ماكرون يختار يمينياً آخر لرئاسة الحكومة الجديدة

ماكرون يختار يمينياً آخر لرئاسة الحكومة الجديدة

جان كاستيكس لن يسرق الأضواء من رئيس الجمهورية
السبت - 13 ذو القعدة 1441 هـ - 04 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15194]
رئيس الوزراء الفرنسي الجديد جان كاستيكس (أ.ب)
باريس: ميشال أبو نجم

ثلاث ساعات فقط انقضت بين إعلان قصر الإليزيه استقالة حكومة إدوار فيليب وتكليف جان كاستيكس الحلول مكانه للفترة المتبقية على الأرجح من ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون. والاستقالة لم تكن مفاجأة لأحد؛ إذ تكاثرت التسريبات في الأيام الأخيرة وخصوصا منذ الدورة الثانية للانتخابات البلدية التي مني فيها الحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام» بهزيمة مؤلمة. وكان من الضروري، لا، بل الحيوي بالنسبة لماكرون أن يستعيد المبادرة السياسية والعودة بقوة إلى واجهة المسرح السياسي بعد الضعف الذي ألم به وتقدم شعبية إدوار فيليب على شعبيته والتحضر للمعركة الرئاسية القادمة في عام 2022 التي ينوي خوضها من أجل ولاية ثانية من خمس سنوات. وكان السؤال الذي شغل الطبقة السياسية والوزراء والنواب والمستوزرين هو: هل يبقي على فيليب في رئاسة الحكومة أم أنه سيتخلى عنه رغم شعبيته ليعود الأخير رئيسا لبلدية مدينته «لوهافر» حيث حققت اللائحة التي كان يقودها فوزا باهرا وكان ربما الضوء الوحيد في ظلمة خسائر ماكرون وحزبه؟ ماكرون فضل التخلي عنه والإتيان بوجه جديد يجمع بين كونه سياسيا وتقنيا بمعنى أن خبر الماكينة الحكومية والإدارية من الداخل مستبعدا أسماء طرحت في الأيام الماضية ومنها فلورانس بارلي، وزيرة الدفاع، وبرونو لومير وزير الاقتصاد، وفاليري بيكريس رئيسة منطقة إيل دو فرانس «أي باريس ومحيطها» وجان إيف لودريان، وزير الخارجية.
حقيقة الأمر أن ماكرون، كما استشف من تصريحاته الأخيرة ومن تسريبات مقربين منه في القصر الرئاسي، يريد ملء كل الفضاء السياسي الذي تمنحه إياه وظيفته الرئاسية بحسب الدستور ليترك لرئيس حكومة «تقني» إدارة الشؤون اليومية. له الأنوار وللآخر الظل الذي اعتاد عليه كاستيكس منذ سنوات. والعلامة الأبرز أنه يمثل استمرارية الفلسفة الماكرونية التي أوصلت صاحبها إلى أعلى منصب في الجمهورية. كاستيكس كما فيليب يأتي من اليمين الكلاسيكي. الثاني كان مقربا من رئيس الحكومة الأسبق ألان جوبيه أما الأول فهو مقرب من الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي. واختيار ماكرون تحكمه حسابات سياسية على علاقة بالانتخابات الرئاسية القادمة حيث سيكون المرشح ماكرون بحاجة لأصوات اليمين. يضاف إلى ذلك أن كاستيكس كان مديرا لمكتب الوزير السابق كزافيه برتراند أحد بارونات اليمين والمنافس المحتمل لماكرون في عام 2022 وبالتالي سيكون من الصعب على الأخير انتقاد العمل الحكومي الذي يقوده صديقه رئيس الحكومة الجديد. ومن ميزاته أنه يعرف جيدا العمل الحكومي والعمل الرئاسي لكونه كان مستشار الرئيس ساركوزي للشؤون الاجتماعية قبل أن يصبح أمينا عاما مساعدا للرئاسة. كما أن له اهتمامات في ميدان الصحة والرعاية الاجتماعية. وقد كلفته حكومة فيليب إعداد خطة الخروج من الحجر الصحي الذي فرض على البلاد بسبب وباء الكورونا وقد نجح في مهمته.
يأتي جان كاستيكس من صفوف اليمين تحديدا من حزب «الجمهوريون» الذي غرف منه ماكرون ولا يزال وهو بذلك يقسمه ويضعفه. إلا أنه بحسب المحللين، يعد ممثلا لما تبقى من تيار «الديغولية الاجتماعية» البعيدة عن الليبرالية السائدة. وإذا كان ماكرون، كما شرح ذلك في المقابلة المطولة لمجموعة من صحف المناطق، يريد التركيز في عاميه الأخيرين على الصحة والمتقدمين في السن وعلى شريحة الشباب، فإن كاستيكس يمكن اعتباره «رجل المرحلة». ومن العوامل التي ربما دفعت ماكرون في خياره أن رئيس الحكومة الجديد على علاقة وثيقة بألكسيس كوهلر، أمين عام الرئاسة والرجل الأقرب للرئيس الفرنسي. وهذا القرب من شأنه تجنب النزاعات بين رئاستي الجمهورية والحكومة والتي طفا بعضها على السطح خلال وجود فيليب في القصر الحكومي المسمى «ماتينيون». يبقى أنه يتعين على الرئيس أن يأخذ بعين الاعتبار الاهتمامات البيئوية للفرنسيين التي عكستها «الاختراقات» التي حققها حزب الخضر في المدن الرئيسية مثل ليون ومرسيليا وستراسبورغ وبوردو وغرونوبل وتور... ورد ماكرون على ذلك قد يكون عن طريق توزير شخصية لها وزنها ومحترمة من البيئويين ومنحه حقيبة موسعة. إلا أن يانيك جادو، النائب عن حزب الخضر وأحد قادته، استبعد تماما قبول حزبه اقتراحا بهذا المعنى من ماكرون. يبقى أن كاستيكس يعرف المشاكل اليومية للمواطن، إذ إنه رئيس بلدية لمدينة متوسطة في منطقة البيرينيه الشرقية «على الحدود الفرنسية الإسبانية».
إذا كان منصب رئاسة الحكومة مغريا، فإن المهمة التي تنتظر كاستيكس تبدو شاقة. فالرجل الذي كان يجهل الفرنسيون وجهه حتى ظهر أمس يتعين عليه مواجهة الظروف بالغة التعقيد التي تجتازها فرنسا بسبب تبعات وباء كوفيد - 19. الأزمات متشابكة، إذ إنها سياسية «وهن الحزب الرئاسي وضعف الممارسة الديمقراطية»، واقتصادية «صعوبات الشركات الكبرى وهشاشة كثير من القطاعات مثل الصناعات الجوية قطاع صناعة السيارات والنقل والسياحة...»، واجتماعية «تسريح موظفين وعمال بعشرات الآلاف»، ومالية «ديون الدولة تجاوزت سقف 120 في المائة من الناتج الداخلي الخام». ولا يتعين تناسي القطاع الصحي الذي عانى كثيرا في عز أزمة الوباء وموظفو القطاع ينزلون أسبوعيا إلى الشارع للمطالبة بتحسين أوضاعهم.
خلال عملية التسلم والتسليم التي تمت بعد ظهر أمس بين فيليب وكاستيكس، أعلن الأخير أنه «لا يجهل ضخامة المهمة التي تنتظره». وبحسب أوساط الإليزيه، فإن مهمة الحكومة الجديدة هي «العمل على تجسيد المرحلة الجديدة من رئاسة ماكرون وتنفيذ خطته لإعادة بناء البنى الاجتماعية والاقتصادية والبيئوية والمحلية». لكن تنفيذ هذه المهمة يفترض ترجمة الأهداف الواسعة إلى مشاريع وخطط محددة في إطار ظروف بالغة الصعوبة بحيث حتى لا تبقى عناوين عريضة. ولا شك أن اقتراب الاستحقاق الرئاسي بعد أقل من عامين وقبله الانتخابات الإقليمية العام القادم يبينان أن المهلة الزمنية المتاحة للرئيس والحكومة لإنجاز شيء ما قد لا تفيض على العام وأشهر قليلة. لذا، فإن ماكرون، إذا أراد استعادة المبادرة والتسلح بإنجازات يقدمها للناخبين، فعليه عدم إضاعة الوقت والاستعجال. ومنذ خريف عام 2018 عاشت فرنسا أزمات متلاحقة تحت عناوين مختلفة منها «السترات الصفراء» وإصلاح قانون التقاعد والمطالبات الاجتماعية القطاعية بما فيها التلامذة والطلاب، ومؤخرا الكورونا فيروس وتبعاته... وماكرون نفسه، كما قال، ينتظر «خريفا حارا». فهل ستكون حكومة كاستيكس المنتظرة قبل الأربعاء القادم على قدر المسؤولية المرمية عليها؟


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة