ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

خيارات العنف تُشعل قلقاً أممياً

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية
TT

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

راود الليبيين على مدار تسع سنوات شعور مُهين بأن بلادهم «باتت مرتعاً لأجهزة استخباراتية عديدة»، وأن مجالها الجويّ أصبح مفتوحاً لطائرات أجنبية، كانوا يطلقون على بعضها فيما مضى لقب «فاعل خير». غير أن هذا الشعور بات واقعاً مرئياً، على وقع «حرب طرابلس»، وما تسببت فيه من «فتح شهية» أنظمة دولية وإقليمية، في مقدمها نظام تركيا، دخلت إلى السوق الليبية لعرض بضاعتها، والتربح من أزمتها.
وبقراءة الليبيين أنفسهم، فإن جزءاً من عبثية المشهد، راهناً، يتمثل في صراع دولي بات يعرقل بعضه بعضاً لكثرة أجنداته وتعدّد حساباته؛ فلكل منهم هدف ولجميعهم غاية. ولقد عبَّر عن ذلك وزير ليبي سابق في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، فقال: «كان صراعنا في البدء مناطقياً داخلياً منذ إسقاط نظام معمر القذافي، إلا أن قوى دولية مختلفة عملت على تغذيته، وتعاظم أكثر مع دخول تركيا على خط الأزمة».
هناك، عند منتصف الساحل الليبي، بين طرابلس العاصمة وبنغازي، وتحديداً، على بُعد 450 كيلومتراً، تتقاطع المصالح الدولية حول سرت. ويجري التجهيز لمعركة فاصلة، ربما تكون الأكثر دمويةً في البلاد، تحشد لها تركيا عدةً وعتاداً منذ شهر وأكثر دعماً لـ«حكومة الوفاق»، برئاسة فائز السراج، في مواجهة قوات «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وكأن مصير هذه المدينة أن تكون شاهداً على تحوّلات جذرية، بدأت بمقتل معمر القذافي في إحدى ضواحيها، وربما تنتظر مشهداً جديداً في قادم الأيام.
الملاحَظ أنه منذ إطلاق حفتر الحرب على طرابلس، تبدَّلت مواقف دولية، وظهرت أخرى كانت خافتة، إلى العلن، على مسرح الأحداث. ومع ذلك لا تتوقف غالبيتها عن بث رسائل الطمأنة بأنه «لا حل عسكرياً في ليبيا»، وأن الأزمة «لا بدّ من أن تنتهي على طاولة التفاوض السياسي»، لكن فوق طاولة مشابهة أُجريت اتفاقات وعقدت صفقات.

إردوغان وماكرون
لم تهدأ أنقرة، منذ إعلان «تحرير» الحدود الإدارية للعاصمة، في الرابع من يونيو (حزيران) الماضي. ولعلها لن تكتفي بما تحقق. ذلك أن ما سيطرت عليه - وفقاً لموالين لـ«الجيش الوطني» - عبارة عن أراض صحراوية تخلو من آبار النفط. لذا ينفخ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي تحظى تحركاته هناك برضا أميركي، في نار الحرب، سعياً لإشعالها، على أمل أن يتجاوز خط سرت - الجفرة، ويقترب من «الهلال النفطي». ولذا، تجاهل كل المبادرات والدعوات المنادية بوقف الحرب.
من ناحية ثانية، فإن مسؤولي الحكومة التركية بدأوا يتحدثون بلسان «حكومة الوفاق»، ويحدّدون شروطاً لوقف إطلاق النار، بما معناه أن الحرب ماضية في طريقها، وهو ما أغضب كثيرين من مواطني غرب ليبيا. وذهب المحلل السياسي عبد العظيم البشتي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الارتهان للديكتاتور إردوغان يزداد يوماً بعد يوم... وهو سيستغل استعانة السراج به أبشع استغلال». لكنه يستدرك، فيقول: «ما كان ذلك ليحدث لولا الحرب (العدوانية) والمدمّرة التي شنها حفتر على طرابلس».
وحقاً، فإن جزءاً من تقاطع المصالح عبّرت عنه فرنسا، عندما أظهرت موقفاً مغايراً باتجاه التحرّكات التركية في ليبيا، نشأ عنه تجاذبات متبادلة في بداية الأمر. وتدرّج تصاعدياً إلى أن اتهم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، تركيا، بمحاولة تكرار «السيناريو السوري» في ليبيا من خلال الدفع بالأسلحة و«المرتزقة» إلى الغرب الليبي، لدرجة دفعت البعض للتساؤل: هل تتحوّل ليبيا إلى ساحة للصراع بين إردوغان وإيمانويل ماكرون؟

كلام لودريان الأخير
موقف فرنسا المتصاعد في مواجهة تركيا، وإن كان البعض يرى أنه ظل مسانداً لحفتر طول أشهر الحرب الـ14. يُعد الأقوى في ظل التباينات التي تبديها أطراف دولية أمام مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة الليبية، فضلاً عن أنه يُوصف بأنه تمكن من «لجم» الموقف التركي، وبات نداً له.
ورداً على الاتهامات التركية لباريس بالانحياز لطرف على حساب آخر، قال لودريان أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي: «أسمع أشياء كثيرة عن أن فرنسا اختارت معسكر المشير (خليفة) حفتر. من المهم توضيح كل هذا... نحن ندعم الجيش الوطني الليبي الذي اشتهر على الصعيد الدولي بقتاله ضد (داعش). إننا لا نقدم له دعماً عسكرياً فعالاً، بل المشورة والدعم السياسي»، متحدثاً عن «تغيير في الموقف» بعدما شن حرباً على طرابلس.

«ضحية الجغرافيا»
كثير من المحللين يرجعون السبب في تأخر حسم معركة سرت، ومن ثم، عرقلة الطموح التركي، إلى أسباب عدة، من بينها كثرة التدخلات الخارجية على خط المعركة، وما يكتنف ذلك من تضارب مصالح، بغض النظر عما تضمره تلك القوى، ويظهر في إفادات منمقة أمام مجلس الأمن الدولي.
ويربط كثيرون من الليبيين هذه التصرفات الدولية المتباينة بما يرونه أطماعاً في ثروات بلدهم وموقعه الجغرافي، وهي النقطة ذاتها التي انطلق منها الرئيس التركي، عندما تحدث عن حق بلاده في «جغرافيتها القديمة»، وبرّر دخوله ليبيا للدفاع عن مليون ليبي من أصول تركية. لكن الدكتور علي قلمة مرصدي، وزير العمل والتأهيل السابق في «حكومة الوفاق»، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى أن أطماع تركيا وكثرة من الدول المتدخلة في الأزمة متعلقة بالموقع الاستراتيجي لليبيا الذي يربط بين أوروبا وأفريقيا، وأن هذا سبب كافٍ للصراعات الدولية حول بلاده، وتابع: «ما نشهده هو بداية للحرب الباردة بين الدول العظمى من جديد، وفق نظرية (قلب العالم)، خصوصاً الدول التي لديها أطماع بالسيطرة على الساحل الشمالي للبحر المتوسط».
وحسب مرصدي، فإن «هناك ارتباطاً وثيقاً بين تحقيق الأمن في كل من ليبيا ومصر. وبالتالي، كان طبيعياً أن نجد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث عن ضرورة تحقيق الأمن في ليبيا، بوقف الحرب ومنع تخطيها خط سرت - الجفرة. ولا أحد يستطيع أن يجادل في أهمية خطورة ذلك على مصر، لكن ليس لدى تركيا حجة للتدخل في ليبيا، بل هي تستهدف مصالح آنية فقط».
من جانب آخر، يقول مسؤول عسكري بـ«الجيش الوطني» إن «تحركات كثير من الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها مصر وروسيا، التي عرضت للرأي العام العالمي رغبة القيادة العامة في الحوار واستئناف العملية السياسية، ساهمت إلى الآن في إيطاء عجلة الحرب، ووضع إردوغان أمام حرج دولي، غير أن الأطماع التي قادته إلى ليبيا ستدفع به لاستكمال الحرب، بهدف وضع يده على موانئ النفط، كما يزعم أنصاره».
وأردف المسؤول أن الليبيين «يحلمون بيوم يرون فيه دولتهم مستقرة، ذات سيادة محفوظة، وليست بحدود مشرعة أمام مخابرات العالم، وسماؤها تعربد فيها الطائرات الأجنبية التي كان الليبيون يطلقون عليها في السابق (فاعل خير) عندما كانت تستهدف فلول (داعش)».

«العبثية الساخرة»
الواقع أن ثمة نظرةً في ليبيا تعتبر الدورين الروسي والتركي السبب الرئيسي في تأجيج الصراع وإذكاء نار الحرب؛ فالأولى داعمة لـ«الجيش الوطني الليبي»، والثانية تدفع بالسلاح والمرتزقة لـ«حكومة الوفاق». والغريب أنه رغم ذلك، لا تتوقف اللقاءات بين مسؤولي البلدين لبحث الأوضاع في ليبيا. هذا الأمر يثير حيرة الليبيين وسخريتهم، في آن واحد؛ إذ يرى بعضهم أن موسكو وأنقرة تتحاوران وكأنهما في «تمثيلية» مسرحها محاور الاقتتال، ويتساءل هؤلاء «عن الجهات التي تدفع بالأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة، منذ شهر، إلى تخوم مدينة سرت».
هنا يقول مرصدي: «يبدو أن الأطراف الخارجية المتصارعة على الملف الليبي تفاهمت على تقاسم الكعكة قبل أن تتفاهم عليها الأطراف الليبية المتنازعة».
والأربعاء الماضي، أفادت وكالة «الأناضول» التركية بأن رئيس هيئة الأركان التركي يشار غولر بحث، ونظيره الروسي، فاليري جيراسيموف «القضايا الأمنية الراهنة المتعلقة بسوريا وليبيا». وفي اليوم ذاته، نقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو وأنقرة تعملان من أجل التوسط لوقف فوري لإطلاق النار في ليبيا. ونقل أن «الجيش الوطني» مستعد لتوقيع وثيقة تقضي بوقف إطلاق النار، ويأمل أن تتمكن تركيا من إقناع «حكومة الوفاق» - المعترف بها دولياً - بالتوقيع أيضاً.
هذا، وشارك وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، الليبيين سخريتهم. وقال، خلال مؤتمر وزاري لمجلس الأمن عبر الفيديو، حول ليبيا: «في الوقت الذي أغلق العالم بأكمله حدوده، واصلت السفن والطائرات والشاحنات المحملة بالأسلحة والمرتزقة في الوصول إلى المدن الليبية... لقد حان الوقت لإنهاء هذه العبثية الساخرة... فلا مزيد من الطائرات ولا الدبابات ولا الشاحنات أو السفن المليئة بالأسلحة. ولا مزيد من الأكاذيب».
لهذا، اضطرت روسيا أمام الاتهامات التي توجه إليها للتأكيد عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، على «رفضها» الاتهامات بالانخراط في القتال داخل ليبيا. وأكد المندوب أنه «لا يوجد جندي روسي واحد يقاتل في ليبيا، ولا أدلة على وجود مواطنين روس يقاتلون في ليبيا، بينما هناك مقاتلون آخرون من عدة بلدان، بما فيها الدول التي تتهمنا».
مع ذلك، قال سعد الجازوي، عضو مجلس النواب «المقاطع»، والقيادي بتنظيم «الإخوان»، إن الوجود الكبير للقوات الروسية في صفوف «العدو» يمثل «مطامع لدى موسكو لإعادة تمركزها ورسم خريطة النفوذ على الخريطة الدولية؛ لأنه مما لا شك فيه أن غياب القطب الروسي عن التأثير في المعادلة الدولية نتيجة انقسام الاتحاد السوفياتي جعلها تحاول إعادة تموضعها!».

غوتيريش قلِق
وعكسَ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، جانباً من التناقضات والتدخلات وتأثيراتها على الأرض، بوصفه أن «التدخل الخارجي في ليبيا بلغ مستويات غير مسبوقة، مع تسليم معدات متطورة وعدد المرتزقة المشاركين في المعارك». وأضاف أن قوات «حكومة الوفاق» تواصل «بدعم خارجي كبير تقدمها نحو الشرق، وهي حالياً على مسافة 25 كيلومتراً من سرت». واستطرد: «نحن قلقون للغاية إزاء الحشد العسكري المثير للقلق حول المدينة، والمستوى المرتفع للتدخل الخارجي المباشر في النزاع، الذي ينتهك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وتعهدات الدول المشاركة في (مؤتمر) برلين»، الذي عُقد في يناير (كانون الثاني) الماضي.
واتفق البشتي مع ما ذهب إليه غوتيريش، لكنه قال إن التدخلات «ستشكل دون شك ضغطاً على الوجود التركي في ليبيا، وعلى قواته وميليشياته، وربما يتبع ذلك ضغط من الأمم المتحدة على إردوغان، بدفع (الوفاق) للجلوس إلى الحوار برعاية أممية، وهذا ما نأمله دون شك»، مضيفاً: «ونطالب الأمم المتحدة، إذا ما تحقق ذلك، باتخاذ قرار بضرورة سحب سلاح كل الميليشيات غرباً وشرقاً وجنوباً، والإشراف على حماية الشعب حتى إتمام الانتخابات النيابية والرئاسية».

قوة ضاغطة
أيضاً، أعربت أطراف دولية وعربية عن مخاوفها من خطورة الأوضاع في ليبيا. وقال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو إن الوضع «لا يزال قلقاً للغاية»، وأرجع ذلك لما سماه «التوازن غير المستقر»، الذي جاء «نتيجة سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية خلال السنوات العشر الأخيرة، وآخرها الهجوم العسكري على طرابلس»، وتابع أنه وجَّه دعوة لضبط النفس والاعتدال لرئيس «حكومة الوفاق» خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس «ويجب توجيه الرسالة نفسها إلى قائد (الجيش الوطني) المشير حفتر». ودعا جميع البلدان إلى وقف عمليات نقل الأسلحة، والتعاون «من خلال طريقة مخلصة».
وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي المغربي ناصر بوريطة، أعرب من جهته أمام مجلس الأمن الدولي عن قلقه إزاء التدهور المستمر للوضع في ليبيا، ولفت إلى أن «النوايا الحسنة للمجتمع الدولي متوافرة فيما إرادته السياسية مفقودة». وقال بوريطة إن ليبيا «ليست أصلاً للتجارة الدبلوماسية. والتدخلات الأجنبية لا تخدم مصالحها ولا تساعد الأفرقاء هناك على الارتقاء فوق مصالحهم الخاصة إلى المصلحة المشتركة لجميع الليبيين»، وانتهى إلى أن الحل «يجب أن يكون سياسياً لا عسكرياً، وأن يأتي من الليبيين أنفسهم، ويضمن وحدة ليبيا وسيادتها وسلامتها الترابية».
كذلك جدد أحمد أبو الغيط، أمين عام الجامعة العربية، رفض وإدانة الجامعة كل أشكال التدخلات العسكرية الأجنبية في ليبيا، مطالباً بالوقف الفوري للقتال بين الأطراف الليبية، وشدد على ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، واستئناف الحوار الوطني الخالص بين الأشقاء الليبيين للتوصل إلى تسوية متكاملة للوضع في البلاد بمساراته الأمنية والسياسية والاقتصادية. ورأى أن «هذه الجهود وتلك المسارات لا يمكن أن تنجح إلا في مناخ يخلو من كافة التدخلات الأجنبية، وبعيداً عن التهديد الذي تمثله الجماعات والميليشيات المسلحة».
والحاصل أنه في ظل تشبث طرفي الصراع بقوى خارجية، زادت الأزمات الداخلية، وتعقد المشهد الراهن، ما دعا الاقتصادي الليبي الدكتور محسن الدريجة، إلى التعجب من أمر الليبيين «يستعينون بالغرباء بعضهم على بعض، ويتوقعون أن ليبيا ستبقى لهم!».
زمن «الميري»... أيام لا يحب الليبيون تذكرها
> أحيت التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «لشرعنة» وجود قواته على الأراضي الليبية، مخاوف أطياف مختلفة من الشعب، متذكرين فترة طالت لنحو ثلاثة قرون من الحكم العثماني لبلادهم، وصفوها بأنها كانت شاهداً على «العديد من المذابح والأهوال» التي ارتُكبت في أنحاء البلاد.
ومنذ توقيع إردوغان «مذكرتي تفاهم» مع سلطات طرابلس، وهو يحاول اللعب على أن ليبيا «تركية الأصل»، وأنها تضم مليون مواطن من أصول تركية «يستحقون دعمه والتدخل لنجدتهم، والوقوف إلى جانبهم». لكن التصريحات التي أطلقها استقبلها الليبيون بالرفض والاستنكار، مؤكدين على أنهم ليسوا مستعدين للعودة إلى زمن دفع «الميري»، أو «الويركو»، وهو اسم لنوع من الضرائب التي فرضتها الدولة العثمانية على الليبيين آنذاك.
وترصد كتب التاريخ أن هذه الضريبة كانت تُقدّر بـ40 قرشاً قابلة للزيادة يدفعها الذكور سنوياً، كما كانت تُجبى بالمقدار ذاته من أصحاب الحيوانات والمزارع، ويُعاقب الممتنع عن دفعها بالسجن ثلاثة أشهر. وبجانب «الميري» كانت هناك أيضاً ضريبة تُسمى «فتح بندر» تُفرض على من يريد فتح مشروع تجاري، بهدف إتاحة الفرصة لمنافسة التجار الأجانب.
إلا أن ضريبة «العُشر» توصف بأنها كانت الأكثر ظلماً لليبيين، وهي عبارة عن 10 في المائة من قيمة المحاصيل الزراعية، يُجبر الفلاحون على دفعها بغض النظر عن سنوات الجفاف وتضرر الأرضي الزراعية. وكان يُعفى منها الموسرون، في حين كانت تُغلّظ على الفقراء، ما اضطر غالبية الفلاحين إلى مغادرة أراضيهم هرباً من البطش.
الأمر لم يتوقف عند رصد المؤرخين لزمن الجباية، بل تحدثوا عن وقوع مذابح كثيرة في ليبيا بأيدي الأتراك، من بينها مذبحة قبيلة الجوازي، التي تسكن مدينة بنغازي. وفيها قُتِل نحو 10 آلاف شخص خلال شهر رمضان، بسبب نزاع بين الوالي العثماني يوسف باشا القرماني وولده. وهو ما عبر عنه ﻣﻔﺘﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺍﻷﺳﺒﻖ ﺍلطاهر ﺍﻟﺰﺍﻭﻱ، وأورده ﻛﺘﺎﺏ ﻣﻌﺠﻢ ﺍﻟﺒلدان ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﺔ، إذ قال إن «العهد التركي في ليبيا كان أسود، وﺍﺳﺘﻤﺮ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وستين عاماً، عانت فيه طرابلس الفقر والجهل والذل والفوضى فوق ما يتصور إنسان».
تحدث الأكاديمي الليبي أستاذ التاريخ عثمان البدري لـ«الشرق الأوسط» عن فترة الاحتلال العثماني لبلاده، فقال إن «الحكم العثماني لم یهتم بالشؤون الاقتصادية والثقافية في ولاية طرابلس الغرب، التي كان يحتلها مركّزاً فقط على جمع الضرائب فقط من المواطنين». وأردف أن «العثمانیین ضربوا حاجزاً بینهم وبین الأهالي ما أدی إلی انعدام الاختلاط بين الثقافتين، وهو ما انعكس في أن المصطلحات العثمانية لم تنتشر رغم بقائهم فی هذه الولایة لمدة طویلة زادت عن ثلاثة قرون».
من جهة ثانية، رأى فيها المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي وسيلة تستهدف «ضرب النسيج الاجتماعي الليبي، وإحداث فتنة بين المواطنين».
وقال علي أبو سبيح، رئيس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية في المنطقة الجنوبية، إن أهالي منطقة القرضة بوادي الشاطئ ما زالوا يتناقلون قصصَ تصدّي أهلهم لإحدى الحملات العثمانية التي جاءت لإرغامهم على دفع «الميري»، وقال في تصريحات تلفزيونية، إن المواطنين تمكنوا من «دحر حملة الوالي العثماني حينها، وبالتالي يقدرون اليوم على دحر الغزو التركي عن بلادهم».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.

عاجل الجيش الإسرائيلي يصدر تحذيرا بالإخلاء واسع النطاق لعدة بلدات لبنانية