جوزيف بوريل: النظام مسؤول عن معاناة السوريين... والتطبيع رهن تنفيذ 2254

ممثل السياسة الخارجية والأمنية الأوروبي يؤكد في حديث لـ «الشرق الأوسط» دعم الحوار الأميركي ـ الروسي

جوزيف بوريل مسؤول الشؤون الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي (المفوضية الاوروبية)
جوزيف بوريل مسؤول الشؤون الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي (المفوضية الاوروبية)
TT

جوزيف بوريل: النظام مسؤول عن معاناة السوريين... والتطبيع رهن تنفيذ 2254

جوزيف بوريل مسؤول الشؤون الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي (المفوضية الاوروبية)
جوزيف بوريل مسؤول الشؤون الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي (المفوضية الاوروبية)

أعرب جوزيف بوريل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس، عن أمله بتقديم الجهات والدول المشاركة في مؤتمر بروكسل للمانحين الذي يعقد اليوم، التزامات توازي ما كان في العام الماضي وقدرها حوالي ستة مليارات يورو، لافتا إلى أن الأوروبيين قدموا حوالي 20 مليار يورو إلى سوريا والدول المجاورة منذ 2011.
وقال بوريل، الذي يشغل أيضا نائب رئيس المفوضية منذ تسلمه منصبه نهاية العام الماضي خلفا لفيدريكا موغريني، إنه «لم تتم دعوة النظام السوري أو المعارضة السورية» إلى المؤتمر على غرار السنوات السابقة، مضيفا «ربما تجري إعادة النظر في هذه المسألة فقط، وشرط انطلاق العملية السياسية بكل جدية وخطوات ثابتة، بما في ذلك إجراء انتخابات حرة ونزيهة على النحو المتصور لها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254». وأشار إلى «ترحيب الاتحاد الأوروبي بمشاركة الاتحاد الروسي في المؤتمر».
وأوضح ردا على سؤال أن «العقوبات الاقتصادية» الصادرة عن الاتحاد الأوروبي «تستهدف في المقام الأول الشخصيات والكيانات التي تواصل دعم وإسناد القمع والنظام السوري، وتوفر لهم التمويل أو تستفيد من اقتصاد الحرب»، مؤكدا أنها «لا تعيق وصول المساعدات الإنسانية والطبية، بما في ذلك الدعم الحيوي واللازم الخاص بكارثة وباء (كورونا) في الآونة الراهنة»، مضيفا «يتحمل النظام السوري الحاكم المسؤولية عن الأزمات الإنسانية، والاقتصادية، والصحية التي تشهدها سوريا، وليست العقوبات الاقتصادية».
وأشار بوريل إلى أن قائمة العقوبات الخاصة بالاتحاد الأوروبي تضم حاليا 273 شخصية و70 كيانا بـ«هدف ممارسة الضغوط على النظام السوري لوقف أعمال القمع، والتفاوض بشأن التسوية السلمية الدائمة للأزمة السورية بموجب القرار الدولي 2254 تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة». وزاد: «من دون تغيير واضح في سلوك والتزام جاد وبناء وحقيقي بشأن العملية السياسية، فإن العقوبات ستبقى مفروضة»، لافتا إلى أن الاتحاد الأوروبي «سيشارك في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يكون هناك انتقال سياسي حقيقي وثابت بموجب 2254».
وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» عن بعد وتناول أيضا الحوار الروسي - الأميركي و«الانتخابات السورية»، عشية مؤتمر بروكسل اليوم:
> ما الذي تتوقعونه من مؤتمر المانحين في بروكسل المقرر انعقاده اليوم 30 يونيو (حزيران) الجاري؟ وكيف يختلف هذا المؤتمر عن مؤتمرات الجهات المانحة السابقة؟
- دخلت سوريا عامها العاشر من الحرب. وعلى مدار الأعوام التسعة الماضية، كان على نصف سكان البلاد النزوح من منازلهم. وتوفي أكثر من نصف مليون سوري. ولدينا جيل كامل من الأطفال السوريين الذين لم يعرفوا سوى الحرب. وجميعهم يستحقون مستقبلا أفضل ينعمون فيه بالسلام. وإننا نعتبر مؤتمر بروكسل المقبل من الأدوات الأكثر فاعلية في جذب انتباه العالم والمحافظة على اهتمامه بالحاجة الماسة إلى حل هذا النزاع المستمر ومواصلة تعبئة المجتمع الدولي بشأن الحل السياسي على النحو الذي دعا إليه قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254، وهذه الطريقة هي السبيل الوحيد لاستعادة السلام والاستقرار إلى السوريين.
وإن المؤتمر المقبل، سيكون الحدث الأهم في العام 2020 من حيث التعهدات لأجل سوريا والمنطقة بأسرها، ومن حيث التعامل مع الاحتياجات بالغة الأهمية التي تمخضت عنها الأزمة الراهنة، لكنه يتجاوز مجرد كونه مؤتمرا اعتياديا للجهات المانحة، إذ إنه يتعلق بمواصلة الدعم، على المحاور السياسية والمالية، للبلدان والشعوب المجاورة لسوريا، الذين أظهروا قدرا كبيرا واستثنائيا من التضامن مع اللاجئين السوريين النازحين قسرا من ديارهم.
والمؤتمر، أيضا تحول إلى فرصة سانحة وفريدة من نوعها بالنسبة إلى المجتمع المدني السوري بغية الدخول في حوار مفتوح ومباشر مع مجتمع الجهات المانحة ومع البلدان المضيفة للاجئين السوريين. لم نتمكن من حشد الناس بصورة شخصية ومباشرة خلال العام الحالي، لكننا استطعنا ترتيب أسبوعا من الفعاليات المهمة، حيث تمكن الشباب السوري، والنساء السوريات، فضلا عن منظمات المجتمع المدني المختلفة من التفاعل والتشارك فيما بينها مع مختلف مكونات المجتمع الدولي. وهذا من الأمور بالغة الأهمية، ليس لأنهم يمثلون الأصوات الحقيقية الناطقة باسم الشعب السوري فحسب، وإنما لأنهم يحملون في طيات أنفسهم المفتاح في مستقبل أفضل لسوريا.
> يأتي مؤتمر هذه السنة في وقت هناك أزمة اقتصادية و«كورونا» في سوريا؟
- هناك جملة من العوامل التي تثير المخاوف بشأن مؤتمر العام الحالي. ومن بينها التدهور الخطير للغاية في الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد، والهجوم العسكري الأخير الذي شنه النظام السوري وداعموه، وتدمير وانهيار البنية التحتية المدنية في البلاد، فضلا عن كارثة وباء «كورونا» المستجد التي اجتاحت البلاد ولا تزال. هذه كلها من العوامل التي تزيد من تفاقم الظروف المعيشية بالنسبة للمواطنين السوريين. لقد فاض بهم الكيل بالفعل.
وبالتشارك الفعال مع منظمة الأمم المتحدة، التي تضطلع بدور حاسم وحيوي وكبير، فإننا لا ندخر جهدا في الوقوف إلى جانبهم والعمل على تحقيق آمالهم وأحلامهم في مستقبل أكثر سلاما وإشراقا.
> قدمت الجهات المانحة في مؤتمر العام الماضي مساعدات مالية بقيمة بلغت 6.2 مليار يورو. هل تعتقدون أنه يمكن تأمين نفس التعهدات في مؤتمر العام الحالي؟ وهل بإمكانكم الاستجابة لنداءات منظمة الأمم المتحدة من أجل المساعدات الإنسانية؟
- من المستحيل قبل المؤتمر، تقديم رقم محتمل بشأن التعهدات المالية من جانب الجهات المانحة خلال مؤتمر العام الحالي. كما أن المبالغ المالية الملتزم بها تتغير حتما من عام إلى آخر، ذلك حسب المقاربات المعتمدة لدى الجهات المانحة. لكننا، على غرار كل عام، يحدونا طموح كبير في دعم وإسناد الشعب السوري والمجتمعات المضيفة للاجئين السوريين في البلدان المجاورة. وإننا جميعا نواصل العمل سويا، وليس أقلها التفاعل المستمر مع الرئيس المشارك من الأمم المتحدة، ذلك بهدف ضمان أن المواطنين السوريين في كافة أنحاء سوريا، فضلا عن اللاجئين النازحين إلى بلدان الجوار في الأردن، ولبنان، وتركيا، يحصلون جميعا على الدعم والحماية المناسبة من المجتمع الدولي على مدى السنة القادمة بأكملها. وهذا هو أقل ما يمكن أن يتوقعوه، وأقل ما يمكننا القيام به لأجلهم.
> ماذا عن الاتحاد الأوروبي؟
- بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لقد قدمنا أكثر من 20 مليار يورو منذ بداية الأزمة السورية في صورة المساعدات الإنسانية، والاستقرار، والتنمية، والمساعدات الاقتصادية المختلفة. وإننا نُعتبر أكبر الجهات المانحة بالنسبة إلى الشعب السوري، من واقع ثُلثي الأموال التي جرى إنفاقها في مساعدة الشعب السوري والبلدان المجاورة لسوريا التي جاءت من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء. وسنواصل الاضطلاع بدورنا في هذا المسار.
ومما يُضاف إلى الأزمة الإنسانية والاقتصادية غير المسبوقة، وكافة المآسي والمعاناة التي يكابدها الشعب السوري، فإن السوريين يعانون في الآونة الراهنة أيضا من عواقب وباء «كورونا». ومن شأن المؤتمر، أن يتطرق إلى هذه المسألة المهمة والملحة ضمن جدول الأعمال. وفي الاتحاد الأوروبي، لقد عملنا على تهيئة المساعدات الحالية كي تتسق وفق الاستجابة المطلوبة لهذه التحديات الجديدة والإضافية، فضلا عن العمل الجاد والمستمر لضمان وصول المعدات المنقذة للحياة إلى المحتاجين لها في سوريا.
> لماذا لم توجه الدعوة إلى الحكومة السورية لحضور مؤتمر؟
- على غرار ما خبرناه في مؤتمرات بروكسل الماضية ذات الصلة بالشأن السوري، لم تتم دعوة النظام السوري أو المعارضة السورية. وربما تجري إعادة النظر في هذه المسألة فقط وشرط انطلاق العملية السياسية بكل جدية وخطوات ثابتة، بما في ذلك إجراء انتخابات حرة ونزيهة على النحو المتصور لها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
ونص قرار مجلس الأمن بكل وضوح على أن «الشعب السوري وحده هو من يقرر مستقبل سوريا». وهذه ليست من كلمات المجاملات اللطيفة من زاوية الاتحاد الأوروبي، بل إنها البوصلة التي تحدد اتجاهات مساراتنا إزاء القضية. ولا يحق لأحد أن يأخذ مستقبل سوريا رهينة. ولأجل هذا السبب، فإننا نضمن المساهمات ذات الفائدة مع المشاركة الكبيرة والفعالة من جانب المجتمع المدني السوري، استمرارا مع المشاورات المكثفة عبر الإنترنت في سوريا وفي المنطقة قبل عقد المؤتمر.
كما جرى ترتيب أيام من الحوار بصورة افتراضية في تاريخ 22 و23 يونيو الجاري، وكانت تتألف من مناقشات بين المجتمع المدني، والوزراء، وصناع القرار السياسي من البلدان المضيفة للاجئين، ومن الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمم المتحدة، وغير ذلك من الشركاء الدوليين المعنيين. ومن شأن هذه الإسهامات الجادة، أن تندرج ضمن الاجتماع الوزاري الخاص بالمؤتمر في 30 يونيو، إذ إننا نعتبر المجتمع المدني السوري، وعمال الإغاثة على أرض الواقع، والمنظمات النسائية والشبابية السورية، الممثلين الحقيقيين لمستقبل البلاد.
> كيف تفسرون المشاركة الروسية في المؤتمر المقبل رغم انتقاد موسكو المعلن لعدم توجيه الدعوة إلى الحكومة السورية؟
- على غرار ما تقدم في السنوات الماضية، جرى توجيه الدعوة إلى كافة أعضاء المجتمع الدولي ممن يملكون النفوذ القائم والتأثير الواضح في مجريات النزاع السوري الراهن، وممن أعربوا عن رغبتهم في دعم الجهود الدبلوماسية، اتساقا على نحو كامل مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالقضية. وعلى هذا النحو، يرحب الاتحاد الأوروبي بمشاركة الاتحاد الروسي في المؤتمر المقبل.
> يأتي المؤتمر المقبل إثر تجديد الاتحاد الأوروبي لحزمة العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، ومع بدء دخول «قانون قيصر» الأميركي في حيز التنفيذ الفعلي. فهل لذلك من تأثير يُذكر على مجريات المؤتمر؟
- إن من بين الأهداف الرئيسية لمؤتمر بروكسل القادم هو إجماع المجتمع الدولي وراء العملية السياسية التي تهيئ منظمة الأمم المتحدة الأجواء لأجلها تحت قيادة سورية واضحة. الضغوط الدولية الممارسة على دمشق (ترمي) للضغط عليها للمشاركة الكاملة والصادقة في إطار قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254، الأمر الذي نحاوله راهنا من خلال حزمة العقوبات المفروضة، التي هي بالطبع جزء من هذه الجهود (الضغوط).
> أعلنت الحكومتان الروسية والسورية أن هذه العقوبات الاقتصادية من شأنها إلحاق الأضرار بتدفقات المساعدات الإنسانية والطبية إلى البلاد، فما هو ردكم على ذلك؟
- ليست العقوبات الاقتصادية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي بالأمر الجديد ولا هي موجهة لاستهداف المدنيين في سوريا. بل إنها تستهدف في المقام الأول الشخصيات والكيانات التي تواصل دعم وإسناد القمع والنظام السوري، وتوفر لهم التمويل أو تستفيد من اقتصاد الحرب.
والعقوبات الاقتصادية الأوروبية مصممة بحيث إنها لا تعيق وصول المساعدات الإنسانية والطبية، بما في ذلك الدعم الحيوي واللازم الخاص بكارثة وباء «كورونا» في الآونة الراهنة. ولا تحظر العقوبات الأوروبية تصدير المواد الغذائية أو الأدوية أو المعدات الطبية. وحتى بالنسبة إلى السلع ذات الاستخدام المزدوج التي من الممكن أن تحمل قدرا من المخاطر، مثل المواد الكيماوية الضرورية في الاستخدامات الدوائية، فهناك قدر متصور من الاستثناءات ذات الصلة بالأغراض الإنسانية.
> لكن دمشق حملت العقوبات مسؤولية المعاناة. من يتحمل المسؤولية؟
- لقد كان الاتحاد الأوروبي - ولا يزال - أكبر الجهات المانحة على الصعيد الإنساني للأزمة السورية، مع جمع أكثر من 20 مليار يورو لهذه الأغراض منذ عام 2011 وحتى اليوم. وطوال كل هذه السنوات، وصل دعمنا الحيوي والمهم إلى الشعب السوري.
يتحمل النظام السوري الحاكم المسؤولية عن الأزمات الإنسانية، والاقتصادية، والصحية التي تشهدها سوريا، وليست العقوبات الاقتصادية. بل على العكس من ذلك، يرجع كل الفضل إلى المساعدات الدولية، إذ لا يزال من الممكن توفير خدمات الرعاية الصحية، أو الغذاء، أو التعليم، أو الحماية للأشخاص المعوزين في داخل سوريا.
كما يمكنني أن أضيف أيضا، أن النشاط التجاري ما زال مستمرا طوال فترة الحرب الماضية بين الاتحاد الأوروبي وبين سوريا. ولم يفرض الاتحاد الأوروبي أي نوع من أنواع الحظر أو الحصار على سوريا طيلة تلك الفترة.
> ما الشروط التي يمكن للاتحاد الأوروبي بموجبها رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق؟
- دخلت عقوبات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بسوريا حيز التنفيذ الفعلي اعتبارا من 9 مايو (أيار) في العام 2011 ردا على أعمال القمع العنيفة التي مارسها النظام السوري ضد شعبه، بما في ذلك انتهاكات حقوق الإنسان، واستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين السلميين، وانتشار واستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد الشعب السوري. ولم تفرض العقوبات ببساطة، وإنما كانت نتيجة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجرائم الحرب المحتملة، والجرائم ضد الإنسانية، والتي ينبغي أن تؤخذ في الحسبان.
> هناك قائمة طويلة من العقوبات؟
- تضم قائمة العقوبات الخاصة بالاتحاد الأوروبي حاليا 273 شخصية و70 كيانا. والهدف المقصود من وراء هذه التدابير هو ممارسة الضغوط على النظام السوري لوقف أعمال القمع، والتفاوض بشأن التسوية السلمية الدائمة للأزمة السورية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2254، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة. من دون تغيير واضح في سلوك والتزام جاد وبناء وحقيقي بشأن العملية السياسية، فإن العقوبات ستبقى (مفروضة)، إذ إنها تُعتبر جزءا أصيلا لا يتجزأ من منهج الاتحاد الأوروبي الأوسع نطاقا إزاء الأزمة السورية. كما أن العقوبات محل المراجعة المستمرة من جانبنا بغية تقدير ما يتمخض عنها - ضمن أمور أخرى - من آثار وتطورات على أرض الواقع.
> ربط الاتحاد الأوروبي سابقاً أي مساهمة في إعادة إعمار سوريا بنجاح العملية السياسية هناك. ما موقفكم الحالي من إعمار سوريا؟
- كان موقف الاتحاد الأوروبي - وما زال - واضحا للغاية في هذا الشأن. الأوروبيون على استعداد تام لدعم مستقبل الشعب السوري ومساعدتهم في إعادة إعمار بلادهم، لكن هناك معايير لانخراط الاتحاد الأوروبي في ذلك. سيُشارك الاتحاد الأوروبي في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يكون هناك انتقال سياسي حقيقي وثابت بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2254، فإذا لم يكن الأمر على هذا النحو، فمن شأن كافة الجهود المبذولة على هذا المسار أن تذهب هباء. إذ تستلزم إعادة الإعمار توفر الحد الأدنى من شروط الاستقرار، والحوكمة، والمساءلة العامة، والتمثيل في السلطات الحاكمة. ولا تتوافر حالياً أي من هذه المعايير لدى سوريا.
> إذن، المساهمة تنتظر هذه المعايير؟
- لا يمكن على الإطلاق استثمار دعم الاتحاد الأوروبي لإعادة الإعمار في سوريا، في سياق من شأنه تأجيج عدم المساواة وما سواه من المظالم التي كانت موجودة قبل الحرب ولا تؤدي إلى المصالحة وبناء السلام والاستقرار. ولا تقتصر جهود إعادة الإعمار على مجرد إعادة بناء البنية التحتية والإسكان في البلاد - وإنما هي تتعلق باستعادة وصون النسيج الاجتماعي داخل سوريا، وإعادة بناء الثقة، مع تهيئة الظروف والأجواء التي من شأنها التخفيف أو الحيلولة دون تكرار أعمال العنف، فضلا عن الاستجابة للمظالم التي أطلقت شرارة النزاع في المقام الأول. ويستحق الشعب السوري أن يعيش في بلد يشعر فيه بالأمان، والحماية من قبل قضاء محايد، وتحت سيادة القانون، وحيث يمكن ضمان الكرامة الإنسانية.
> تشارك الأمم المتحدة في رئاسة المؤتمر. فما موقفكم بشأن جهود غير بيدرسن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا؟
- موقفنا لا يزال على حاله من أنه فقط الحل السياسي الذي يتحقق ضمن إطار مفاوضات جنيف برعاية منظمة الأمم المتحدة هو الذي من شأنه ضمان المستقبل السلمي لسوريا. وإننا نؤيد بالكامل أعمال الأمم المتحدة وجهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة، السيد غير بيدرسن، في هذا الصدد. هذا، ويهدف مؤتمر بروكسل المقبل أيضا إلى حشد المجتمع الدولي وراء جهود الأمم المتحدة بغية التقدم في الحل السياسي.
ومن شأن المؤتمر أيضا أن يدعم ويؤيد دعوات الأمين العام للأمم المتحدة، السيد أنطونيو غوتيريس، والمبعوث الخاص، السيد غير بيدرسن، من أجل وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني في سوريا، مع إطلاق سراح المعتقلين، لا سيما في ضوء جائحة فيروس «كورونا» الراهنة.

الحوار الاميركي – الروسي
< أعلن الجانب الروسي استعداده للتفاوض مع الولايات المتحدة بغرض التوصل إلى حل سياسي في سوريا. فما موقفكم من الحوار الأميركي - الروسي بشأن القضية السورية؟
- أي تقدم يُحرز في مسار الوصول إلى حل سياسي للنزاع السوري، هو موضع ترحيب من قبلنا. إننا نصر ونؤكد على أنه لا تنبغي المساومة بشأن مبادئ محددة. وتساند كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وأي حل يُطرح للصراع السوري لا بد أن يتسق مع هذا القرار.
بالنسبة إلينا في الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن يكون هناك تطبيع للعلاقات مع النظام السوري، ومن ثم، لا يوجد التزام من جانبنا بتوفير التمويل الدولي لإعادة الإعمار، حتى يكون هناك انخراط حقيقي في عملية سياسية صادقة وشاملة وجامعة (تمثيلية). كذلك، لا يمكن للمجتمع الدولي دعم عودة اللاجئين إلى سوريا إلا بشرط ضمان سلامتهم، وكرامتهم، وأن تكون العودة من جانبهم طوعية غير قسرية.
< هل تعتقدون أن صفقة أميركية - روسية حول سوريا ستكون كافية؟ وكيف ترون ملامح هذه الصفقة؟
- مرة أخرى أقول إن الشعب السوري وحده هو من يقرر مستقبل سوريا، وهذا بالضبط ما ينص عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ولا بد للمفاوضات السياسية بشأن مستقبل سوريا أن تكون ملكا للسوريين وتحت القيادة السورية. ولقد أعلنت الولايات المتحدة وروسيا، بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي، عن دعم وإسناد العملية السياسية الحقيقية والشاملة والجامعة (التمثيلية)، على النحو المقرر والمنصوص عليه في قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254.
< توجد لدى سوريا، في الآونة الراهنة، ثلاث مناطق من النفوذ: في شمال شرقي البلاد، وفي شمال غربي البلاد، وفي بقية أرجاء البلاد. فهل يملك الاتحاد الأوروبي نفس الرؤية فيما يتعلق بهذه المناطق الثلاث؟
- الاتحاد الأوروبي لن يتراجع أو يتردد فيما يتعلق بالتزامه بشأن السيادة الكاملة، ووحدة الأراضي السورية وسلامتها. أما الترتيبات الدقيقة للحوكمة في سوريا، فهي مسألة يتخذ السوريون القرار فيها.

< ماذا عن الانتخابات الرئاسية السورية التي ستعقد في العام 2021 كيف ترون هذا الأمر؟
- الانتخابات ذات المغزى في سوريا، هي فقط تلك التي تُجرى على أساس دستور سوري جديد، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2254، ومن شأن تلك الانتخابات أن تكون بمثابة فصل افتتاحي جديد بالنسبة للبلد وشعبه.
< لكن هناك انتخابات ستجري؟
- إذا ما أُجريت الانتخابات من قبل ذلك (ما ذكر سابقا)، فإنني أحض النظام السوري على أن يظهر التزامه بالانفتاح السياسي الحقيقي والأصيل، من خلال التأكد، على سبيل المثال، من إتاحة الانتخابات إلى كافة فئات الشعب السوري، بما في ذلك أولئك الموجودين في خارج البلاد، وأن تتسم الانتخابات بالحرية والنزاهة المطلوبة. ومع ذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم ذلك مقام الحاجة الماسة إلى الانخراط الحقيقي في العملية السياسية مع التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
< كيف ترون سوريا بعد مرور عام من الآن؟
- أما بالنسبة إلى كيف ستبدو سوريا في عام من الآن، فإن هذا يتوقف بالأساس على مدى التزام النظام السوري بتنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على اعتبار أنه السبيل الوحيد والمقبول للمضي قدما. وليس ذلك لفائدتنا، أو لمصلحة داعميه (النظام)، وإنما هو لصالح جميع السوريين.



هل يمنح وقف «الحرب الإيرانية» دفعة لجهود احتواء أزمات «الجوار المصري»؟

وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)
TT

هل يمنح وقف «الحرب الإيرانية» دفعة لجهود احتواء أزمات «الجوار المصري»؟

وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل الخميس كريستوف بيجو الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (الخارجية المصرية)

تتسارع جهود القاهرة بشكل لافت على مدار أسبوع، ضمن حراك إقليمي لاحتواء الأزمات في قطاع غزة والسودان المجاورين لحدود مصر، تزامناً مع تفاهمات ومفاوضات بين واشنطن وطهران لبحث اتفاق نهائي لوقف الحرب.

ويمنح اتفاق وقف الحرب الإيرانية دفعة للجهود المصرية المستمرة لاحتواء أزمات دول الجوار خاصة في غزة شرقاً والسودان جنوباً، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين أن يرتبط حل هذه الأزمات بتسوية نهائية للحرب في إيران.

ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، أكتوبر (تشرين الأول) 2025 برعاية مصرية - أميركية - قطرية - تركية، تتواصل خروقات إسرائيل للاتفاق الذي كانت تأمل دول المنطقة أن يوقف حرباً غير مسبوقة اندلعت في 2023 على الحدود الشرقية في مصر، بينما تواصل الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وسط جهود للجنة الرباعية التي تضم كلاً من السعودية ومصر وأميركا والإمارات، للوصول لسلام مستدام.

 

وزير الخارجية المصري يستقبل كبير مستشاري ترمب مسعد بولس 21 يونيو (الخارجية المصرية)

وعقب يومين من الاتفاق المؤقت، الأميركي - الإيراني، استقبلت القاهرة اجتماعات وأجرت اتصالات بشكل مكثف ولافت على مدار أسبوع، ركزت على أهمية استغلال وقف الحرب في تعزيز الاستقرار والأمن بالمنطقة، وطرحت أزمات الجوار في قطاع غزة والسودان، خلال تلك المحادثات، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط» من بيانات لوزارة الخارجية المصرية بتلك الفترة.

وبحث الوزير المصري بدر عبد العاطي، في 25 يونيو (حزيران) مع الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، كريستوف بيجو، أهمية إعادة تركيز الجهود الدولية على القضية الفلسطينية، بما يهيئ الظروف لاستكمال التنفيذ الكامل لخطة الرئيس دونالد ترمب للسلام، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها من داخل القطاع، والإسراع في نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار.

كما بحث عبد العاطي في 24 يونيو مع وزيرة خارجية المملكة المتحدة، إيفيت كوبر، تطورات الأوضاع الإقليمية في أعقاب توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم بينهما، مؤكداً أهمية إعادة بناء الثقة وتعزيز الاستقرار الإقليمي والتوصل إلى هدنة إنسانية تمهد الطريق لوقف مستدام لإطلاق النار بالسودان.

وباليوم ذاته، استقبل عبد العاطي، الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، مشدداً على ضرورة استكمال تنفيذ باقي استحقاقات المرحلة الأولى من خطة ترمب، بما في ذلك مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها من داخل القطاع في أقرب فرصة، ونشر قوة الاستقرار الدولية.

وزير الخارجية المصري يستقبل الأربعاء نيكولاي ملادينوف «الممثل الأعلى لغزة» (الخارجية المصرية)

وفي ضوء تلك المحادثات، يرى الدكتور مختار غباشي، الأمين العام «لمركز الفارابي للدراسات»، «أن الحراك المصري كبير، وتعاظم ضمن حراك إقليمي بعد اتفاق وقف الحرب في إيران، أملاً في الوصول لتفاهمات تصفر أزمات المنطقة، والحصول على دفعة لحل أزمات السودان وقطاع غزة... والذي يهم القاهرة بصورة أو أخرى، انتهاء أي أزمات فيهما حرصاً على أمنها القومي واستقرار المنطقة».

وتؤكد الخبيرة في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن التهدئة في إيران ستمنح دفعة لإنهاء أزمات المنطقة لا سيما في السودان أو قطاع غزة، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية فيهما، مشيرة إلى أن التحركات المصرية تأتي في سياق حماية أمنها على الحدود، وكذلك استقرار المنطقة في ظل تحديات غير مسبوقة منذ سنوات تشهدها حدود مصر.

حراك مصري مستمر

كما شمل الحراك المصري أيضاً، تلقي عبد العاطي، يوم 21 يونيو، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، خلال مشاركته في المفاوضات الأميركية - الإيرانية بسويسرا، وباليوم ذاته، استقبل وزير خارجية مصر، كبير مستشاري ترمب، مسعد بولس، وبحثا الوضع في السودان وأهمية التوصل لهدنة فيه.

كما استضافت القاهرة اجتماعاً رباعياً ضم وزراء خارجية مصر، والسعودية الأمير فيصل بن فرحان، وتركيا هاكان فيدان، وباكستان محمد إسحاق دار، يوم 21 يونيو الحالي.

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوداني محي الدين سالم 20 يونيو (الخارجية المصرية)

وأكد الاجتماع، وفق بيان ختامي، أهمية أن تراعي الجهود الدولية الجارية للتوصل لاتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، شواغل دول المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بأمن واستقرار دول الخليج العربية ومنطقة المشرق العربي، بما يسهم في تعزيز الأمن الجماعي وترسيخ الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

وسبق ذلك الاجتماع، لقاء وزير الخارجية المصري مع نظيره السوداني محي الدين سالم، والذي شهد التأكيد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف مستدام لإطلاق النار.

ويشير غباشي إلى أن التوصل لحلول، سواء في السودان أو قطاع غزة بشكل نهائي، مرتبط بشكل كبير بإنهاء الصراع بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن جهود القاهرة ستتواصل على أمل انتزاع دفعة جديدة لحل تلك الأزمات بالمنطقة.

وتتوقع الحسيني أن تنجح تلك الاتصالات والاجتماعات التي شهدتها القاهرة في تحقيق زخم كبير لتلك الأزمات على جدول المجتمع الدولي للتعجيل في حلها.


حراك دفاعي متزايد بين مصر وتركيا مدفوعاً بالاضطرابات الإقليمية

تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)
تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)
TT

حراك دفاعي متزايد بين مصر وتركيا مدفوعاً بالاضطرابات الإقليمية

تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)
تدريب جوي بين مصر وتركيا استضافته قواعد جوية مصرية هذا الشهر (المتحدث العسكري المصري)

حالة من الحراك العسكري المتزايد بين مصر وتركيا في الفترة الأخيرة، من خلال تعدد التدريبات المشتركة بين الجيشين وتدشين «حوار عسكري» احتضنته القاهرة، بعد التوقيع على «اتفاق عسكري إطاري» قبل أربعة أشهر، وذلك على وقع التطورات الإقليمية والاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الخميس، إجراء تدريبات جوية ثلاثية مشتركة مع مصر وأذربيجان، لأول مرة في الأجواء التركية، وذلك بعد أيام من انتهاء تدريب جوي مشترك بين قوات مصرية وتركية، في حين أجرى رئيس الأركان العامة التركي سلجوق بيرقدار أوغلو محادثات مع مسؤولين مصريين في القاهرة، الخميس، حسب إعلان الجيش التركي.

ويحمل التعاون العسكري المتزايد بين القاهرة وأنقرة رسالة ردع بشكل أساسي في ظل الاضطرابات الإقليمية، وفقاً لعسكريين ومراقبين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا التعاون يأتي ضمن مسارات التقارب المصري - التركي في الفترة الأخيرة، وفي ظل التنسيق المشترك بين البلدين في عدة ملفات بالمنطقة».

وزاد التقارب المصري - التركي في السنوات الأخيرة بعد فترة من القطيعة والجمود، وعزز البلدان تعاونهما بإعلان تشكيل «مجلس التعاون الاستراتيجي»، الذي عقد اجتماعه الثاني في القاهرة في شهر فبراير (ِشباط) الماضي، خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمصر، وشهد التوقيع على اتفاقيات تعاون مشتركة، من بينها «اتفاقية عسكرية إطارية».

وبموازاة التنسيق السياسي بين القاهرة وأنقرة، عزز البلدان مجالات التعاون الدفاعي عبر عدة تدريبات مشتركة، وأعلن الجيش التركي عن تدريب جوي ثلاثي مع مصر وأذربيجان، وقالت وزارة الدفاع التركية، الخميس، إن «التدريبات التي ستستمر حتى الثالث من يوليو (تموز) المقبل، تتضمن العمل على تحسين القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات جديدة للعمليات الجوية الفنية والتكتيكية».

ويحمل التدريب الثلاثي المشترك اسم «تمرين النسر الثلاثي»، وتشارك فيه أنواع مختلفة من المقاتلات، من بينها «طائرتان من طراز (سو-25) من أذربيجان، و5 طائرات من طراز (إف-16) من مصر»، حسب وزارة الدفاع التركية.

ويأتي التدريب الثلاثي بعد أيام من انتهاء فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام ومن مختلف الطرازات، والتي استضافتها قواعد جوية مصرية في الفترة من 11 حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك من أجل «صقل مهارات القوات المشاركة، وصولاً لأعلى معدلات الكفاءة، والاستعداد لتنفيذ المهام الجوية المشتركة بكفاءة عالية تحت مختلف الظروف»، حسب المتحدث العسكري المصري.

فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي المشترك الذي اختتم أعماله قبل أيام (المتحدث العسكري المصري)

وإلى جانب التدريبات الجوية، أجرت مصر وتركيا، في سبتمبر (أيلول) 2025، مناورات «بحر الصداقة» العسكرية المشتركة في البحر المتوسط، كما ذكرت وزارة الدفاع التركية أن القوات الخاصة التركية والمصرية أجرت تدريبات مشتركة في أنقرة في الفترة بين 21 و29 أبريل (نيسان) 2025.

وتحقق التدريبات العسكرية المشتركة أكثر من هدف استراتيجي، من بينها تبادل الخبرات ورفع الكفاءة القتالية للقوات المشاركة فيها، وفقاً لرئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري ومستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء نصر سالم، الذي أكد أن «فلسفة المناورات العسكرية تستهدف صقل القوات المشاركة فيها بالخبرات المختلفة»، إلى جانب «رفع الكفاءة القتالية للمشاركين».

وأوضح سالم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «التدريبات المصرية - التركية المكثفة تبعث برسالة ردع في ضوء الاضطرابات الإقليمية»، وقال إن «هذه التدريبات تظهر قدرات وكفاءة القوات المشاركة فيها، وتُرسل إشارات إلى أن القوات المصرية أو التركية جاهزة للتعامل مع أي تهديد لأمنها ومصالحها الاستراتيجية»، وأشار إلى أن «استراتيجية الردع العسكري قائمة على أنه إذا أردت أن تمنع حرباً فاستعد لها».

وبموازاة تعدد المناورات والتدريبات، عقدت مصر وتركيا «اجتماع الحوار العسكري على مستوى الرتب العسكرية العليا، بحضور رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد فتحي خليفة، ونظيره التركي سلجوق بيرقدار أوغلو، وبمشاركة قيادات عسكرية من البلدين»، حسب إفادة لوزارة الدفاع التركية الخميس.

وتشهد العلاقات المصرية - التركية «تقارباً غير مسبوق»، وفق تقدير الباحث والمحلل السياسي المختص بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، الذي قال إن «التعاون الثنائي لا يقتصر فقط على المسارات الدبلوماسية والسياسية، وإنما يتخذ عمقاً عسكرياً ودفاعياً بشكل كبير، عكسته التدريبات المشتركة والحوار العسكري بين البلدين»، وأشار إلى أن «تكثيف التعاون الدفاعي يشير إلى تحرك القاهرة وأنقرة نحو شراكة أكبر على المستوى العسكري، في ضوء ما تشهده المنطقة من توترات واضطرابات».

ويرى أوغلو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة الدفاعية بين مصر وتركيا قائمة على المصالح المشتركة»، مشيراً إلى أن «هناك تنسيقاً بين القاهرة وأنقرة في عدد من الملفات، وتطابقاً في المواقف، مثل الوضع في ليبيا وسوريا وغزة والحرب الإيرانية»، واعتبر أن «من العوامل التي دفعت للتقارب بين البلدين اضطرابات الشرق الأوسط، خصوصاً الحرب على غزة والأزمة في الجنوب اللبناني».

مصر وتركيا نحو مزيد من التقارب العسكري على وقع اضطرابات المنطقة (المتحدث العسكري المصري)

وكثفت مصر وتركيا الاتصالات والزيارات الدبلوماسية المتبادلة في الفترة الأخيرة، لتنسيق المواقف بشأن عدد من الملفات، كان آخرها زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للقاهرة الأسبوع الماضي، حيث أجرى محادثات مشتركة مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، لبحث تطوير العلاقات الثنائية، كما شارك في اجتماع وزراء خارجية «الرباعي الإقليمي» الذي يضم وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان، لبحث التطورات الإقليمية.

ويعتقد أوغلو أن ضم دول أخرى إلى التدريبات العسكرية مع مصر وتركيا، مثل أذربيجان، «يشكل رسالة واضحة أن التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة سيتخذ أبعاداً استراتيجية وجغرافية تتجاوز حدود شرق المتوسط، وتمتد إلى إعادة تشكيل الرؤية الأمنية في الإقليم».


حق التعليم في اليمن تحت رحمة الفقر والعنف والتمييز

طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)
طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)
TT

حق التعليم في اليمن تحت رحمة الفقر والعنف والتمييز

طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)
طفلة يمنية أسهمت «يونيسف» في عودتها إلى المدرسة (الأمم المتحدة)

تبذل المنظمات الإنسانية جهوداً متزايدة لإعادة الأطفال اليمنيين إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الحرب والتدهور الاقتصادي، حيث يتعرض الحق في التعليم لانتهاكات خطيرة جراء العنف الذي يستهدف الطلاب والمعلمين، في حين يمنع الفقر العائلات من تعليم أطفالها، ويضطرها إلى الاستعانة بهم في تحقيق الدخل.

وتتواصل معاناة قطاع التعليم في اليمن وسط مخاوف من اتساع الفجوة التعليمية وحرمان المزيد من الأطفال من مستقبلهم، بالتوازي مع ظهور ممارسات تمييزية، لا علاقة لها بالتعليم، تمنع بعض الأطفال من الالتحاق بالمدارس، وسط تغييرات في التقويم الدراسي وممارسات تحرف العملية التعليمية عن أهدافها.

وفي محاولة للحد من ظاهرة التسرب المدرسي، تواصل منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (يونيسف)، وبدعم من مكتب المساعدات الإنسانية التابع للمفوضية الأوروبية، تنفيذ برنامج يهدف إلى إعادة الأطفال المعرضين لخطر الانقطاع عن التعليم إلى المدارس في مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة (غرب).

وبيّنت المنظمة أن سنوات الصراع والتدهور الاقتصادي دفعت الكثير من الأسر الفقيرة إلى اتخاذ قرارات صعبة، تمثلت في إخراج أطفالها من المدارس وإلحاقهم بسوق العمل للمساعدة في توفير دخل للأسرة.

ويواجه كثير من الأطفال اليمنيين، خصوصاً في المناطق الريفية، خطر التسرب النهائي من التعليم نتيجة انخراطهم في أعمال شاقة أو العمل في الحقول؛ ما يحرمهم من طفولتهم، ويضع على عاتقهم مسؤوليات تفوق أعمارهم.

ويعتمد المشروع على التواصل المباشر مع الأسر عبر التوعية والإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي؛ بهدف تعزيز الوعي بأهمية التعليم، وتشجيع الأسر على إبقاء أطفالها في المدارس، مركزاً على معالجة الأسباب الجذرية للتسرب المدرسي من خلال إدارة الحالات الفردية، وتقديم المساعدات الطارئة والدعم النفسي للأطفال الأكثر عرضة للخطر.

ووفقاً للمنظمة الأممية، سيساعد البرنامج 360 طفلاً يواجهون مخاطر مرتفعة على الاستمرار في التعليم، كما يوفر أنشطة للدعم النفسي والتوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة داخل المدارس.

يمنية تعمل اختصاصية اجتماعية في برنامج تابع لـ«يونيسف» (الأمم المتحدة)

إلا أن المشروع يستهدف، بصورة أوسع، أكثر من 10 آلاف طفل في مدينة الخوخة من خلال التعليم التعويضي، وفرص التعلم البديلة، وأنشطة العودة إلى المدرسة، وإعادة تأهيل المدارس، وتدريب المعلمين، وتوزيع المستلزمات الدراسية.

التعليم تحت الهجمات

إلى جانب الفقر والنزوح، تصطدم العودة للمدارس بمخاطر استمرار تعرض المؤسسات التعليمية والكوادر التربوية والطلاب لمخاطر العنف والنزاع المسلح.

ففي غضون ذلك، كشف تقرير حديث أصدره التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات (GCPEA) عن أن اليمن لا يزال من بين أكثر دول العالم تضرراً من الهجمات التي تستهدف قطاع التعليم.

أطفال في مدرسة تضررت بسبب المواجهات المسلحة في تعز (أ.ف.ب)

وصنَّف التقرير، المعنون بـ«التعليم تحت الهجوم 2026»، اليمن ضمن الدول المتأثرة بشدة نتيجة الاعتداءات على المدارس والجامعات والعاملين في القطاع التعليمي.

ورصد التقرير نحو 283 هجمة استهدفت منشآت تعليمية أو شهدت استخدام المدارس لأغراض عسكرية خلال العامين الماضيين، موضحاً أن اليمن برز إلى جانب ميانمار ونيجيريا والكاميرون ضمن الدول الأعلى تسجيلاً لأعداد الضحايا من الطلاب والعاملين في المجال التعليمي.

وأكد التقرير الدولي أن الهجمات المتكررة على المدارس واستخدامها لأغراض عسكرية من قِبل أطراف النزاع أسهما في تعطيل العملية التعليمية، ورفع مستوى المخاطر التي يتعرض لها الأطفال والمعلمون.

كما حذَّر معدو التقرير من التهديدات الإضافية التي تواجهها الفتيات، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي واستهداف مدارس البنات، منوهين إلى أن التعليم في اليمن تحول في كثير من الأحيان ساحة مواجهة بدلاً من أن يكون مساحة آمنة للتعلم.

وإلى جانب العنف والفقر، برزت، أخيراً، ممارسات حديثة من التمييز والإقصاء تمثل تحدياً آخر لا يقل خطورة على حق الأطفال في التعليم.

التمييز بسبب الاسم

أثار قرار صادر عن مديرة مدرسة موالية للجماعة الحوثية بحرمان طفلة من الالتحاق بإحدى مدارس محافظة المحويت بسبب اسمها موجة واسعة من الغضب والاستنكار الحقوقي، وسط اتهامات للجماعة بممارسة التمييز والتدخل في الحقوق الشخصية للأسر.

وكشفت فاطمة المحيا، وهي مديرة مدرسة ومؤسسة خيرية، وتعرف نفسها بـ«رئيسة اتحاد نساء اليمن بمديرية بني سعد» في المحافظة، عن أنها أبلغت أحد الآباء برفضها قبول تسجيل طفلتها بسبب اسمها الذي قالت إنه غير عربي، مشترطة عليه تغييره، وهو ما رفضه الأب.

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول الحادثة، ففي حين استنكر غالبية رواد مواقع التواصل الاجتماعي والناشطين الحقوقيين والاجتماعيين، تصرف المحيا بصفته انتهاكاً لحق الطفل في التعليم باسمه أو الخلفية الثقافية التي ينتمي إليها اسمه؛ ساند ناشطون موالون للجماعة الحوثية قرار مديرة المدرسة.

طلاب مدرسة في ريف صنعاء تفتقر للخدمات والمرافق الأساسية (الأمم المتحدة)

ويقول المدافعون عن حق الطفلة التي تدعى «براتشي»، إن قرار مديرة المدرسة يعكس توجهاً إقصائياً يتعارض مع المبادئ الأساسية للتعليم وحقوق الإنسان، ويحاول تحويل المؤسسات التعليمية من فضاءات للتعلم والمعرفة إلى أدوات للرقابة والتمييز الاجتماعي، وإن اختيار الأسماء يظل حقاً شخصياً تكفله القوانين والأعراف الاجتماعية.

غير أن الموالين للجماعة الحوثية دعموا قرار المديرة، وعدّوا رفضها قبول تسجيل الطفلة في المدرسة تمسكاً بالقيم الدينية والاجتماعية، داعين إلى إنشاء قوائم بالأسماء التي وصفوها بالدخيلة على المجتمع ودينه وعاداته.

واستغرب ناشطون من إقدام الحوثيين على تغيير مضمون المناهج الدراسية وأسماء المدارس التي كانت ذات دلالات وطنية وعربية وإسلامية عامة إلى أسماء لشخصيات ورموز مذهبية أو تابعة لما يسمى «محور الممانعة» بقيادة إيران.