ليون الأفريقي... رحالة عابر للحدود والثقافات

ليون الأفريقي... رحالة عابر للحدود والثقافات
TT

ليون الأفريقي... رحالة عابر للحدود والثقافات

ليون الأفريقي... رحالة عابر للحدود والثقافات

لا شك في أن «ليون الأفريقي... حياة الوزان الفاسي وآثاره» لمؤلفه محمد المهدي الحجوي، يبقى واحداً من الكتب التي سعت إلى استعادة سيرة شخصية حظيت بنصيب وافر من الاهتمام والمتابعة، في محاولة لإلقاء الضوء على كاتب «وصف أفريقيا»، بشكل يقود إلى إعادة قراءة كثير من التحولات والأحداث التاريخية الذي عرفها الحوض المتوسطي في ما بين أواخر القرن الخامس عشر ومنتصف القرن السادس عشر.
وكتاب الحجوي، الذي أعيد نشره هذه الأيام هدية العدد «40» من مجلة «الثقافة المغربية» التي تصدر عن وزارة الثقافة والشباب والرياضة، هو بحث قدم لمؤتمر المستشرقين الثامن الذي أقامه «معهد المباحث العليا المغربي» في فاس، وتُليَ ملخصه في جمعه العمومي المنعقد يوم 20 أغسطس (آب) 1933. أما صورة الغلاف، فهي رسم مفترض لـ«ليون الأفريقي»، قام بإنجازه الرسام الإيطالي سيباستيانو ديل بيومبو.
ويتوزع كتاب الحجوي، الذي جاء في 112 صفحة، فضلاً عن «تقديم» للدكتور أنور المرتجي تحت عنوان «ليون الأفريقي (الحسن الوزان)... سيرة الهوية المزدوجة»، و«تصدير» بقلم المؤلف، و«تقديم» بقلم المؤرخ مولاي عبد الرحمن بن زيدان، و«تقريظ» للعلامة سيدي أحمد سكيرج، على قسمين: قسم أول يرصد حياة حسن الوزان، همت اسمه، وعائلته، ومولده، ونشأته، ودخوله في الحياة العامة، وحياته في المغرب، وأسفاره، ورحلته خارج المغرب، وأسره، وعصره بالمغرب، وعصره بأوروبا، ومعارفه، ومشيخته، وأفكاره. فيما يتناول القسم الثاني كتاب «وصف أفريقيا»، ومادة الكتاب، وكيفية استمداد المؤلف، وتقسيم الكتاب، والجغرافيا العامة، ومثال من الجغرافيا التقسيمية، ومثال من الجغرافيا الوصفية، ووصف فاس، وملاحظة ومقابلة، ونبذة من حال العدلية بفاس، والبساتين والمباقل بفاس، ومدارس الصغار بفاس، ومستشفيات المدينة، وأرياض المدينة، وعوائد القصر، وأنظمة الملك بفاس، مع تعيين لمواقع مدن فاس.
وانطلق المرتجي من الإشارة إلى «ليون الأفريقي»؛ الرواية الشهيرة للكاتب اللبناني أمين معلوف، التي بقدر ما وضعت هذا الأخير في مصاف الروائيين العالميين جعلت من الحسن الوزان المعروف بـ«ليون الأفريقي» ذائع الصيت، قبل أن يستدرك، بالإشارة إلى مقال سابق للكاتب سمير عطا الله، بجريدة «الشرق الأوسط»، يتحدث فيه عن «حسن بن الوزان الغرناطي المغربي الرحالة الجغرافي العالم»، الذي «خطفه قراصنة أوروبيون وسلموه إلى بابا الفاتيكان ليون العاشر الذي احتضنه وقدر علومه ومنحه اسمه فصار يعرف (ليون الأفريقي). وقد تنصر تحت الضغط، واستعاد إسلامه فيما بعد وعاد إلى مدينته فاس عن طريق تونس»، قبل أن يقول (عطا الله): «كنا نعتقد أن أمين معلوف هو الذي (اكتشف) ليون الأفريقي وحياته الأسطورية وتنقلاته العجيبة بعيد سقوط مدينته، آخر حصون الأندلس. لكنني اكتشفت فيما بعد أن عشرات الكتب قد وضعت عن الوزان، وأن رواية أمين ليست سوى أحدثها وأحبها. ولم يهمل العرب تاريخ الوزان ولا المستشرقون. ويبدو أن (المعلم) بطرس البستاني كان أولهم عام 1867. وهو أحد أبرز مؤرخي الأندلس. ثم نجد عام 1933 كتاب (حياة الحسن الوزان وآثاره) لمحمد المهدي الحجوي».
إشارة المرتجى لرواية معلوف وطريقة احتفاء عطا الله بشخصية الوزان، لا يمكن إلا أن تدفعنا إلى إعادة قراءة ما يشبه «البورتريه» الذي صدّر به الكاتب اللبناني روايته الشهيرة، حيث نقرأ على لسان الوزان: «خُتنتُ، أنا حسن بن محمد الوزان، يوحنا - ليون دومديتشي، بيد مزين وعمدت بيد أحد البابوات، وأدعى اليوم (الأفريقي)، ولكنني لست من أفريقية ولا من أوروبة ولا من بلاد العرب. وأُعرف أيضاً بالغرناطي والفاسي والزياتي، ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا عن أي مدينة، ولا عن أي قبيلة. أنا ابن السبيل، وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعاً. لقد عرف معصماي على التوالي دغدغات الحرير وإهانات الصوف، ذهب الأمراء وأغلال العبيد. وأزاحت أصابعي آلاف الحجب، ولونت شفتاي بحمرة الخجل آلاف العذاري، وشاهدت عيناي احتضار مدن وفناء إمبراطوريات. ولسوف تسمع في فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامية الإيطالية؛ لأن جميع اللغات وكل الصلوات ملك يدي. ولكنني لا أنتمي إلى أي منها. فأنا لله وللتراب، وإليهما راجع في يوم قريب».
يشير المرتجي، في مقدمته لكتاب الحجوي، إلى شهرة «ليون الأفريقي» أو «الحسن الوزان» من خلال كتابه «وصف أفريقيا»، الذي يتحدث عنه بكثير من الإعجاب، هو الذي «عاش في سنوات المواجهة بين الشرق والغرب، التي عرفت الغزو المسيحي وحرب الاسترجاع لإمارة غرناطة من لدن الإسبان، هو الذي ولد سنة 1488 للميلاد، وانتقل مع أسرته صغيراً إلى فاس في المغرب، حيث درس فيها على أعلام وعلماء جامع وجامعة القرويين، واستطاع في فترة وجيزة أن يجالس كبار العلماء والفقهاء والقضاة، في المدن المغربية والأفريقية التي كان يزورها، وأن يجيد نظم القصيد وقول الشعر، ليكون محط إعجاب الملوك». وكان الوزان، يضيف المرتجي، «شاهداً على سقوط الأندلس»، كما أنه كان في المغرب في عهد حكم الوطاسيين (1462 - 1554)، أما في إيطاليا فقد «عاش بداية ازدهار النهضة الإيطالية وعصر الأنوار الذي ستعرفه أوروبا. رحالة عابر للحدود والثقافات، وناقل المعرفة بين الشرق والغرب، بين الخلافة العثمانية والإمبراطورية المسيحية».
لقد اقتيد الحسن الوزان أسيراً إلى روما، عند عودته من رحلة بين القسطنطينية والقاهرة، يضيف المرتجي؛ إذ في جزيرة جربة التونسية تم أسره، ليقدم إلى البابا الذي «آنس فيه فطنة ودراية علمية، فبادر إلى عتقه وشمله بعطفه وقرر له معاشاً سخياً، حتى لا يفكر في الهروب والرحيل إلى بلده».
ويرصد المؤلف جانباً من سيرة الوزان، في إيطاليا، مشدداً على أنه «الرحالة العربي الوحيد الذي اندمج في أوساط المثقفين في إيطاليا، نسج علاقة صداقة ومودة مع كبار الرسامين الإيطاليين الذين تعرف إليهم»، وكيف أنه «استطاع أن يخلد وجوده الملتبس، من خلال لوحة تشكيلية تؤكد الأبحاث العلمية التي أجريت عليها، أنها البورتريه الحقيقي لشخص الحسن الوزان، الذي يعود تاريخ إنجازه إلى أكثر من أربعة قرون، عندما كان الوزان قريباً من البابا ليون العاشر، الذي عرف عنه رعايته وتشجيعه للفنون والآداب، وتشوقه إلى معرفة الشعوب الأخرى والاطلاع على حضاراتها، ولهذا السبب سيطلب البابا من الحسن الوزان، أن يؤلف له كتاباً عن (وصف أفريقيا)»، الذي «بقي لقرون عديدة، المصدر الوحيد لمعرفة شمال أفريقيا وبلاد المغرب، وحتى نهاية القرن الثامن عشر، نجد أن جل المراجع الجغرافية عن أفريقيا، صارت تعتمد على كتاب الوزان، من أجل اكتشاف أفريقيا ومعرفتها».
بعد ذلك، سيشير المرتجي إلى أن مضمون كتاب المهدي الحجوي، جاء «كمحاولة لتوطين شخص الوزان في بيئته الأولى، من خلال تعريب لقبه الأجنبي (ليون الأفريقي) وأسلمته ثم مغربته، عبر التأكيد على اسمه الأول (محمد الحسن الوزان الفاسي)»، فيما يتمثل «الدرس المنهجي» الذي قصده الحجوي، في أن «الأسير الحسن الوزان صاحب الهوية المغربية، هو الذي ساهم في نهضة أوروبا وشجع الأوروبيين على ارتياد الآفاق المجهولة»، فيما كانت «الرسالة التوجيهية» التي يقدمها «موجهة هذه المرة إلى أهله من المغاربة، بأن يجعلوا من سيرة الحسن الوزان معلم الأوروبيين نموذجاً للتحدي، وأن يتسلحوا بروح الثقة والاعتزاز بالذاتية المغربية والنبوغ المغربي».
على صعيد منهجية المهدي الحجوي في كتابه، يرى المرتجي أنها تتميز بـ«الدقة الموضوعية»، من خلال «جمعه للمعلومات البيوغرافية عن حياة الوزان، التي تعتبر ضنينة لحد الآن، خاصة أن جل مراجع البحث عنه موجودة باللغات الأجنبية»، حيث بذل «مجهوداً جديراً بالتنويه، معتمداً في التأريخ لحياة الوزان على المراجع الأجنبية، متجاوزاً كل ما قام به من سبقوه من المستشرقين، بل إنه صاحب المبادرة الأولى في الثقافة العربية والمغربية، الهادفة إلى ترجمة بعض النصوص من كتاب (وصف أفريقيا) وصفحات من المعجم (العربي - العبري - اللاتيني)».
يخلص المرتجي إلى أن المهدي الحجوي قام في كتابه بـ«تحرير الحسن الوزان - ليون الأفريقي من أسر المقاربة الاستشراقية، التي تسعى إلى الاستحواذ عليه والرغبة في تملكه، وأن تقنع القراء الأجانب أن قدر المبدع العربي - المسلم ألا يبدع إلا عندما يكون خارج وطنه ويُعَبّر بغير لسانه».


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً