة الوفاق». والغريب أنه رغم ذلك، لا تتوقف اللقاءات بين مسؤولي البلدين لبحث الأوضاع في ليبيا. هذا الأمر يثير حيرة الليبيين وسخريتهم، في آن واحد؛ إذ يرى بعضهم أن موسكو وأنقرة تتحاوران وكأنهما في «تمثيلية» مسرحها محاور الاقتتال، ويتساءل هؤلاء «عن الجهات التي تدفع بالأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة، منذ شهر، إلى تخوم مدينة سرت».
هنا يقول مرصدي: «يبدو أن الأطراف الخارجية المتصارعة على الملف الليبي تفاهمت على تقاسم الكعكة قبل أن تتفاهم عليها الأطراف الليبية المتنازعة».
والأربعاء الماضي، أفادت وكالة «الأناضول» التركية بأن رئيس هيئة الأركان التركي يشار غولر بحث، ونظيره الروسي، فاليري جيراسيموف «القضايا الأمنية الراهنة المتعلقة بسوريا وليبيا». وفي اليوم ذاته، نقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو وأنقرة تعملان من أجل التوسط لوقف فوري لإطلاق النار في ليبيا. ونقل أن «الجيش الوطني» مستعد لتوقيع وثيقة تقضي بوقف إطلاق النار، ويأمل أن تتمكن تركيا من إقناع «حكومة الوفاق» - المعترف بها دولياً - بالتوقيع أيضاً.
هذا، وشارك وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، الليبيين سخريتهم. وقال، خلال مؤتمر وزاري لمجلس الأمن عبر الفيديو، حول ليبيا: «في الوقت الذي أغلق العالم بأكمله حدوده، واصلت السفن والطائرات والشاحنات المحملة بالأسلحة والمرتزقة في الوصول إلى المدن الليبية... لقد حان الوقت لإنهاء هذه العبثية الساخرة... فلا مزيد من الطائرات ولا الدبابات ولا الشاحنات أو السفن المليئة بالأسلحة. ولا مزيد من الأكاذيب».
لهذا، اضطرت روسيا أمام الاتهامات التي توجه إليها للتأكيد عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، على «رفضها» الاتهامات بالانخراط في القتال داخل ليبيا. وأكد المندوب أنه «لا يوجد جندي روسي واحد يقاتل في ليبيا، ولا أدلة على وجود مواطنين روس يقاتلون في ليبيا، بينما هناك مقاتلون آخرون من عدة بلدان، بما فيها الدول التي تتهمنا».
مع ذلك، قال سعد الجازوي، عضو مجلس النواب «المقاطع»، والقيادي بتنظيم «الإخوان»، إن الوجود الكبير للقوات الروسية في صفوف «العدو» يمثل «مطامع لدى موسكو لإعادة تمركزها ورسم خريطة النفوذ على الخريطة الدولية؛ لأنه مما لا شك فيه أن غياب القطب الروسي عن التأثير في المعادلة الدولية نتيجة انقسام الاتحاد السوفياتي جعلها تحاول إعادة تموضعها!».

غوتيريش قلِق
وعكسَ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، جانباً من التناقضات والتدخلات وتأثيراتها على الأرض، بوصفه أن «التدخل الخارجي في ليبيا بلغ مستويات غير مسبوقة، مع تسليم معدات متطورة وعدد المرتزقة المشاركين في المعارك». وأضاف أن قوات «حكومة الوفاق» تواصل «بدعم خارجي كبير تقدمها نحو الشرق، وهي حالياً على مسافة 25 كيلومتراً من سرت». واستطرد: «نحن قلقون للغاية إزاء الحشد العسكري المثير للقلق حول المدينة، والمستوى المرتفع للتدخل الخارجي المباشر في النزاع، الذي ينتهك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وتعهدات الدول المشاركة في (مؤتمر) برلين»، الذي عُقد في يناير (كانون الثاني) الماضي.
واتفق البشتي مع ما ذهب إليه غوتيريش، لكنه قال إن التدخلات «ستشكل دون شك ضغطاً على الوجود التركي في ليبيا، وعلى قواته وميليشياته، وربما يتبع ذلك ضغط من الأمم المتحدة على إردوغان، بدفع (الوفاق) للجلوس إلى الحوار برعاية أممية، وهذا ما نأمله دون شك»، مضيفاً: «ونطالب الأمم المتحدة، إذا ما تحقق ذلك، باتخاذ قرار بضرورة سحب سلاح كل الميليشيات غرباً وشرقاً وجنوباً، والإشراف على حماية الشعب حتى إتمام الانتخابات النيابية والرئاسية».

قوة ضاغطة
أيضاً، أعربت أطراف دولية وعربية عن مخاوفها من خطورة الأوضاع في ليبيا. وقال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو إن الوضع «لا يزال قلقاً للغاية»، وأرجع ذلك لما سماه «التوازن غير المستقر»، الذي جاء «نتيجة سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية خلال السنوات العشر الأخيرة، وآخرها الهجوم العسكري على طرابلس»، وتابع أنه وجَّه دعوة لضبط النفس والاعتدال لرئيس «حكومة الوفاق» خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس «ويجب توجيه الرسالة نفسها إلى قائد (الجيش الوطني) المشير حفتر». ودعا جميع البلدان إلى وقف عمليات نقل الأسلحة، والتعاون «من خلال طريقة مخلصة».
وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي المغربي ناصر بوريطة، أعرب من جهته أمام مجلس الأمن الدولي عن قلقه إزاء التدهور المستمر للوضع في ليبيا، ولفت إلى أن «النوايا الحسنة للمجتمع الدولي متوافرة فيما إرادته السياسية مفقودة». وقال بوريطة إن ليبيا «ليست أصلاً للتجارة الدبلوماسية. والتدخلات الأجنبية لا تخدم مصالحها ولا تساعد الأفرقاء هناك على الارتقاء فوق مصالحهم الخاصة إلى المصلحة المشتركة لجميع الليبيين»، وانتهى إلى أن الحل «يجب أن يكون سياسياً لا عسكرياً، وأن يأتي من الليبيين أنفسهم، ويضمن وحدة ليبيا وسيادتها وسلامتها الترابية».
كذلك جدد أحمد أبو الغيط، أمين عام الجامعة العربية، رفض وإدانة الجامعة كل أشكال التدخلات العسكرية الأجنبية في ليبيا، مطالباً بالوقف الفوري للقتال بين الأطراف الليبية، وشدد على ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، واستئناف الحوار الوطني الخالص بين الأشقاء الليبيين للتوصل إلى تسوية متكاملة للوضع في البلاد بمساراته الأمنية والسياسية والاقتصادية. ورأى أن «هذه الجهود وتلك المسارات لا يمكن أن تنجح إلا في مناخ يخلو من كافة التدخلات الأجنبية، وبعيداً عن التهديد الذي تمثله الجماعات والميليشيات المسلحة».
والحاصل أنه في ظل تشبث طرفي الصراع بقوى خارجية، زادت الأزمات الداخلية، وتعقد المشهد الراهن، ما دعا الاقتصادي الليبي الدكتور محسن الدريجة، إلى التعجب من أمر الليبيين «يستعينون بالغرباء بعضهم على بعض، ويتوقعون أن ليبيا ستبقى لهم!».
زمن «الميري»... أيام لا يحب الليبيون تذكرها
> أحيت التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «لشرعنة» وجود قواته على الأراضي الليبية، مخاوف أطياف مختلفة من الشعب، متذكرين فترة طالت لنحو ثلاثة قرون من الحكم العثماني لبلادهم، وصفوها بأنها كانت شاهداً على «العديد من المذابح والأهوال» التي ارتُكبت في أنحاء البلاد.
ومنذ توقيع إردوغان «مذكرتي تفاهم» مع سلطات طرابلس، وهو يحاول اللعب على أن ليبيا «تركية الأصل»، وأنها تضم مليون مواطن من أصول تركية «يستحقون دعمه والتدخل لنجدتهم، والوقوف إلى جانبهم». لكن التصريحات التي أطلقها استقبلها الليبيون بالرفض والاستنكار، مؤكدين على أنهم ليسوا مستعدين للعودة إلى زمن دفع «الميري»، أو «الويركو»، وهو اسم لنوع من الضرائب التي فرضتها الدولة العثمانية على الليبيين آنذاك.
وترصد كتب التاريخ أن هذه الضريبة كانت تُقدّر بـ40 قرشاً قابلة للزيادة يدفعها الذكور سنوياً، كما كانت تُجبى بالمقدار ذاته من أصحاب الحيوانات والمزارع، ويُعاقب الممتنع عن دفعها بالسجن ثلاثة أشهر. وبجانب «الميري» كانت هناك أيضاً ضريبة تُسمى «فتح بندر» تُفرض على من يريد فتح مشروع تجاري، بهدف إتاحة الفرصة لمنافسة التجار الأجانب.
إلا أن ضريبة «العُشر» توصف بأنها كانت الأكثر ظلماً لليبيين، وهي عبارة عن 10 في المائة من قيمة المحاصيل الزراعية، يُجبر الفلاحون على دفعها بغض النظر عن سنوات الجفاف وتضرر الأرضي الزراعية. وكان يُعفى منها الموسرون، في حين كانت تُغلّظ على الفقراء، ما اضطر غالبية الفلاحين إلى مغادرة أراضيهم هرباً من البطش.
الأمر لم يتوقف عند رصد المؤرخين لزمن الجباية، بل تحدثوا عن وقوع مذابح كثيرة في ليبيا بأيدي الأتراك، من بينها مذبحة قبيلة الجوازي، التي تسكن مدينة بنغازي. وفيها قُتِل نحو 10 آلاف شخص خلال شهر رمضان، بسبب نزاع بين الوالي العثماني يوسف باشا القرماني وولده. وهو ما عبر عنه ﻣﻔﺘﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺍﻷﺳﺒﻖ ﺍلطاهر ﺍﻟﺰﺍﻭﻱ، وأورده ﻛﺘﺎﺏ ﻣﻌﺠﻢ ﺍﻟﺒلدان ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﺔ، إذ قال إن «العهد التركي في ليبيا كان أسود، وﺍﺳﺘﻤﺮ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وستين عاماً، عانت فيه طرابلس الفقر والجهل والذل والفوضى فوق ما يتصور إنسان».
تحدث الأكاديمي الليبي أستاذ التاريخ عثمان البدري لـ«الشرق الأوسط» عن فترة الاحتلال العثماني لبلاده، فقال إن «الحكم العثماني لم یهتم بالشؤون الاقتصادية والثقافية في ولاية طرابلس الغرب، التي كان يحتلها مركّزاً فقط على جمع الضرائب فقط من المواطنين». وأردف أن «العثمانیین ضربوا حاجزاً بینهم وبین الأهالي ما أدی إلی انعدام الاختلاط بين الثقافتين، وهو ما انعكس في أن المصطلحات العثمانية لم تنتشر رغم بقائهم فی هذه الولایة لمدة طویلة زادت عن ثلاثة قرون».
من جهة ثانية، رأى فيها المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي وسيلة تستهدف «ضرب النسيج الاجتماعي الليبي، وإحداث فتنة بين المواطنين».
وقال علي أبو سبيح، رئيس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية في المنطقة الجنوبية، إن أهالي منطقة القرضة بوادي الشاطئ ما زالوا يتناقلون قصصَ تصدّي أهلهم لإحدى الحملات العثمانية التي جاءت لإرغامهم على دفع «الميري»، وقال في تصريحات تلفزيونية، إن المواطنين تمكنوا من «دحر حملة الوالي العثماني حينها، وبالتالي يقدرون اليوم على دحر الغزو التركي عن بلادهم».



احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
TT

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي تحكمها. فالانسحاب الذي أُنجز عام 2000 جاء في سياق يختلف جذرياً عن ذلك الذي أعقب «حرب يوليو (تموز)» 2006، بينما يبدو المشهد الحالي محكوماً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مسارات التفاوض، ما يجعل استعادة نماذج الماضي أمراً بالغ الصعوبة. وبمعزل عن التصوّرات السياسية لإنهاء الأزمة، وفي ظل الإصرار اللبناني على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، تواجه إسرائيل هذه الدعوات بتركيز متصاعد على مرتفعات استراتيجية، مثل «علي الطاهر»، ومواقع أخرى حاكمة في جنوب لبنان، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت تل أبيب تتّجه إلى بناء «حزام مرتفعات» يقوم على الإمساك بالنقاط الجغرافية المُشرفة، وحرمان «حزب الله» منها، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي واسع يتطلب انتشاراً برّياً دائماً، وكلفة عسكرية، وبشرية أكبر.

لا توجد مُعطيات تسمح بالكلام عن «عقيدة إسرائيلية» معلنة، وتتطرّق بالذات إلى السيطرة على المرتفعات. لكن خريطة المواقع التي تركّز عليها العمليات، من مرتفعات الشقيف وزوطر وصولاً إلى مرتفعات «علي الطاهر»، تعزّز لدى خبراء عسكريين فرضيّة إعطاء إسرائيل أولوية للنقاط التي توفّر المراقبة والسيطرة بالنار على مساحات واسعة.

وبالفعل تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتفاعها، وإشرافها على النبطية، ومناطق باتجاه إقليم التفاح، وكان التصعيد الإسرائيلي الكثيف قد أعاد المرتفعات إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.

السيطرة على المرتفعات

تركّز إسرائيل على السيطرة على المرتفعات في جنوب لبنان، والإمساك بالنقاط الحاكمة، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي.

وشرح العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «الهدف الأساسي الذي ظهر مع إعلان إسرائيل الخط الأصفر هو الإمساك بالمرتفعات الحاكمة المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية»، موضحاً أن هذا الخط يمتد -وفق تصوّره- «من البيّاضة في القطاع الغربي، مروراً ببلدات رشاف وبيت ليف وحداثا شمالي بنت جبيل في القطاع الأوسط، ووصولاً في القطاع الشرقي إلى دير سريان والطيبة، ومن ثم إلى السفوح الشرقية لجبل الشيخ، ولا سيما باتجاه عين عطا وعين قنيا».

قزح أردف أن «هذا الخط هو عبارة عن مرتفعات مقابلة للمستوطنات الإسرائيلية، وتبعد عنها في حدود 8 إلى 10 كيلومترات، بما يحرم (حزب الله) من إطلاق النار المباشر باتجاه المستوطنات». وتابع: «بعد إعلان هذا الخط، تقدّمت إسرائيل وأخذت زوطر الشرقية وزوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ثم عادت وتقدّمت إلى أن وصلت إلى محاصرة علي الطاهر»، معتبراً أن «المنطقة الممتدّة من علي الطاهر إلى الشقيف وزوطر الشرقية تدخل ضمن هذا التصوّر».

وبحسب قزح فإن «إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق طالما هناك أي خطر تعتبر أنه آتٍ من أي جهة كانت على الأراضي اللبنانية». وعن مصير المرتفعات، قال: «لن تنسحب منها طالما لا يوجد حل لسلاح (حزب الله) في لبنان، ولن تنسحب من التلال الحاكمة للمستوطنات».

معركة التلال

الحال أن التركيز الإسرائيلي على مرتفعات جنوب لبنان يرتبط بأهميتها العسكرية، وبوجود مواقع وقواعد لـ«حزب الله» فيها، حسبما يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، معتبراً أن السيطرة عليها تشكل «هدفاً عسكرياً إسرائيلياً أساسياً»، لكن تحقيقه ميدانياً ليس سهلاً، بسبب الكلفة البشرية لأي عملية برّية.

شحيتلي أوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هذه المناطق كانت ذات أهمية عسكرية، وشكّلت قواعد للجبهة، ومراكز للقيادة العملانية، ولذلك فإن لدى إسرائيل هدفاً أساسياً يتمثل في دخولها، والسيطرة عليها... لكن السؤال هو: هل تستطيع إسرائيل تحقيق هذا الهدف؟ حتى الآن لم تستطع». ومن ثم اعتبر أن العمليات الإسرائيلية لم تصل بعد إلى مستوى «الحسم العسكري الميداني، وأن استمرار تحرّك مجموعات مقاتلة واستهدافها بالمدفعية والطيران ووسائل أخرى يعني أن (حزب الله) لا يزال فاعلاً ميدانياً خلف الخطوط الإسرائيلية».

شحيتلي أوضح أيضاً أن التركيز على مرتفعات مثل «علي الطاهر والدبشة» سببه كونها «مرتفعات قريبة وحاكمة على المنطقة، وعلى شمال فلسطين، ويمكن منها استخدام أسلحة مباشرة، أو صواريخ مباشرة باتجاه شمال إسرائيل، والمستوطنات... بجانب أنها مراكز دعم وإسناد، وقيادة عملانية يمكن الانطلاق منها في العمليات العسكرية».

كلفة العملية البرّية

من جهة ثانية، يقوم الفارق بين السيطرة على شريط جغرافي والإمساك بالنقاط الحاكمة على أن الأولى تتطلب انتشاراً متصلاً، وتأمين خطوط إمداد، بينما تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة، والسيطرة بالنار تفوق مساحتها الجغرافية. من هنا لا يعني هذا التصوّر بالضرورة إنشاء مواقع إسرائيلية ثابتة فوق كل المرتفعات، بقدر ما قد يعكس سعياً إلى منع «حزب الله» من استخدامها كنقاط مراقبة، أو قيادة، وإسناد، سواء بالسيطرة عليها، أو الدفع باتجاه تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبحسب شحيتلي: «إسرائيل تستفيد من الوقت للتحضير لأي عملية محتملة... والمحادثات وغيرها تمنح إسرائيل وقتاً للتحضير للعملية العسكرية في هذه المنطقة، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي الكلفة العالية من الخسائر البشرية التي قد تترتب على مثل هذه العملية، وهي كلفة لا تستطيع تحملها بسهولة». وأضاف: «في المفهوم العسكري، ليست القمة الأعلى جغرافياً هي بالضرورة موقع تمركز للقوات. القمة يمكن استخدامها للمراقبة، لكن المواقع والخطوط الدفاعية تكون عادة تحت خط القمة»، لافتاً إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل «ليس القمم بحد ذاتها فقط، بل المواقع العسكرية، والخطوط الدفاعية الموجودة تحتها، وعلى جوانبها».

بالتالي لا يعني «حزام المرتفعات» -إذا تبلور- خطاً متصلاً من القمم تحتلها إسرائيل، بقدر ما يعني «شبكة من النقاط الحاكمة» التي تسعى إلى منع «حزب الله» من استخدامها عسكرياً، لتصبح «علي الطاهر» الاختبار الأبرز لما إذا كان هذا التصوّر سيبقى محصوراً بالمواجهة الحالية، أم يتحوّل إلى معيار إسرائيلي أوسع للتعامل مع جغرافيا جنوب لبنان.

معضلة الانسحاب الإسرائيلي

في الواقع، الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على المرتفعات تقوّض الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وتقع المعضلة السياسية في تبدل الظروف عما كان عليه الأمر في العامين 2000 و2006.

إذ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000 بعد احتلال طال لنحو 22 سنة، ومن دون أي اتفاق ثنائي مع الحكومة اللبنانية. أما في العام 2006، فقد تم بعد اتفاق أنتج القرار الأممي 1701 الذي ينصّ على إخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ومسلحي «حزب الله».

في الواقع، لا يقتصر الاختلاف بين تجربتي الانسحاب عامي 2000 و2006 على الظروف الميدانية، بل يشمل أيضاً الجهات المؤثرة في القرار، وطبيعة الضمانات، وآليات التنفيذ، وهو ما يجعل أي حديث عن انسحاب إسرائيلي اليوم مرتبطاً بمعطيات تختلف عما عرفه لبنان في المحطّات السابقة.

تقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القاضية بالسيطرة على المرتفعات الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية

انسحاب العام 2000

العميد المتقاعد ناجي ملاعب قال إن انسحاب عام 2000 جاء نتيجة ظروف إسرائيلية داخلية أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «انسحاب عام 2000 كان قراراً إسرائيلياً داخلياً بامتياز. فيومذاك وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً يقوم على سحب القوات الإسرائيلية من لبنان، بعدما أصبحت كلفة بقائها مرتفعة بشرياً، واقتصادياً، إلى جانب وجود القرار الدولي 425 الذي كان يطالب إسرائيل بالانسحاب منذ سنوات».

ثم أردف: «كان حزب (العمل) يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف أعباء الجيش الإسرائيلي، وخفض الإنفاق العسكري، والاهتمام بالاقتصاد، ولذلك اتُّخذ قرار الانسحاب بصورة مفاجئة، حتى إن كثيراً من عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (المتحالفة مع إسرائيل) لم يكونوا على علم به مسبقاً. بعضهم عاد إلى لبنان وخضع للمحاكمة، فيما فرّ آخرون إلى إسرائيل. لذلك يمكن القول إن انسحاب عام 2000 كان نتيجة قرار إسرائيلي داخلي أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية».

من جهته، استعاد العميد المتقاعد فادي داود تجربة عام 2000 من زاوية مختلفة، فقال: «انسحاب عام 2000 لم يكن مجرد قرار أحادي، بل سبقته مفاوضات غير مُعلنة جرت عبر ألمانيا. تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بقيت بعيدة عن الإعلام، لكن ما كُشف لاحقاً يؤكد وجود وساطة ألمانية، واتصالات سبقت تنفيذ الانسحاب».

«طبيعة التأثير الخارجي تبدلت أيضاً»، وفق داود الذي أكد أن «الطرف الوحيد القادر فعلياً على إلزام إسرائيل بأي اتفاق الآن هو الولايات المتحدة. لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على ممارسة ضغط حقيقي عليها، أو فرض حدود لتحركاتها، ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بالإرادة الأميركية وحدها».

انسحاب 2006

في المقابل، حكمت الانسحاب في العام 2006 معطيات مختلفة. فبحسب ملاعب، المشهد تبدّل بعد «حرب يوليو» 2006، وأوضح: «ما حصل بعد حرب يوليو كان ثمرة نشاط دبلوماسي مكثف قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، وبالتوازي مع جهود فرنسية، ودعم عربي، إضافة إلى ضغط أميركي أدى إلى وقف العمليات العسكرية بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وبالتزامن مع صدور القرار 1701».

وتابع: «أهمية القرار 1701 تكمن أولاً في تثبيت وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وهو ما وافق عليه الطرفان، كما أنه أتاح انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة، ورسم الخط الأزرق بإشراف الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط التي لا تتطابق مع اتفاقية الهدنة لعام 1949».

«بعد ذلك (والكلام لا يزال لملاعب) بدأت الاجتماعات الدورية في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، حيث كان الضباط اللبنانيون والإسرائيليون يعقدون لقاءات شهرية لمعالجة النقاط الخلافية على الخط الأزرق، وتمت تسوية عدد كبير منها، فيما بقيت بعض النقاط عالقة».

إسرائيل تشتري الوقت ... وتماطل بالانسحاب

حقيقة الأمر أن الوقائع الميدانية والسياسية تحكم، في الوقت الراهن، معادلات تختلف عن تلك التي سادت في عام 2006، وقبله في العام 2000. وهنا شدّد العميد المتقاعد داود لـ«الشرق الأوسط» على أن «المتغيّر الأساسي هو المجتمع الدولي. فعام 2006 كان هناك دور واضح للأمم المتحدة، وقواتها ومرجعية للقرار 1701، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، حيث يتراجع دور الأمم المتحدة، بل إن وجودها نفسه بات موضع تساؤل، فيما أصبحت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على التأثير في مسار الأحداث، والضغط على إسرائيل».

وأردف: «إذا كنا نبحث في مستقبل أي انسحاب إسرائيلي، فلا يوجد حتى الآن شيء واضح، لأن اتفاق الإطار نفسه لا يزال غير محدد في كثير من تفاصيله. ما هو واضح فقط وجود إرادة أميركية لمحاولة فرض عناوين عامة على الأرض، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل».

بدوره استبعد العميد المتقاعد ملاعب أن يشهد لبنان انسحاباً إسرائيلياً قريباً، فقال: «اليوم لا أرى حديثاً جدياً عن انسحاب. توقّعي أن تواصل إسرائيل المماطلة، حتى مع وجود ضغوط أميركية، لأن أولوياتها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية أوسع». واستطرد: «الضغط الأميركي الأخير دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة في ملفات مرتبطة بغزة، حيث توجد مصالح أميركية وإسرائيلية مشتركة، لكن إذا استمرت هذه التفاهمات فقد تحاول إسرائيل الحصول على أثمان أو تعويضات في ساحات أخرى، ومنها لبنان».

لذا استبعد ملاعب «الكلام حالياً عن انسحاب إسرائيلي من لبنان بالمعنى الذي عرفناه في عامي 2000 أو 2006، وأتوقع أن يستمر التأجيل، والمماطلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية».

 


ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
TT

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.

يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.

وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.

... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج

وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.

وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.

أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.

دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.

وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.

ميول قيادية منذ الجامعة

برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.

وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.

ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.

من المجلس المحلي... إلى وستمنستر

بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.

وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.

وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.

إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.

الصعود مع ستارمر

خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.

مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.

فاز 825 صوتاً

وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.

ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.

وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.

قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ

عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.

في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».

أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.

لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.

واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.

من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس

بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.

إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.

توجُّه «بليري»؟

يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.

مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.

وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.

أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

من المستشفيات... إلى الصواريخ

هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.

وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.


تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات
TT

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره في وزارة الصحة؛ مؤسسة حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل أكبر، بالتزامن مع إصلاح طريقة إنفاقها.

كان ستريتنغ، قبل توليه الحقيبة، من أبرز الأصوات داخل حكومة كير ستارمر المطالبة بزيادة موارد القوات المسلحة. لكن مهمته الجديدة تتجاوز الضغط للحصول على التمويل؛ إذ يتعين عليه تحديث جيش تقلّص حجمه بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة، وتسريع مشاريع تسليح تأخرت لسنوات، وتقليص الهدر والبيروقراطية، في وقت تتزايد التزامات بريطانيا تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا والتهديدات العسكرية غير التقليدية.

بيانات جمعتها الـ«بي بي سي» كشفت عن حجم التراجع الذي شهدته القوات المسلحة في العقود الماضية. فعام 1990، كان عديد الجيش البريطاني 153 ألف جندي نظامي، مقابل نحو 73.8 ألف حالياً. كما انخفض عدد قوات الاحتياط من 76 ألفاً إلى نحو 25.8 ألف، وتراجعت طلبات الالتحاق بالجيش بنحو 40 في المائة عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

الصورة مماثلة في سلاحي البحر والجو. إذ انخفض عدد السفن القتالية الرئيسة في البحرية الملكية من 48 عام 1990 إلى سبع فرقاطات وست مدمّرات، في حين تقلّص أسطول الطائرات القتالية من أكثر من 300 طائرة إلى 107 من طراز «تايفون»، و37 مقاتلة «إف – 35»، وإن كانت الطائرات الحديثة أكثر تطوّراً من سابقاتها.

وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر في ظل ما وصفته مكتبة مجلس اللوردات البريطاني بأنه «أصعب بيئة أمنية منذ الحرب الباردة». فمراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 اعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد إلى أوروبا احتمال الحروب الواسعة بين الدول، وكشف عن أهمية الجاهزية العسكرية والمخزونات والقدرة الصناعية. وحذّرت من تصاعد التهديدات الهجينة، من الهجمات الإلكترونية والتخريب إلى حملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية، ودعت إلى الانتقال نحو «الجاهزية لخوض الحرب»، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي وربطها بالقوات التقليدية.

ولكن المشكلة لا تقتصر على حجم الموارد البشرية والعتاد العسكري. فقد أشار «مكتب التدقيق الوطني» إلى أن وزارة الدفاع تواجه منذ سنوات صعوبات في تسليم مشاريعها ضمن الميزانية والجدول الزمني المحددين. ومن أصل 47 مشروعاً دفاعياً مدرجاً ضمن أكبر مشاريع الحكومة، صُنّف 12 منها في خانة «الأحمر»، أي أن تنفيذها الناجح بات غير مرجح. كما يستغرق إبرام عقد تزيد قيمته على 20 مليون جنيه إسترليني في المتوسط ست سنوات ونصف السنة، وفق الـ«بي بي سي».

وتزداد حساسية مهمة ستريتنغ؛ لأن سلفه في وزارة الدفاع، جون هيلي، أصبح وزيراً للخزانة، وبات مسؤولاً عن توفير الأموال التي كان يطالب بها سابقاً. وتلتزم بريطانيا رفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2035، ضمن هدف أوسع لـ«ناتو» يبلغ 5 في المائة للأمن الوطني.