ليون الأفريقي... رحالة عابر للحدود والثقافات

ليون الأفريقي... رحالة عابر للحدود والثقافات

الخميس - 18 ذو القعدة 1441 هـ - 09 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15199]
مراكش: عبد الكبير الميناوي

لا شك في أن «ليون الأفريقي... حياة الوزان الفاسي وآثاره» لمؤلفه محمد المهدي الحجوي، يبقى واحداً من الكتب التي سعت إلى استعادة سيرة شخصية حظيت بنصيب وافر من الاهتمام والمتابعة، في محاولة لإلقاء الضوء على كاتب «وصف أفريقيا»، بشكل يقود إلى إعادة قراءة كثير من التحولات والأحداث التاريخية الذي عرفها الحوض المتوسطي في ما بين أواخر القرن الخامس عشر ومنتصف القرن السادس عشر.
وكتاب الحجوي، الذي أعيد نشره هذه الأيام هدية العدد «40» من مجلة «الثقافة المغربية» التي تصدر عن وزارة الثقافة والشباب والرياضة، هو بحث قدم لمؤتمر المستشرقين الثامن الذي أقامه «معهد المباحث العليا المغربي» في فاس، وتُليَ ملخصه في جمعه العمومي المنعقد يوم 20 أغسطس (آب) 1933. أما صورة الغلاف، فهي رسم مفترض لـ«ليون الأفريقي»، قام بإنجازه الرسام الإيطالي سيباستيانو ديل بيومبو.
ويتوزع كتاب الحجوي، الذي جاء في 112 صفحة، فضلاً عن «تقديم» للدكتور أنور المرتجي تحت عنوان «ليون الأفريقي (الحسن الوزان)... سيرة الهوية المزدوجة»، و«تصدير» بقلم المؤلف، و«تقديم» بقلم المؤرخ مولاي عبد الرحمن بن زيدان، و«تقريظ» للعلامة سيدي أحمد سكيرج، على قسمين: قسم أول يرصد حياة حسن الوزان، همت اسمه، وعائلته، ومولده، ونشأته، ودخوله في الحياة العامة، وحياته في المغرب، وأسفاره، ورحلته خارج المغرب، وأسره، وعصره بالمغرب، وعصره بأوروبا، ومعارفه، ومشيخته، وأفكاره. فيما يتناول القسم الثاني كتاب «وصف أفريقيا»، ومادة الكتاب، وكيفية استمداد المؤلف، وتقسيم الكتاب، والجغرافيا العامة، ومثال من الجغرافيا التقسيمية، ومثال من الجغرافيا الوصفية، ووصف فاس، وملاحظة ومقابلة، ونبذة من حال العدلية بفاس، والبساتين والمباقل بفاس، ومدارس الصغار بفاس، ومستشفيات المدينة، وأرياض المدينة، وعوائد القصر، وأنظمة الملك بفاس، مع تعيين لمواقع مدن فاس.
وانطلق المرتجي من الإشارة إلى «ليون الأفريقي»؛ الرواية الشهيرة للكاتب اللبناني أمين معلوف، التي بقدر ما وضعت هذا الأخير في مصاف الروائيين العالميين جعلت من الحسن الوزان المعروف بـ«ليون الأفريقي» ذائع الصيت، قبل أن يستدرك، بالإشارة إلى مقال سابق للكاتب سمير عطا الله، بجريدة «الشرق الأوسط»، يتحدث فيه عن «حسن بن الوزان الغرناطي المغربي الرحالة الجغرافي العالم»، الذي «خطفه قراصنة أوروبيون وسلموه إلى بابا الفاتيكان ليون العاشر الذي احتضنه وقدر علومه ومنحه اسمه فصار يعرف (ليون الأفريقي). وقد تنصر تحت الضغط، واستعاد إسلامه فيما بعد وعاد إلى مدينته فاس عن طريق تونس»، قبل أن يقول (عطا الله): «كنا نعتقد أن أمين معلوف هو الذي (اكتشف) ليون الأفريقي وحياته الأسطورية وتنقلاته العجيبة بعيد سقوط مدينته، آخر حصون الأندلس. لكنني اكتشفت فيما بعد أن عشرات الكتب قد وضعت عن الوزان، وأن رواية أمين ليست سوى أحدثها وأحبها. ولم يهمل العرب تاريخ الوزان ولا المستشرقون. ويبدو أن (المعلم) بطرس البستاني كان أولهم عام 1867. وهو أحد أبرز مؤرخي الأندلس. ثم نجد عام 1933 كتاب (حياة الحسن الوزان وآثاره) لمحمد المهدي الحجوي».
إشارة المرتجى لرواية معلوف وطريقة احتفاء عطا الله بشخصية الوزان، لا يمكن إلا أن تدفعنا إلى إعادة قراءة ما يشبه «البورتريه» الذي صدّر به الكاتب اللبناني روايته الشهيرة، حيث نقرأ على لسان الوزان: «خُتنتُ، أنا حسن بن محمد الوزان، يوحنا - ليون دومديتشي، بيد مزين وعمدت بيد أحد البابوات، وأدعى اليوم (الأفريقي)، ولكنني لست من أفريقية ولا من أوروبة ولا من بلاد العرب. وأُعرف أيضاً بالغرناطي والفاسي والزياتي، ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا عن أي مدينة، ولا عن أي قبيلة. أنا ابن السبيل، وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعاً. لقد عرف معصماي على التوالي دغدغات الحرير وإهانات الصوف، ذهب الأمراء وأغلال العبيد. وأزاحت أصابعي آلاف الحجب، ولونت شفتاي بحمرة الخجل آلاف العذاري، وشاهدت عيناي احتضار مدن وفناء إمبراطوريات. ولسوف تسمع في فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامية الإيطالية؛ لأن جميع اللغات وكل الصلوات ملك يدي. ولكنني لا أنتمي إلى أي منها. فأنا لله وللتراب، وإليهما راجع في يوم قريب».
يشير المرتجي، في مقدمته لكتاب الحجوي، إلى شهرة «ليون الأفريقي» أو «الحسن الوزان» من خلال كتابه «وصف أفريقيا»، الذي يتحدث عنه بكثير من الإعجاب، هو الذي «عاش في سنوات المواجهة بين الشرق والغرب، التي عرفت الغزو المسيحي وحرب الاسترجاع لإمارة غرناطة من لدن الإسبان، هو الذي ولد سنة 1488 للميلاد، وانتقل مع أسرته صغيراً إلى فاس في المغرب، حيث درس فيها على أعلام وعلماء جامع وجامعة القرويين، واستطاع في فترة وجيزة أن يجالس كبار العلماء والفقهاء والقضاة، في المدن المغربية والأفريقية التي كان يزورها، وأن يجيد نظم القصيد وقول الشعر، ليكون محط إعجاب الملوك». وكان الوزان، يضيف المرتجي، «شاهداً على سقوط الأندلس»، كما أنه كان في المغرب في عهد حكم الوطاسيين (1462 - 1554)، أما في إيطاليا فقد «عاش بداية ازدهار النهضة الإيطالية وعصر الأنوار الذي ستعرفه أوروبا. رحالة عابر للحدود والثقافات، وناقل المعرفة بين الشرق والغرب، بين الخلافة العثمانية والإمبراطورية المسيحية».
لقد اقتيد الحسن الوزان أسيراً إلى روما، عند عودته من رحلة بين القسطنطينية والقاهرة، يضيف المرتجي؛ إذ في جزيرة جربة التونسية تم أسره، ليقدم إلى البابا الذي «آنس فيه فطنة ودراية علمية، فبادر إلى عتقه وشمله بعطفه وقرر له معاشاً سخياً، حتى لا يفكر في الهروب والرحيل إلى بلده».
ويرصد المؤلف جانباً من سيرة الوزان، في إيطاليا، مشدداً على أنه «الرحالة العربي الوحيد الذي اندمج في أوساط المثقفين في إيطاليا، نسج علاقة صداقة ومودة مع كبار الرسامين الإيطاليين الذين تعرف إليهم»، وكيف أنه «استطاع أن يخلد وجوده الملتبس، من خلال لوحة تشكيلية تؤكد الأبحاث العلمية التي أجريت عليها، أنها البورتريه الحقيقي لشخص الحسن الوزان، الذي يعود تاريخ إنجازه إلى أكثر من أربعة قرون، عندما كان الوزان قريباً من البابا ليون العاشر، الذي عرف عنه رعايته وتشجيعه للفنون والآداب، وتشوقه إلى معرفة الشعوب الأخرى والاطلاع على حضاراتها، ولهذا السبب سيطلب البابا من الحسن الوزان، أن يؤلف له كتاباً عن (وصف أفريقيا)»، الذي «بقي لقرون عديدة، المصدر الوحيد لمعرفة شمال أفريقيا وبلاد المغرب، وحتى نهاية القرن الثامن عشر، نجد أن جل المراجع الجغرافية عن أفريقيا، صارت تعتمد على كتاب الوزان، من أجل اكتشاف أفريقيا ومعرفتها».
بعد ذلك، سيشير المرتجي إلى أن مضمون كتاب المهدي الحجوي، جاء «كمحاولة لتوطين شخص الوزان في بيئته الأولى، من خلال تعريب لقبه الأجنبي (ليون الأفريقي) وأسلمته ثم مغربته، عبر التأكيد على اسمه الأول (محمد الحسن الوزان الفاسي)»، فيما يتمثل «الدرس المنهجي» الذي قصده الحجوي، في أن «الأسير الحسن الوزان صاحب الهوية المغربية، هو الذي ساهم في نهضة أوروبا وشجع الأوروبيين على ارتياد الآفاق المجهولة»، فيما كانت «الرسالة التوجيهية» التي يقدمها «موجهة هذه المرة إلى أهله من المغاربة، بأن يجعلوا من سيرة الحسن الوزان معلم الأوروبيين نموذجاً للتحدي، وأن يتسلحوا بروح الثقة والاعتزاز بالذاتية المغربية والنبوغ المغربي».
على صعيد منهجية المهدي الحجوي في كتابه، يرى المرتجي أنها تتميز بـ«الدقة الموضوعية»، من خلال «جمعه للمعلومات البيوغرافية عن حياة الوزان، التي تعتبر ضنينة لحد الآن، خاصة أن جل مراجع البحث عنه موجودة باللغات الأجنبية»، حيث بذل «مجهوداً جديراً بالتنويه، معتمداً في التأريخ لحياة الوزان على المراجع الأجنبية، متجاوزاً كل ما قام به من سبقوه من المستشرقين، بل إنه صاحب المبادرة الأولى في الثقافة العربية والمغربية، الهادفة إلى ترجمة بعض النصوص من كتاب (وصف أفريقيا) وصفحات من المعجم (العربي - العبري - اللاتيني)».
يخلص المرتجي إلى أن المهدي الحجوي قام في كتابه بـ«تحرير الحسن الوزان - ليون الأفريقي من أسر المقاربة الاستشراقية، التي تسعى إلى الاستحواذ عليه والرغبة في تملكه، وأن تقنع القراء الأجانب أن قدر المبدع العربي - المسلم ألا يبدع إلا عندما يكون خارج وطنه ويُعَبّر بغير لسانه».


المغرب كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة