ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

خيارات العنف تُشعل قلقاً أممياً

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية
TT

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

ليبيا: آفاق الطموح التركي وسط زحمة التدخلات الدولية

راود الليبيين على مدار تسع سنوات شعور مُهين بأن بلادهم «باتت مرتعاً لأجهزة استخباراتية عديدة»، وأن مجالها الجويّ أصبح مفتوحاً لطائرات أجنبية، كانوا يطلقون على بعضها فيما مضى لقب «فاعل خير». غير أن هذا الشعور بات واقعاً مرئياً، على وقع «حرب طرابلس»، وما تسببت فيه من «فتح شهية» أنظمة دولية وإقليمية، في مقدمها نظام تركيا، دخلت إلى السوق الليبية لعرض بضاعتها، والتربح من أزمتها.
وبقراءة الليبيين أنفسهم، فإن جزءاً من عبثية المشهد، راهناً، يتمثل في صراع دولي بات يعرقل بعضه بعضاً لكثرة أجنداته وتعدّد حساباته؛ فلكل منهم هدف ولجميعهم غاية. ولقد عبَّر عن ذلك وزير ليبي سابق في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، فقال: «كان صراعنا في البدء مناطقياً داخلياً منذ إسقاط نظام معمر القذافي، إلا أن قوى دولية مختلفة عملت على تغذيته، وتعاظم أكثر مع دخول تركيا على خط الأزمة».
هناك، عند منتصف الساحل الليبي، بين طرابلس العاصمة وبنغازي، وتحديداً، على بُعد 450 كيلومتراً، تتقاطع المصالح الدولية حول سرت. ويجري التجهيز لمعركة فاصلة، ربما تكون الأكثر دمويةً في البلاد، تحشد لها تركيا عدةً وعتاداً منذ شهر وأكثر دعماً لـ«حكومة الوفاق»، برئاسة فائز السراج، في مواجهة قوات «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، وكأن مصير هذه المدينة أن تكون شاهداً على تحوّلات جذرية، بدأت بمقتل معمر القذافي في إحدى ضواحيها، وربما تنتظر مشهداً جديداً في قادم الأيام.
الملاحَظ أنه منذ إطلاق حفتر الحرب على طرابلس، تبدَّلت مواقف دولية، وظهرت أخرى كانت خافتة، إلى العلن، على مسرح الأحداث. ومع ذلك لا تتوقف غالبيتها عن بث رسائل الطمأنة بأنه «لا حل عسكرياً في ليبيا»، وأن الأزمة «لا بدّ من أن تنتهي على طاولة التفاوض السياسي»، لكن فوق طاولة مشابهة أُجريت اتفاقات وعقدت صفقات.

إردوغان وماكرون
لم تهدأ أنقرة، منذ إعلان «تحرير» الحدود الإدارية للعاصمة، في الرابع من يونيو (حزيران) الماضي. ولعلها لن تكتفي بما تحقق. ذلك أن ما سيطرت عليه - وفقاً لموالين لـ«الجيش الوطني» - عبارة عن أراض صحراوية تخلو من آبار النفط. لذا ينفخ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي تحظى تحركاته هناك برضا أميركي، في نار الحرب، سعياً لإشعالها، على أمل أن يتجاوز خط سرت - الجفرة، ويقترب من «الهلال النفطي». ولذا، تجاهل كل المبادرات والدعوات المنادية بوقف الحرب.
من ناحية ثانية، فإن مسؤولي الحكومة التركية بدأوا يتحدثون بلسان «حكومة الوفاق»، ويحدّدون شروطاً لوقف إطلاق النار، بما معناه أن الحرب ماضية في طريقها، وهو ما أغضب كثيرين من مواطني غرب ليبيا. وذهب المحلل السياسي عبد العظيم البشتي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الارتهان للديكتاتور إردوغان يزداد يوماً بعد يوم... وهو سيستغل استعانة السراج به أبشع استغلال». لكنه يستدرك، فيقول: «ما كان ذلك ليحدث لولا الحرب (العدوانية) والمدمّرة التي شنها حفتر على طرابلس».
وحقاً، فإن جزءاً من تقاطع المصالح عبّرت عنه فرنسا، عندما أظهرت موقفاً مغايراً باتجاه التحرّكات التركية في ليبيا، نشأ عنه تجاذبات متبادلة في بداية الأمر. وتدرّج تصاعدياً إلى أن اتهم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، تركيا، بمحاولة تكرار «السيناريو السوري» في ليبيا من خلال الدفع بالأسلحة و«المرتزقة» إلى الغرب الليبي، لدرجة دفعت البعض للتساؤل: هل تتحوّل ليبيا إلى ساحة للصراع بين إردوغان وإيمانويل ماكرون؟

كلام لودريان الأخير
موقف فرنسا المتصاعد في مواجهة تركيا، وإن كان البعض يرى أنه ظل مسانداً لحفتر طول أشهر الحرب الـ14. يُعد الأقوى في ظل التباينات التي تبديها أطراف دولية أمام مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة الليبية، فضلاً عن أنه يُوصف بأنه تمكن من «لجم» الموقف التركي، وبات نداً له.
ورداً على الاتهامات التركية لباريس بالانحياز لطرف على حساب آخر، قال لودريان أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي: «أسمع أشياء كثيرة عن أن فرنسا اختارت معسكر المشير (خليفة) حفتر. من المهم توضيح كل هذا... نحن ندعم الجيش الوطني الليبي الذي اشتهر على الصعيد الدولي بقتاله ضد (داعش). إننا لا نقدم له دعماً عسكرياً فعالاً، بل المشورة والدعم السياسي»، متحدثاً عن «تغيير في الموقف» بعدما شن حرباً على طرابلس.

«ضحية الجغرافيا»
كثير من المحللين يرجعون السبب في تأخر حسم معركة سرت، ومن ثم، عرقلة الطموح التركي، إلى أسباب عدة، من بينها كثرة التدخلات الخارجية على خط المعركة، وما يكتنف ذلك من تضارب مصالح، بغض النظر عما تضمره تلك القوى، ويظهر في إفادات منمقة أمام مجلس الأمن الدولي.
ويربط كثيرون من الليبيين هذه التصرفات الدولية المتباينة بما يرونه أطماعاً في ثروات بلدهم وموقعه الجغرافي، وهي النقطة ذاتها التي انطلق منها الرئيس التركي، عندما تحدث عن حق بلاده في «جغرافيتها القديمة»، وبرّر دخوله ليبيا للدفاع عن مليون ليبي من أصول تركية. لكن الدكتور علي قلمة مرصدي، وزير العمل والتأهيل السابق في «حكومة الوفاق»، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى أن أطماع تركيا وكثرة من الدول المتدخلة في الأزمة متعلقة بالموقع الاستراتيجي لليبيا الذي يربط بين أوروبا وأفريقيا، وأن هذا سبب كافٍ للصراعات الدولية حول بلاده، وتابع: «ما نشهده هو بداية للحرب الباردة بين الدول العظمى من جديد، وفق نظرية (قلب العالم)، خصوصاً الدول التي لديها أطماع بالسيطرة على الساحل الشمالي للبحر المتوسط».
وحسب مرصدي، فإن «هناك ارتباطاً وثيقاً بين تحقيق الأمن في كل من ليبيا ومصر. وبالتالي، كان طبيعياً أن نجد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث عن ضرورة تحقيق الأمن في ليبيا، بوقف الحرب ومنع تخطيها خط سرت - الجفرة. ولا أحد يستطيع أن يجادل في أهمية خطورة ذلك على مصر، لكن ليس لدى تركيا حجة للتدخل في ليبيا، بل هي تستهدف مصالح آنية فقط».
من جانب آخر، يقول مسؤول عسكري بـ«الجيش الوطني» إن «تحركات كثير من الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها مصر وروسيا، التي عرضت للرأي العام العالمي رغبة القيادة العامة في الحوار واستئناف العملية السياسية، ساهمت إلى الآن في إيطاء عجلة الحرب، ووضع إردوغان أمام حرج دولي، غير أن الأطماع التي قادته إلى ليبيا ستدفع به لاستكمال الحرب، بهدف وضع يده على موانئ النفط، كما يزعم أنصاره».
وأردف المسؤول أن الليبيين «يحلمون بيوم يرون فيه دولتهم مستقرة، ذات سيادة محفوظة، وليست بحدود مشرعة أمام مخابرات العالم، وسماؤها تعربد فيها الطائرات الأجنبية التي كان الليبيون يطلقون عليها في السابق (فاعل خير) عندما كانت تستهدف فلول (داعش)».

«العبثية الساخرة»
الواقع أن ثمة نظرةً في ليبيا تعتبر الدورين الروسي والتركي السبب الرئيسي في تأجيج الصراع وإذكاء نار الحرب؛ فالأولى داعمة لـ«الجيش الوطني الليبي»، والثانية تدفع بالسلاح والمرتزقة لـ«حكومة الوفاق». والغريب أنه رغم ذلك، لا تتوقف اللقاءات بين مسؤولي البلدين لبحث الأوضاع في ليبيا. هذا الأمر يثير حيرة الليبيين وسخريتهم، في آن واحد؛ إذ يرى بعضهم أن موسكو وأنقرة تتحاوران وكأنهما في «تمثيلية» مسرحها محاور الاقتتال، ويتساءل هؤلاء «عن الجهات التي تدفع بالأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة، منذ شهر، إلى تخوم مدينة سرت».
هنا يقول مرصدي: «يبدو أن الأطراف الخارجية المتصارعة على الملف الليبي تفاهمت على تقاسم الكعكة قبل أن تتفاهم عليها الأطراف الليبية المتنازعة».
والأربعاء الماضي، أفادت وكالة «الأناضول» التركية بأن رئيس هيئة الأركان التركي يشار غولر بحث، ونظيره الروسي، فاليري جيراسيموف «القضايا الأمنية الراهنة المتعلقة بسوريا وليبيا». وفي اليوم ذاته، نقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو وأنقرة تعملان من أجل التوسط لوقف فوري لإطلاق النار في ليبيا. ونقل أن «الجيش الوطني» مستعد لتوقيع وثيقة تقضي بوقف إطلاق النار، ويأمل أن تتمكن تركيا من إقناع «حكومة الوفاق» - المعترف بها دولياً - بالتوقيع أيضاً.
هذا، وشارك وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، الليبيين سخريتهم. وقال، خلال مؤتمر وزاري لمجلس الأمن عبر الفيديو، حول ليبيا: «في الوقت الذي أغلق العالم بأكمله حدوده، واصلت السفن والطائرات والشاحنات المحملة بالأسلحة والمرتزقة في الوصول إلى المدن الليبية... لقد حان الوقت لإنهاء هذه العبثية الساخرة... فلا مزيد من الطائرات ولا الدبابات ولا الشاحنات أو السفن المليئة بالأسلحة. ولا مزيد من الأكاذيب».
لهذا، اضطرت روسيا أمام الاتهامات التي توجه إليها للتأكيد عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، على «رفضها» الاتهامات بالانخراط في القتال داخل ليبيا. وأكد المندوب أنه «لا يوجد جندي روسي واحد يقاتل في ليبيا، ولا أدلة على وجود مواطنين روس يقاتلون في ليبيا، بينما هناك مقاتلون آخرون من عدة بلدان، بما فيها الدول التي تتهمنا».
مع ذلك، قال سعد الجازوي، عضو مجلس النواب «المقاطع»، والقيادي بتنظيم «الإخوان»، إن الوجود الكبير للقوات الروسية في صفوف «العدو» يمثل «مطامع لدى موسكو لإعادة تمركزها ورسم خريطة النفوذ على الخريطة الدولية؛ لأنه مما لا شك فيه أن غياب القطب الروسي عن التأثير في المعادلة الدولية نتيجة انقسام الاتحاد السوفياتي جعلها تحاول إعادة تموضعها!».

غوتيريش قلِق
وعكسَ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، جانباً من التناقضات والتدخلات وتأثيراتها على الأرض، بوصفه أن «التدخل الخارجي في ليبيا بلغ مستويات غير مسبوقة، مع تسليم معدات متطورة وعدد المرتزقة المشاركين في المعارك». وأضاف أن قوات «حكومة الوفاق» تواصل «بدعم خارجي كبير تقدمها نحو الشرق، وهي حالياً على مسافة 25 كيلومتراً من سرت». واستطرد: «نحن قلقون للغاية إزاء الحشد العسكري المثير للقلق حول المدينة، والمستوى المرتفع للتدخل الخارجي المباشر في النزاع، الذي ينتهك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وتعهدات الدول المشاركة في (مؤتمر) برلين»، الذي عُقد في يناير (كانون الثاني) الماضي.
واتفق البشتي مع ما ذهب إليه غوتيريش، لكنه قال إن التدخلات «ستشكل دون شك ضغطاً على الوجود التركي في ليبيا، وعلى قواته وميليشياته، وربما يتبع ذلك ضغط من الأمم المتحدة على إردوغان، بدفع (الوفاق) للجلوس إلى الحوار برعاية أممية، وهذا ما نأمله دون شك»، مضيفاً: «ونطالب الأمم المتحدة، إذا ما تحقق ذلك، باتخاذ قرار بضرورة سحب سلاح كل الميليشيات غرباً وشرقاً وجنوباً، والإشراف على حماية الشعب حتى إتمام الانتخابات النيابية والرئاسية».

قوة ضاغطة
أيضاً، أعربت أطراف دولية وعربية عن مخاوفها من خطورة الأوضاع في ليبيا. وقال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو إن الوضع «لا يزال قلقاً للغاية»، وأرجع ذلك لما سماه «التوازن غير المستقر»، الذي جاء «نتيجة سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية خلال السنوات العشر الأخيرة، وآخرها الهجوم العسكري على طرابلس»، وتابع أنه وجَّه دعوة لضبط النفس والاعتدال لرئيس «حكومة الوفاق» خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس «ويجب توجيه الرسالة نفسها إلى قائد (الجيش الوطني) المشير حفتر». ودعا جميع البلدان إلى وقف عمليات نقل الأسلحة، والتعاون «من خلال طريقة مخلصة».
وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي المغربي ناصر بوريطة، أعرب من جهته أمام مجلس الأمن الدولي عن قلقه إزاء التدهور المستمر للوضع في ليبيا، ولفت إلى أن «النوايا الحسنة للمجتمع الدولي متوافرة فيما إرادته السياسية مفقودة». وقال بوريطة إن ليبيا «ليست أصلاً للتجارة الدبلوماسية. والتدخلات الأجنبية لا تخدم مصالحها ولا تساعد الأفرقاء هناك على الارتقاء فوق مصالحهم الخاصة إلى المصلحة المشتركة لجميع الليبيين»، وانتهى إلى أن الحل «يجب أن يكون سياسياً لا عسكرياً، وأن يأتي من الليبيين أنفسهم، ويضمن وحدة ليبيا وسيادتها وسلامتها الترابية».
كذلك جدد أحمد أبو الغيط، أمين عام الجامعة العربية، رفض وإدانة الجامعة كل أشكال التدخلات العسكرية الأجنبية في ليبيا، مطالباً بالوقف الفوري للقتال بين الأطراف الليبية، وشدد على ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، واستئناف الحوار الوطني الخالص بين الأشقاء الليبيين للتوصل إلى تسوية متكاملة للوضع في البلاد بمساراته الأمنية والسياسية والاقتصادية. ورأى أن «هذه الجهود وتلك المسارات لا يمكن أن تنجح إلا في مناخ يخلو من كافة التدخلات الأجنبية، وبعيداً عن التهديد الذي تمثله الجماعات والميليشيات المسلحة».
والحاصل أنه في ظل تشبث طرفي الصراع بقوى خارجية، زادت الأزمات الداخلية، وتعقد المشهد الراهن، ما دعا الاقتصادي الليبي الدكتور محسن الدريجة، إلى التعجب من أمر الليبيين «يستعينون بالغرباء بعضهم على بعض، ويتوقعون أن ليبيا ستبقى لهم!».
زمن «الميري»... أيام لا يحب الليبيون تذكرها
> أحيت التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «لشرعنة» وجود قواته على الأراضي الليبية، مخاوف أطياف مختلفة من الشعب، متذكرين فترة طالت لنحو ثلاثة قرون من الحكم العثماني لبلادهم، وصفوها بأنها كانت شاهداً على «العديد من المذابح والأهوال» التي ارتُكبت في أنحاء البلاد.
ومنذ توقيع إردوغان «مذكرتي تفاهم» مع سلطات طرابلس، وهو يحاول اللعب على أن ليبيا «تركية الأصل»، وأنها تضم مليون مواطن من أصول تركية «يستحقون دعمه والتدخل لنجدتهم، والوقوف إلى جانبهم». لكن التصريحات التي أطلقها استقبلها الليبيون بالرفض والاستنكار، مؤكدين على أنهم ليسوا مستعدين للعودة إلى زمن دفع «الميري»، أو «الويركو»، وهو اسم لنوع من الضرائب التي فرضتها الدولة العثمانية على الليبيين آنذاك.
وترصد كتب التاريخ أن هذه الضريبة كانت تُقدّر بـ40 قرشاً قابلة للزيادة يدفعها الذكور سنوياً، كما كانت تُجبى بالمقدار ذاته من أصحاب الحيوانات والمزارع، ويُعاقب الممتنع عن دفعها بالسجن ثلاثة أشهر. وبجانب «الميري» كانت هناك أيضاً ضريبة تُسمى «فتح بندر» تُفرض على من يريد فتح مشروع تجاري، بهدف إتاحة الفرصة لمنافسة التجار الأجانب.
إلا أن ضريبة «العُشر» توصف بأنها كانت الأكثر ظلماً لليبيين، وهي عبارة عن 10 في المائة من قيمة المحاصيل الزراعية، يُجبر الفلاحون على دفعها بغض النظر عن سنوات الجفاف وتضرر الأرضي الزراعية. وكان يُعفى منها الموسرون، في حين كانت تُغلّظ على الفقراء، ما اضطر غالبية الفلاحين إلى مغادرة أراضيهم هرباً من البطش.
الأمر لم يتوقف عند رصد المؤرخين لزمن الجباية، بل تحدثوا عن وقوع مذابح كثيرة في ليبيا بأيدي الأتراك، من بينها مذبحة قبيلة الجوازي، التي تسكن مدينة بنغازي. وفيها قُتِل نحو 10 آلاف شخص خلال شهر رمضان، بسبب نزاع بين الوالي العثماني يوسف باشا القرماني وولده. وهو ما عبر عنه ﻣﻔﺘﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺍﻷﺳﺒﻖ ﺍلطاهر ﺍﻟﺰﺍﻭﻱ، وأورده ﻛﺘﺎﺏ ﻣﻌﺠﻢ ﺍﻟﺒلدان ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﺔ، إذ قال إن «العهد التركي في ليبيا كان أسود، وﺍﺳﺘﻤﺮ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ وستين عاماً، عانت فيه طرابلس الفقر والجهل والذل والفوضى فوق ما يتصور إنسان».
تحدث الأكاديمي الليبي أستاذ التاريخ عثمان البدري لـ«الشرق الأوسط» عن فترة الاحتلال العثماني لبلاده، فقال إن «الحكم العثماني لم یهتم بالشؤون الاقتصادية والثقافية في ولاية طرابلس الغرب، التي كان يحتلها مركّزاً فقط على جمع الضرائب فقط من المواطنين». وأردف أن «العثمانیین ضربوا حاجزاً بینهم وبین الأهالي ما أدی إلی انعدام الاختلاط بين الثقافتين، وهو ما انعكس في أن المصطلحات العثمانية لم تنتشر رغم بقائهم فی هذه الولایة لمدة طویلة زادت عن ثلاثة قرون».
من جهة ثانية، رأى فيها المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، التبريرات التي أطلقها الرئيس التركي وسيلة تستهدف «ضرب النسيج الاجتماعي الليبي، وإحداث فتنة بين المواطنين».
وقال علي أبو سبيح، رئيس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية في المنطقة الجنوبية، إن أهالي منطقة القرضة بوادي الشاطئ ما زالوا يتناقلون قصصَ تصدّي أهلهم لإحدى الحملات العثمانية التي جاءت لإرغامهم على دفع «الميري»، وقال في تصريحات تلفزيونية، إن المواطنين تمكنوا من «دحر حملة الوالي العثماني حينها، وبالتالي يقدرون اليوم على دحر الغزو التركي عن بلادهم».



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.