كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

لماذا يهرب الشعراء إلى الرواية (2 - 2)

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة
TT

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

كُتّاب: مساحة التنوّع والحريّة أرحب والمشكلة في افتعال الكتابة

في الحلقة الأولى التي نشرت، أمس، عبر المشاركون الثلاثة، ناقدة وشاعرة وشاعر، عن أن الأجناس الأدبية ليست في حالة تنافس، وأنه لا يمكن مقارنة أي نوع أدبي بآخر، فلكل فن خصوصيته، ولكنهما قد يتداخلان، وهناك أمثلة كثيرة في تراثنا الأدبي تدل على وجود علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة.
في هذه الحلقة الأخيرة، يتحدث شاعران خاضا مغامرة الشعر والرواية معاً، وناقدة وقاصة أصدرت عدداً من المجموعات القصصية.

اعتدال عثمان: الاستجابة لمتغيرات العصر
إن متابعة المشهد الأدبي العربي الراهن تدلنا على أن الأجناس الأدبية في نماذجها الفنية المتميزة - في الرواية والشعر معاً - تتسم بحيوية الاستجابة لمتغيرات العصر، فهذه الأجناس كيانات حية، تتطور وتتحول وتتفاعل، بوصف الإبداع مُعبراً عن الحالة الإنسانية المتحولة بدورها، نتيجة عوامل داخلية وخارجية. ومن الطبيعي أن تلتقط حركية الإبداع هذه الظواهر، فيصوغها الكاتب الموهوب في الشكل الملائم، بعيداً عن الحدود الكلاسيكية الصارمة الفاصلة بين الأنواع الأدبية والتقسيمات النظرية المستخدمة في دراسة الأدب. ولعل أبرز تجليات الكتابة الجديدة لدى كتاب من أجيال مختلفة هو تداخل الأنواع أو الأجناس الأدبية، إذ نجد كثيراً من النثر الفني في الشعر (قصيدة النثر مثلاً)، كما نجد توظيفاً لتقنيات شعرية في الرواية.
ووفقاً لنظريات ما بعد الحداثة، أصبحت الكتابة الهجينة، الجامعة لأكثر من نوع أدبي في العمل الواحد، هي السمة البارزة المعبرة عن العصر الذي نعيشه بمتغيراته، وبعد سقوط السرديات الكبرى، وتداخل الحدود الفاصلة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، وبروز التقنيات الرقمية في أشكال أدبية جديدة، فأصبحنا نلتقي بالرواية التفاعلية، ونقرأ بحوثاً حول تعالق الأدب والتكنولوجيا، ومؤخراً بتنا نقرأ ونشهد على «يوتيوب» تحليلات وتصورات مستقبلية حول توقع ظهور أشكال أدبية جديدة تتعلق بحقائق مستجدة، مثل ما يطلق عليه «السيبورج»، وهو الإنسان الذي تدخل شرائح إلكترونية في جسده البشري. أما على مستوى النقد الأدبي فقد أصبحت الدراسات البينية الجامعة لتخصصات مختلفة ضرورة لا غناء عنها في تحليل النصوص. ولا يقتصر الأمر على الطبيعة الهجينة للنصوص الأدبية الحديثة فحسب، بل إننا نجد تراسلاً بين الأدب المكتوب، وفنون أخرى سمعية وبصرية مثل الموسيقى والفن التشكيلي والسينما، إذ تتداخل تقنيات هذه الفنون في تشكيل النص الروائي والشعري معاً. إذن فكرة الصراع بين الأنواع الأدبية، وأن الساحة تشهد تنافساً بين الشعر والرواية التي باتت تحتل خانة الصدارة مقابل إزاحة الشعر، هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة. وحتى من المنظور التاريخي نجد أن هناك علاقة قوية بين الشعر والسرد بأشكال مختلفة، فالشعر العربي القديم مثلاً يحضر فيه عنصر الحكي بقوة، فكان هناك دائماً الشاعر الراوية، وكذلك فإن الشعر العربي الحديث يسجل حضور السردي في قصائد بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، ومحمد الماغوط وغيرهم. كذلك نجد أن كثيراً من كبار الروائيين وشبابهم يكتبون سردياتهم بروح الشاعر، وهم ليسوا شعراء بالضرورة، لكنهم يستثمرون لغة الشعر الإيحائية المكثفة، ذات الدلالات المتعددة، وغير ذلك من التقنيات الشعرية. وإذا كان صحيحاً أن ما يسمى «اللهاث السردي» ظهر على سطح المشهد الأدبي العربي، خصوصاً بعد «نوبل» محفوظ، فأصبح للرواية بريق خاص، زادته الجوائز المخصصة لها جاذبية، فإن المعيار هنا ليس الانجذاب السطحي وراء الرائج، أو بهدف تحقيق الشهرة والمكاسب المادية فحسب، بل إن الموهبة الحقيقية، والذائقة الأدبية المدربة، والضرورة الفنية النابعة من داخل سياق النص نفسه، هي كلها - مجتمعة ومتداخلة - ما يفرض على الكاتب النوع الأدبي القادر على توصيل رؤيته، سواء التزم بقواعد هذا النوع المتبعة، أو حتى المبتكرة من حيث تجديد الأجناس الأدبية بشروطها، ومن خلال قوانينها الخاصة، أو أن هذه الضرورات الفنية التي استخلصها الكاتب بموهبته وحدسه الفني، وعمق ثقافته، وطاقات انطلاق الخيال لديه، هي التي جعلته يلجأ إلى رحاب الرواية، أو يتعلق بأهداب الشعر، أو يراوح بينهما لكي ينتج نصاً فنياً، يمد القارئ بإضافة معرفية وجمالية، ويمتعه باكتشاف عوالم جديدة، تدهشه بجدتها وفرادتها، واتساع آفاقها.

هوشنك أوسي: لقب «الشاعر» أحب إلى قلبي
اتجاه الشاعر إلى كتابة الرواية، ليس مدعاة لأسئلة من هذا النوع. أصلاً يقال: «يحقُّ للشاعر ما يحقُّ لغيره» في كتابة نصّه الشعري. فلماذا ممارسته حقّه في التجريب يُخضع للمساءلة التي تلقي بظلال الشك والشبهة على تجربته الشعرية؟ الرواية عالم منفتح على كل الأجناس الأدبية، وأبرزها الشعر، لماذا يمكن اعتبار خوض الشاعر هذه التجربة إفلاساً لتجربته الشعرية؟ يمكن للشاعر أن يصبحَ روائياً، لكن من الصعب على الروائي الذي ليست له علاقة بالشعر خوض تجربة كتابة الشعر. لأنه في البدء كان الشعر. وأكاد أقول: الشعر أب الفنون، وليس المسرح. هذا جلّي في الميثولوجيا الإغريقية والسومرية، مروراً بالحضارة الفارسية والعربية والإسلامية، وحتى يومنا هذا. الشعر كان ديوان الإغريق («الإلياذة» و«الأوديسا») قبل أن يكون ديوان العرب. تشتهر روسيا بروائيين كُثر. ويلقب بوكشين؛ بشاعر روسيا. ألمانيا معروفة بروائيين كُثر. ويقال لغوته: شاعر ألمانيا. وينسحب ذلك على بلدان عدة. فنّ الشعر، في ذاتيته، أقرب إلى الرواية منه إلى المسرح. صحيح أنه كان هناك المسرح الشعري، ومسرحة الشعر، أو شعرنة المسرح، حين لم يكن هناك رواية.
لكن الصحيح أيضاً أن المسرح، بشكل عام، فقد الكثير من سحره وبريقه، بفعل انتشار السينما والتلفزيون والفنون البصرية. وأعتقد أن مقولة ميلان كونديرا في رواية «الخلود»: «لو كان شكسبير حياً، لربما اتجه نحو التلفزيون والسينما، وهجر المسرح». وشكسبير، هو من هو، في الشعر والمسرح. فلماذا يجب على الشاعر أن يختار المسرح بدلاً من الرواية، وهي في أوج مجدها في الغرب والشرق، ما هي المبررات الفنية والموضوعية وراء ما يسميه البعض «اللهاث السردي»؟ الشعر قائم على التكثيف، يعكس تجربة وذاتيّة صاحبه. بينما الرواية تعكس عوالم ذاتيات وحيوات متقاطعة. وعليه، الشعر أقرب إلى حركية الحياة وإيقاعاتها. مساحة التنوّع والحرية أرحب. الشعر صعبٌ، على من يفهمه ويتقنه. وسهل على من يجهله، ويفتعل كتابته. كذلك الرواية، شديدة العسر والوعورة على من يجيد هذا الفن. لا يمكن أن تحلّ الرواية محلّ الشعر.
لكن هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة، وتكالب دور النشر؟ ربما. لا يمكنني نفي ذلك. ولا يمكنني تأكيده. في مطلق الأحوال، لندع الناس تكتب، وتحلم بأن سرودها تستحق التكريم والجوائز. برأيي؛ ما مِن مشكلة في طموح بعض أو أغلب الشعراء والشاعرات؛ أن يصبحوا روائيين أو روائيات، أو كتّاب قصة. المشكلة في حركة النقد. هناك أصوليّة نقديّة باتت إرهاصاتها تظهر هنا وهناك، عبر إحالة الإبداع الروائي والسردي أو حتى الشعري، إلى «السلف الصالح» في الشعراء والروائيين فقط. هناك نسق نقدي متهافت، رخو ومائع، ويكاد يكون مبتذلاً، يمنح بعض الأعمال أضعاف ما تستحقه من الاحتفاء والتبجيل والتهليل، وينسب لها، ما ليس لها، ويغض الطرف عن العيوب والمثالب التي تعتري تلك الأعمال. فإذا كان هناك شعراء بلاط، فقد صار يوجد الآن «نقّاد بلاط» أيضاً. السؤال المهم هنا: كيف تقيم مجمل تجربتك في هذا السياق؟ بالنسبة لي زاولت العمل الصحافي، والكتابة السياسية والثقافية. كتبت في حقل البحوث والدراسات السياسية. صدر لي حتى الآن تسعة دواوين شعرية وروايتان. انتهيت من كتابة روايتين تنتظران النشر. واشتغل الآن على نص روائي جديد. مع ذلك، أكتب الشعر أكثر من الرواية. إذا كانت الحياة تمنحني فرصة الكتابة في هذه الحقول، فلماذا أدير ظهري لمنحة الحياة وهديتها؟! لا أحب الألقاب. وإذا كان لا بدّ منها، فأحبُّها إلى قلبي وأقربها، لقب «الشاعر».

محمد أبو زيد: ما زلت أرى نفسي شاعراً
لو عدنا إلى تاريخنا الأدبي، لوجدنا أن كثيراً من الشعراء كتبوا أنواعاً أخرى من الأدب، فالعقاد كتب الرواية، والمازني كتب الرواية، وعبد الرحمن الشرقاوي كتب الرواية، وحتى أحمد شوقي كتب المسرحية، وحتى لو انتقلنا إلى الجهة الأخرى من العالم، سنجد أن كثيراً من الأدباء كتبوا الشعر إلى جانب السرد على غرار تشارلز بوكوفسكي، ووليام فوكنر وبورخيس وجورج أورويل، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من الروائيين المشهورين بدأوا حياتهم شعراء، مثل ميلان كونديرا، وبول أوستر، وعندنا في العالم العربي الروائي اللبناني رشيد الضعيف. ذكرت كل هذه الأمثلة لأقول إن الانتقال بين الأنواع الأدبية ليس مستغرباً في الفن، فتاريخ الأدب العربي والغربي يشهد بذلك. وأفضل أن يتم النظر إلى جميع الأنواع الأدبية باعتبارها فنوناً، خصوصاً والعالم يتحدث الآن عن الكتابة المفتوحة، وفي النهاية ربما يملك الكاتب الأدوات التي تؤهله لكتابة فن آخر، فما الداعي لحبسه في نطاق محدد، وكأنه «روبوت» يجب عليه القيام بدور محدد لا يتجاوزه. من حق الكاتب أن يجرب أدواته ومعارفه وموهبته كيفما يشاء، والحكم في النهاية على النص وحده، وليس على الكاتب، لا أحب ما يسميه البعض «اللهاث السردي»، كما أننا لسنا أمام ما يشبه القانون أو المعادلة الفنية «كلما ضاقت قماشة الشعر، اتسعت في الرواية» ـ الموضوع لا يتعلق بضيق قماشة الشعر أو اتساعها في الرواية، فجميع الفنون تمتح من بعضها، والسرد أصبح مكوناً رئيسياً في قصيدة النثر اليوم، لذا فالمساحة بينه وبين الرواية قريبة بالفعل، وأود أن أشير هنا إلى ما فعله الكاتب الراحل إدوار الخراط حين قام بنشر مقاطع من رواياته في ديوانه «طغيان سطوة الطوايا» للتأكيد على هذه الفكرة. والسرد هو الأقرب للشعر الآن، كما كان المسرح أقرب للشعر في فترة سابقة، ولم نتهم وقتها شكسبير أو شوقي أو صلاح عبد الصبور أو الشرقاوي أو الماغوط بـ«اللهاث المسرحي»، رغم أن جميع أعمالهم تم تقديمها على خشبة المسرح.
هل للأمر علاقة بما تنطوي عليه الرواية من «بريق» يتمثل في الجوائز والشهرة وتكالب دور النشر؟ من الظلم أن نصف شعراء متحققين كتبوا الرواية باللهاث وراء بريق الرواية، فعباس بيضون كتب الرواية وهو متحقق تماماَ، وسعدي يوسف لم يكن يحتاج إلى أي بريق من الرواية حين كتبها، وأظن أننا لا يجب أن نحاسب جميع الشعراء الذين كتبوا الرواية في المجمل باعتبارهم شخصاً واحداً، لكن أن ننظر إلى كل كاتب وكل رواية على حدة، ونرى: هل هذه الرواية جيدة أم لا، هل أضافت لكاتبها أم لا. ولو أن شاعراً كتب رواية وفازت بجوائز، أو لفتت الأنظار فمن حق كاتبها علينا أن نقول إنها رواية جيدة بغض النظر عما إذا كان شاعراً أم روائياً.
أما عن رؤيتي لمجمل تجربتي في هذا السياق، فما زلت أرى نفسي شاعراً، وكتبت الرواية انطلاقاً من هذه الفكرة، وهي جزء من مشروعي الأساسي ـ إذا جاز لي قول هذا. فشخصيات الرواية حاضرة في دواويني، وبعض أحداثها تكملة لنصوص شعرية سابقة، وروايتي «عنكبوت في القلب» تجريبية في الأساس، لكن حرصت أن يكون لها ذاتها الخاصة، وأتمنى أن أكون وفقت. لم أكتب الرواية من أجل جوائز ولا بريق شهرة ولا تكالب دور نشر، هذه الأشياء من قبيل الخرافات في واقعنا الأدبي العربي البائس، بل كتبتها لأني أحببت التجربة، وجاءتني سرداً، فجسدتها كما جاءت.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.