عكس المألوف... شابة إيطالية تتفرغ لتربية الحمير والأبقار في جبال الألب (صور)

الشابة الإيطالية فانيسا بيدوتزي (أ.ف.ب)
الشابة الإيطالية فانيسا بيدوتزي (أ.ف.ب)
TT

عكس المألوف... شابة إيطالية تتفرغ لتربية الحمير والأبقار في جبال الألب (صور)

الشابة الإيطالية فانيسا بيدوتزي (أ.ف.ب)
الشابة الإيطالية فانيسا بيدوتزي (أ.ف.ب)

قررت فانيسا بيدوتزي، وهي شابة إيطالية في الثالثة والعشرين من العمر، أن تحدث تغييراً جذرياً في حياتها، إذ اختارت تربية الحمير والأبقار في الجبال، مفضلة العيش وسط الطبيعة، على حياة الحانات والملاهي الليلية، وهو ما يفعله عدد متزايد من الشباب الإيطاليين.
ورغم إقرارها بأن هذا العمل «صعب ومنهك»، تؤكد بيدوتزي لوكالة الصحافة الفرنسية أنه يستهويها. وتقول: «لقد اخترت هذه الحياة، وهذا هو المكان الذي أريد أن أكون فيه، محاطة بالطبيعة والحيوانات».

وتعتزم فانيسا إقامة مزرعة في منطقة ألبه بيدولو، الواقعة على ارتفاع 813 متراً فوق مستوى سطح البحر، ضمن بلدة شينيانو اللومباردية في شمال البلاد.
وتحمل هذه الشابة إجازة في الطهو، لكنها فضلت الإقامة في الجبال على العمل في المهنة التي درستها. وتروي: «انطلقت في هذا المجال في العام الفائت، وكانت البداية بأتانتين... لم أكن أملك أرضاً ولا حظيرة، فاستعرت حقلاً من صديق».

وبات قطيع فانيسا اليوم يضم 20 حماراً، بينها 15 من الأتانات الحوامل، ونحو عشر بقرات وعشرة عجول.
وتستذكر فانيسا أنها كانت شغوفة بتربية الماشية منذ أن كانت صغيرة. وتقول: «كان جدي وجدتي يملكان مزرعة، لديهما فيها أبقار حلوب، وكانا ينتجان الزبدة والأجبان». وتضيف: «في طفولتي، كنت ألحق بوالدي عندما يأخذ الأبقار إلى المرعى». وتشير إلى أن والدها «لم يكن في البداية مرتاحاً» إلى خيارها، لأنه يدرك صعوبة هذه المهنة التي زاولها كل حياته، «لكنه تأقلم بعد ذلك مع الفكرة، وأصبح يساعدني ويسدي إلى النصائح».
وتستيقظ فانيسا في السادسة والنصف صباحاً، وأول ما تفعله هو تَفقّدُ حيوانات مزرعتها للتأكد من كونها بخير وتزويدها الماء.

وتقول: «الأمر ليس سهلاً... يجب أحياناً الاتصال بالطبيب البيطري، ومساعدة الحيوانات على الوضع». وتضيف: «بينما يستعد الشباب من عمري مساء السبت للخروج والسهر أكون منشغلة بالاستعداد للذهاب إلى الحظيرة». وتتابع: «هذه طبيعة هذا العمل... لا يزعجني أن آتي إلى هذا المكان في أي وقت، سواء أكان السبت أو الأحد أو في عيد الميلاد أو ليلة رأس السنة».
وترى فانيسا أن الطبيعة هي الأمر الوحيد الذي تحتاج إليه «مجرد الذهاب إلى كومو للتبضع يتعبني، بسبب الضجيج والسيارات والتلوث... لو استطعت تفادي الذهاب إلى هناك، لفعلت... هنا، أشعر بالسمو».
وتكتفي فانيسا في الوقت الراهن ببيع الحيوانات ولحومها، ولكنها تعتزم توسيع نشاط مزرعتها ليشمل إنتاج حليب الأبقار والأتانات، وصنع الأجبان منها.
وتلاحظ فانيسا أن «حليب الأتانات مطلوب جداً، إذ هو الأقرب إلى حليب الأم، وملائم جداً للأشخاص الذين يعانون الحساسية» من أنواع الحليب الأخرى.

في الموازاة، تدير فانيسا، مع رفيقها البالغ الرابعة والثلاثين، أشغال تأهيل المبنى الذي ستقام فيه المزرعة.
وتؤكد فانيسا أنها لا تخشى ما تتطلبه هذه الأشغال من وقت «إلى جانب الاهتمام بالحيوانات». ويتولى رفيقها الذي يعمل في مجال البناء، دعمها مالياً في انتظار أن تدرّ المزرعة الأرباح.
وكشف جاكوبو فونتانيتو، من نقابة «كولديريتي»، إحدى النقابات الزراعية الرئيسية في إيطاليا، أن «عودة للشباب إلى الجبال سُجلت خلال السنوات العشر إلى العشرين الأخيرة»، بعد مرحلة شهدت نزوحاً عنها.
وزاد عدد المزارعين الذين تقل أعمارهم عن الخامسة والثلاثين بنسبة 12 في المائة خلال خمس سنوات، بحسب إحصاءات عام 2019. علماً بأن ثلث هؤلاء من الإناث.
وتعتبر النقابة أن المهن ذات الصلة بالأرض باتت تجتذب الشباب المتعلمين، ولم تعد مجرد خيار احتياطي لأولئك الذين يعانون صعوبات في المدرسة. وتشير إلى أن ثمانية من كل عشرة إيطاليين يكونون سعداء إذا اختار أبناؤهم مهنة في هذا المجال.
لكن فونتانيتو يقر بأن «اعتماد هذا الخيار ليس سهلا، فالشباب الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، غالباً ما يفكرون بأمور أخرى، وتتركز اهتماماتهم على التسلية والسهر... أما الحياة في الجبال فتتطلب تضحيات، حتى لو كان المرء محاطاً بأجمل رفقة يمكن أن يحلم بها».


مقالات ذات صلة

أفعى بطول مترين تُوقظ امرأة أسترالية من نومها

يوميات الشرق السرير تحوَّل إلى اختبار للأعصاب (إنستغرام)

أفعى بطول مترين تُوقظ امرأة أسترالية من نومها

في حادثة مثيرة ومرعبة، استيقظت امرأة أسترالية في مدينة بريسبان منتصف الليل لتجد أفعى ضخمة ملتفّة فوق صدرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فقدان حيوان أليف كان أكثر إيلاماً لبعض الناس من وفاة أحد البشر (بيكسلز)

دراسة: نفوق حيوان أليف قد يكون مؤلماً بقدر فقدان أحد الأحباء

أظهرت دراسة حديثة أن الحزن على فقدان حيوان أليف قد يكون مؤلماً بالدرجة نفسها كالحزن على فقدان أحد أفراد الأسرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الخيول قادرة على شم رائحة الخوف لدى البشر (رويترز)

دراسة: الخيول تشم خوف البشر وتتأثر به

كشفت دراسة علمية حديثة أن الخيول قادرة على شم رائحة الخوف لدى البشر، بل وتتأثر به سلوكياً، ما قد ينعكس مباشرة على طريقة تعاملها مع الفرسان والمدربين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الفقمة «كولد كول» تبدأ حياة ثانية بعيداً عن الأمواج (الجمعية الملكية لمنع القسوة على الحيوانات)

العثور على فقمة يتيمة في مكان غير متوقَّع

تبدأ جرو فقمة أنثى «نشيطة وحيوية» مرحلة إعادة تأهيل تستمر أشهراً في مركز «الجمعية الملكية لمنع القسوة على الحيوانات»، بعد العثور عليها في نورفولك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق نفوق الشمبانزي التي قرأت الأرقام ورسمت العالم (غيتي)

وداعاً «الشمبانزي العبقرية» التي تعلَّمت العدّ والرسم

نفقت أنثى الشمبانزي المولودة في غرب أفريقيا، والتي كانت تستطيع التعرُّف إلى أكثر من 100 رمز صيني، إضافة إلى الأبجدية الإنجليزية...

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
TT

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، ورعاية وزارة الثقافة المصرية، تنافس مسرحية «مرسل إلى»، التي نالت جائزة «المركز الأول» في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية، وجائزة «أفضل تصميم ديكور» في المهرجان القومي للمسرح في دورته الـ18، على جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي.

عرض «مرسل إلى» يطرح مفهوم «الحرب والسلام»، ويسلط الضوء على الصراع بين دولتي فرنسا وألمانيا، من خلال أحداث ذات أبعاد فلسفية، ومشاعر إنسانية دارت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، من منظور جندي فرنسي، يسترجع معاناته وأزماته وأسباب اندلاع الحرب.

وعن كواليس كتابة «مرسل إلى» واختياره ثيمة الطرح الإنساني، قال المؤلف طه زغلول إن أفكار النصوص بالنسبة له في البداية تكون عبارة عن أسئلة، يحتاج إلى مشاركتها مع غيره كي يجد لها إجابة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «السؤال في نص (مرسل إلى) انشغل به الناس خلال الفترة الماضية، وهو (هل سيتعرض العالم لحرب عالمية ثالثة؟)، ومن هنا كانت بداية كتابة نص (مرسل إلى)، الذي تحول بعد ذلك لمسرحية تتناول (الأزمات الإنسانية) التي تفرزها الحروب».

لقطة من العرض المسرحي «مرسل إلى» (مهرجان المسرح العربي)

وكشف زغلول، الذي كتب النص قبل 4 سنوات، أنه كان محظوظاً كون مخرج العرض هو محمد فرج، لافتاً إلى أن المشكلة التي تواجه جيله من المؤلفين، تتمثل في أن «أغلب المخرجين يهتمون بتقديم صورة معينة بغض النظر عن الأفكار المكتوبة، وأن المميز والمختلف في محمد فرج أنه قدم صورة مسرحية مذهلة بناءً على النص المسرحي المكتوب»، على حد تعبيره.

وأوضح زغلول أن «مرسل إلى» هو المشروع الثاني الذي جمعه بالمخرج محمد فرج بعد مسرحية «مائة وثلاثون قطعة»، التي عرضت العام الماضي، وحصلت على جوائز عدة، منوهاً بأن فريق العمل أقرب إلى فرقة مسرحية لأن غالبية العناصر مشتركة في العرضين، وفي مقدمتها مصمم الديكور محمد طلعت الذي كانت له بصمة واضحة شكلت إضافة للتجربة.

وعن أهم المراجع التي استعان بها في كتابة النص، قال زغلول: «استعنت ببعض مراجع عن الحربين العالميتين الأولى والثانية»، لافتاً إلى أن النص ليس تأريخاً لفترة زمنية أو لحدث معين، بل يناقش فكرة تأثير الحروب على الأفراد والناس العادية، وأن أغلب نصوصه تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

ويؤكد زغلول أن الميزانية المحدودة، خصوصاً للعروض الخاصة، وعروض الجامعة، والثقافة الجماهيرية، تؤثر على مستوى العروض، موضحاً أنه كلما كانت الميزانية أكبر كانت مساحة الإبداع أكبر، لكن صناع مسرحية «مرسل إلى»، خصوصاً المخرج محمد فرج ومصمم الديكور محمد طلعت، استطاعوا استغلال الميزانية المحدودة بأفضل طريقة ممكنة.

تناول العرض المسرحي الحرب من منظور فلسفي (مهرجان المسرح العربي)

وعن اختياره «القضايا الإنسانية» لتسليط الضوء عليها في كتاباته، أكد زغلول أن الإنسان هو الإنسان في كل وقت وأرض، مخاوفه واحدة واحتياجاته واحدة، لذلك عندما اختار واقعة تاريخية حصلت قبل عشرات السنين «فإنني أرى أنها تلمس الواقع الذي نعيشه، كما أنني أتعمق في سرد الأفكار كي تصل للناس دون قيود»، حسب قوله.

وعن توقعه نيل جائزة من مهرجان «المسرح العربي» في دورته الـ16 التي تختتم فعالياتها الجمعة، أكد زغلول الذي حصد «المركز الأول» في مسابقة التأليف في الدورة الـ10 من المهرجان نفسه، أن الجوائز بشكل عام تعبّر عن وجهة نظر وذائقة لجنة التحكيم، لكن ما يشغله دائماً هو تقديم الكثير من الأعمال المميزة التي تدعو الناس للتفكير، وتشعرهم بالمتعة الفنية.

مسرحية «مرسل إلى»، لفرقة «بيت ثقافة السنبلاوين»، وإنتاج الإدارة العامة للمسرح، من تأليف طه زغلول، وإخراج محمد فرج، وشارك بها مجموعة كبيرة من الممثلين، من بينهم محمود الحسيني، وشموع وائل، وطلعت حسين، ومحمد صبح، وعاصم الجوهري، وأحمد علاء، وطارق المصري، ومحمد سليمان، ومحمد هاشم، وآية أشرف.


«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
TT

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية»، في احتفاءٍ باللغة العربية بوصفها قوة ثقافية حيّة تُشكّل التعبير الفني، يقيم معرض «فن القاهرة» دورته السابعة في المتحف المصري الكبير، بمشاركة أكثر من 700 عمل فني لنحو 300 فنان من 15 دولة، بينهم رموز للفن في الدول العربية، وكذلك فنانو المهجر.

ويحتفي المعرض هذا العام بالفنان جرجس لطفي، تقديراً لإسهاماته الراسخة في المشهد الفني المصري وتأثيره العميق في أجيال من الفنانين.

وضمن فعاليات النسخة السابعة، التي تُقام في الفترة من 22 إلى 26 يناير (كانون الثاني) الحالي، يقدّم «فن القاهرة» معرضاً متحفياً فردياً للفنانة إنجي أفلاطون، مستمداً من مقتنيات متحف الفن الحديث، ليُعيد تسليط الضوء على إرثها الفني، ويؤكد دور المجموعات المتحفية بوصفها أرشيفاً حيّاً في حوار مستمر مع الحاضر، وذلك بالتعاون بين «مبادرة فن القاهرة» ووزارة الثقافة المصرية، وفق بيان لمؤسس المعرض.

ويقول مؤسس ومدير «فن القاهرة»، محمد يونس، إن هذا المعرض هو الوحيد في مصر المكرّس حصرياً للفنان العربي، سواء كان مقيماً في العالم العربي أو في المهجر ويمثّل فنانين عرباً على الساحة الدولية.

«فن القاهرة» يتضمن أعمالاً لأجيال مختلفة (إدارة المعرض)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأعمال التي يتضمنها المعرض هي نتاج حكايات وتجارب وقضايا إنسانية تعبّر عن مشاعر الفنان العربي، من الفرح إلى القلق، أينما كان موقعه. كما تشهد هذه الدورة مشاركات من هولندا والنرويج عبر فنانين عرب، في تأكيد على حضور الفن العربي عالمياً».

وتشارك في المعرض صالات عرض فني من مصر تقدم أعمالاً لفنانين من أجيال مختلفة ومدارس فنية متنوعة، تتناول التاريخ الاجتماعي، والذاكرة السياسية، والتجريب المادي، واللغة البصرية المعاصرة. كما تشارك فيه «غاليريهات» من لبنان بأعمال تستكشف مفاهيم الهوية، واللغة، والاغتراب، والسرد الفني عبر أجيال ووسائط متعددة.

وكذلك تشارك صالات عرض من الأردن بأعمال تعكس ممارسات فنية تمزج بين التجريد والتشخيص والتجربة الإنسانية المعيشية في المشرق العربي. كما تشارك صالات من أبوظبي ودبي وهولندا والنرويج والبحرين.

وينظّم المعرض أنشطة ثقافية ضمن برنامج «حوار»، تتناول العلاقة بين الفن والجمهور وسوق الفن في الوطن العربي والدور المؤسسي في إبراز الفن العربي وتأكيد خصوصية هذا الفن وسماته المميزة.

ويشير يونس إلى أن «القاهرة هي الحاضنة الطبيعية لمعرض (فن القاهرة)، والأنشطة الثقافية المرافقة للمعرض، سواء للزوار أو المقتنين، تعكس حيوية المدينة وغناها الفني. من خلال متاحفها، وإرثها الثقافي، والفنانين والمعارض الموازية المقامة في أماكن تاريخية وقصور، يتجلّى تنوّع وثراء المشهد الفني العربي وقدرته على التواصل الحقيقي مع الجمهور».

معرض «فن القاهرة» شهد مشاركات واسعة في دوراته السابقة (إدارة المعرض)

وتُعدّ الدورة السابعة هي أولى الدورات التي تُقام في المتحف المصري الكبير بعد افتتاحه الرسمي، إذ كان قد احتضن من قبل ثلاث دورات للمعرض خلال فترة افتتاحه التجريبي. وحول خصوصية المتحف وملاءمته لاستضافة «فن القاهرة» يقول مؤسس ومدير المعرض: «يُعدّ المتحف المصري الكبير البيت الجدير لفن القاهرة، حيث استضاف ثلاث دورات قبل افتتاحه الرسمي. وتأتي النسخة السابعة متزامنة مع افتتاحه الرسمي، ليشكّل ذلك محطة مهمة واستثنائية».

ورأى يونس أن «الدخول إلى المتحف يضع الزائر في حالة فخر واعتزاز بتاريخ عظيم، ووجود فن القاهرة المعني بالمشهد الفني العربي المعاصر داخل هذا الصرح الثقافي العالمي، يؤكد دور القاهرة عربياً وعالمياً بوصفها مركزاً حضارياً وفنياً وثقافياً. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك بزخم أكبر، وحضور جماهيري أوسع، وتفاعل أعمق مع المعرض».


معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف (الشرق الأوسط)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.