قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

اصطفاف إلى جانب فرنسا ضد الدور التركي

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا
TT

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

قيس سعيد يطرح من باريس موقف تونس من أزمة ليبيا

بعد 8 أشهر من دخول قيس سعيد قصر قرطاج الرئاسي، زار الرئيس التونسي العاصمة الفرنسية باريس على رأس وفد رسمي، فكرس تقليدا اتبعه أسلافه الذين جعلوا باريس وجهتهم الأولى في تحركاتهم الدولية، بعد زيارة رمزية إلى «الجارة» الجزائر وتبادل المبعوثين والرسائل مع القادة العرب وبقية زعماء العالم. وطرحت الزيارة عدة تساؤلات، أبرزها:
هل هي مؤشر لمصالحة سعيد مع فرنسا والعواصم الغربية التي انتقدته منذ انتخابات الخريف الماضي واتهمته حينا بـ«التعاطف مع التطرف الديني» وحينا آخر بـ«التشدد السياسي» بسبب بعض تصريحاته التي اتهم فيها كل من يتعامل مع إسرائيل بـ«الخيانة الوطنية»؟ وهل حصل سعيد على دعم اقتصادي وسياسي قوي لحكمه ولتونس ومصالحها في ليبيا بعد قمته الأولى مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أم ستتسبب له هذه القمة وتصريحاته في باريس في متاعب داخلية وخارجية جديدة، بعدما اتهمه معارضوه بـ«إلحاق أذى بمصالح ملايين التونسيين في غرب ليبيا»، والانخراط في «لعبة محاور دولية» بالوقوف مع فرنسا وروسيا ضد الولايات المتحدة وإيطاليا وتركيا و«حكومة الوفاق» الليبية برئاسة فايز السراج؟ وهل ستساهم هذه القمة الأولى بين ماكرون وسعيد في دفع السياسة الخارجية التونسية نحو انخراط أكبر في جهود التسوية في ليبيا ضمن حلف استراتيجي إقليمي جديد ترعاه فرنسا، ويشمل كذلك الجزائر ومصر والمغرب؟
تباينت ردود الفعل على نتائج القمة الأولى بين الرئيسين التونسي قيس سعيد ومستضيفه الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس وتصريحاتهما عن ليبيا وعن الحقبة الاستعمارية بين مرحب ومعارض. إذ نوه وزيرا المالية نزار يعيش والخارجية نور الدين الري، اللذان رافقا سعيد في زيارته، بالنتائج الاقتصادية، وبينها تقديم قرض فرنسي جديد لتونس قيمته 350 مليون يورو، أي حوالي 400 مليون دولار أميركي.
كذلك نوه الخبير التونسي في السياسة الدولية فرج معتوق باتفاق الوفدين التونسي والفرنسي على «ترفيع نسق الشراكة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية بين البلدين، بما في ذلك عبر إحداث خط حديدي سريع من نوع تي جي في الفرنسي من المقرر أن يربط أقصى شمال تونس بجنوبها، على غرار الخط الذي أنجزته مؤسسات فرنسية في المغرب للربط بين مدينتي طنجة شمالاً والدار البيضاء في وسط البلاد.

اتفاقيات قديمة
إلا أن بعض السياسيين والخبراء الاقتصاديين والماليين في تونس، مثل الأكاديمية جنات بن عبد الله، قللوا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» من أهمية هذه الاتفاقات، واستدلوا بكون «الرئيس الفرنسي ماكرون أكد بوضوح في مؤتمره الصحافي المشترك مع سعيد في قصر الإليزيه أن القرض الفرنسي الجديد يمثل قسطا جديدا من قرض مدته 5 سنوات اتفقت عليه سلطات البلدين منذ 2017. قيمته حوالي مليار و700 مليون يورو، أي حوالي ملياري دولار أميركي.
أيضا، انتقد رضا الشكندالي، المدير العام السابق لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية «سيريس»- في تصرح لـ«الشرق الأوسط» عدم «تقديم فرنسا أي دعم مالي جديد لتونس التي تمر بصعوبات هيكلية، وأخرى ظرفية، ومن المقرر أن تسجل لأول مرة نسبة نمو سلبية هذا العام بحوالي 7 نقاط»، وانتقد «الترويج لاتفاقيات قديمة مُبرمة في 2017 وكأنها مبادرة جديدة».
كذلك قلل عز الدين السعيدان، المدير العام السابق لعدد من البنوك التونسية والعربية في تونس، من أهمية هذا المبلغ وغيره من «القروض الميسرة» التي تحصل عليها تونس من فرنسا والبلدان الأوروبية «مقارنة بحاجياتها المالية المتزايدة وعجزها عن تسديد ديونها التي أصبحت لأول مرة في تاريخها تتراوح بين 60 و90 في المائة من الناتج الخام». لكن الخبير الاقتصادي والناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس» سجل أن فرنسا وأغلب دول الاتحاد الأوروبي ذاتها تمر بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة يرجح أن تتسبب في انخفاض ناتجها الخام بحوالي 12 نقطة مئوية.
من جهته، اتهم الخبير الاقتصادي جمال العويديدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» فرنسا والمشرفين على الإحصائيات الاقتصادية والتجارية في تونس بـ«المغالطة» و«التلاعب» عندما تحتسب صادرات الشركات الفرنسية والأوروبية المتمركزة في تونس ضمن «الصادرات التونسية» بينما يتعلق الأمر بمؤسسات لا تتجاوز مساهمة رأس المال التونسي فيها الـ30 في المائة وتتمتع بإعفاءات كبيرة من الضرائب والرسوم الجمركية. إلا أن الإعلامي والخبير الاقتصادي توفيق الحبيب سجل أن حصول تونس على القسط الجديد من القرض المبرم في 2017 «مهم في حدا ذاته»، وما كان ليتحقق لولا زيارة الرئيس سعيد والوفد المرافق له إلى باريس.

إفساد زيارة الرئيس
لكن الأهم في القمة التونسية - الفرنسية الأولى لم يكن اقتصاديا بل كان سياسيا ودبلوماسيا، على حد تعبير ساسة بارزين من خصوم حزب «حركة النهضة»، مثل رئيس «كتلة الإصلاح» في البرلمان التونسي حسونة الناصفي، الذي نوه بتصريحات سعيد التي عارضت التدخل التركي في ليبيا، واعتبر فيها أن «شرعية حكومة طرابلس مؤقتة وتحتاج إلى تحسين عبر تنظيم انتخابات جديدة».
وفي الاتجاه نفسه، اتهم المحامي والبرلماني المثير للجدل هيكل المكي، القيادي في حزب الشعب القومي العروبي، قيادات «حركة النهضة» بـ«محاولة إفساد زيارة الرئيس إلى فرنسا»، وبالوقوف وراء مجموعة الشباب الذين تجمعوا بالقرب من مبنى تابع للسفارة التونسية في باريس، ورفعوا شعارات سياسية ضد الرئيس سعيد حملته مسؤولية قمع الشباب العاطل عن العمل المتظاهر في مدينة تطاوين بأقصى الجنوب التونسي. ولقد نفى الناطق الرسمي باسم «النهضة» خليل البرعومي هذه التهمة، وأورد أن قيادة حركته «تحترم مقام رئيس الدولة»، واستدل على ذلك بـ«مشاركة رئيسي البرلمان راشد الغنوشي والحكومة إلياس الفخفاخ في الاحتفال الرسمي الذي نظمه الرئيس سعيد في ثكنة عسكرية بعد يوم واحد من عودته من باريس بمناسبة إحياء ذكرى تونسة الجيش الوطني».
لكن الناطق باسم «النهضة» ورفاقه انتقدوا التصريحات التي أدلى بها الرئيس التونسي في فرنسا والتي «ناقشت الخلافات التونسية - التونسية خارج أرض الوطن»، وتلك التي ووجهت انتقادات لرئيس البرلمان راشد الغنوشي بسبب المكالمة التي أجراها مع رئيس «حكومة الوفاق» الليبية فايز السراج بعد تقدمها على قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر.

تصدع الجبهة المساندة للرئيس
على صعيد متصل، كان من أبرز النتائج المباشرة لزيارة قيس سعيد إلى فرنسا وتصريحاته فيها تصدع الجبهة التي ساندته منذ حملته الانتخابية ضد منافسه رجل الأعمال الليبيرالي نبيل القروي. وكذلك تصدعت «جبهة الحداثيين واليساريين» التي دعمت القروي في انتخابات 13 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وانحاز كثير منهم إلى الرئيس سعيد بهدف مزيد من تشجيعه على الابتعاد عن «حركة النهضة» وحلفائها و«الإخوان».
وحقاً، توشك مواقف سعيد في باريس وردود الفعل عليها في تونس وليبيا أن تخلط الأوراق بقوة في المشهد السياسي التونسي، وفي علاقات الساسة بالملف الليبي والأطراف الدولية المتدخلة فيه. وهذا يشمل قيادة القوات الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، التي عقدت أخيراً مباحثات سياسية عسكرية رفيعة المستوى في تونس وفي مدينة زوارة الليبية، التي تبعد حوالي 50 كلم فقط عن الحدود التونسية - الليبية في رأس الجدير. كذلك، تزامنت هذه التحركات السياسية بترفيع نسق التحركات العسكرية العلني بحراً وجواً من قبل قطع بحرية ومقاتلات فرنسية وتركية في خليج قابس التونسي على مسافة 100 كلم شمالي الحدود البحرية الليبية التونسية، وبالقرب من الموانئ الليبية. وفي الوقت نفسه، ساهم كشفت مصادر فرنسية وأخرى تركية عن جوانب من «المواجهة الباردة» بين القطع البجرية الفرنسية والتركية... بوادر تصعيد وخلط للأوراق في تونس وليبيا.

التنافس الفرنسي ـ الأميركي
من جهة أخرى، انطلقت «حرب باردة» عبر وسائل الإعلام الرسمية والاجتماعية بين أنصار التقارب مع فرنسا الذين يعارضون الدور التركي وتقارب أنقرة مع روما في ليبيا. ولقد أثارت تصريحات قيس سعيد في باريس حملات دعائية عنيفة ضده وأخرى مناصرة له في وسائل الإعلام الرسمية والاجتماعية. وكانت المفاجأة سرعة تخلي معظم رموز التيارات العروبية الإسلامية الذين وقفوا إلى جانب سعيد خلال الأشهر الماضية عن «الرئيس النظيف والوطني»، واتهامهم إياه بـ«خيانة الوطنيين الذين حاربوا الاحتلال الفرنسي»، وذلك لوصفه السنوات الـ75 سنة من الاستعمار بـ«الحماية» بدلاً من «الاحتلال»، ورفضه الضغوط التي بدأ يطلقها برلمانيون وسياسيون تونسيون على باريس لمطالبتها بالاعتذار والتعويض عن الخسائر التي ألحقتها بالمستعمرات الأفريقية والعربية السابقة، وبينها تونس.
وفي هذا النطاق توجه سيف الدين مخلوف، المرشح للدور الأول للانتخابات الرئاسية ورئيس كتلة «ائتلاف الكرامة» في البرلمان التونسي بانتقادات حادة إلى سعيد ورماه بـ«خذلان من دعموه» بقوة ضد منافسه في الدور الثاني للانتخابات نبيل القروي. أيضاً، اتهمه بخذلان الوطنيين الذين حاربوا الاستعمار من خلال «الخلط بين المفاهيم» وتبني مصطلحات «المستعمر» التي تعتبر أن الاحتلال الفرنسي لتونس ما بين 1881 و1956 كان لـ«حماية» البلاد، وأن «الجرائم الاستعمارية» كانت مجرد «معارك مع الإرهابيين» ما يجعل من الشهداء الوطنيين مجرد «ضحايا». كذلك انتقد البرلماني عن «الكرامة» الكاتب عبد اللطيف العلوي رفض الرئيس التونسي مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائمها في مرحلة احتلالها المباشر للبلاد. ثم إنه، على الرغم البلاغات الرسمية الصادرة عن «النهضة» التي تؤكد على «احترام مقام رئيس الجمهورية» انطلقت المواقع القريبة منها في حملة دعائية ضد الرئيس التونسي بسبب موقفه من ليبيا.
وفي المقابل، اصطف قطاع كبير من خصومهم ضد «النهضة» وحلفائه ودعموا مواقف سعيد المعارضة لما وصفوه «الاحتلال التركي العثماني الجديد لليبيا»، وانخرط قياديون من نقابات العمال والأحزاب العلمانية في التشهير بانتقادات زعماء بعض المحسوبين على «الإسلام السياسي» للرئيس سعيد، وكان بين من شملتهم الانتقادات سيف الدين مخلوف.

الحرب في ليبيا... والمعارك في تونس
ختاماً، حذرت مواقع كثيرة مقربة من الرئيس سعيد ومن توظيف نتائج زيارة الرئيس إلى فرنسا وتصريحاته للتهجم على «رموز الدولة» ومن تورط بعض الساسة مباشرة أو غير مباشرة في لعبة المحاور الدولية في ليبيا. وخرج بعض كبار المسؤولين العسكريين السابقين، منهم المدير العام السابق للأمن العسكري أمير اللواء محمد المؤدب، عن صمتهم... ودعوا كل الأطراف في تونس إلى الحياد، محذرين من «سيناريو» عودة التصعيد العسكري والأمني في ليبيا لسنوات. وكذلك شدد عدد من كبار السياسيين، بينهم عدد من وزراء الخارجية السابقين مثل الحبيب بن يحيى وأحمد ونيس والمنجي الحامدي وخميس الجهيناوي، على ضرورة تمسك الدبلوماسية التونسية بثوابتها وفي صميمها «الحياد الإيجابي وتحاشي التدخل في الشؤون الداخلية للدول» كي لا تجد تونس الصغيرة نفسها يوما في وضع أكثر تعقيدا... فتغدو الحرب في ليبيا والمعارك في تونس.

ورقة التاريخ والجغرافيا سلاح سياسي في تونس
> فجر الجدل بمناسبة زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى فرنسا وامتناع البرلمان التونسي عن المصادقة على مشروع لائحة تطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية جدلا بين المثقفين والمؤرخين والسياسيين التونسيين.
إذ شكك بعض كبار المؤرخين والأكاديميين، مثل محمد ضيف الله، في العمق المعرفي لرئيس الدولة وفي ثقافته التاريخية وفي استيعابه للعلوم الخارجة عن سياق تخصصه في القانون الدستوري. وانتقد هؤلاء التعامل من موقعه كخبير قانوني مع ظاهرة الاحتلال، عندما وصف احتلال تونس بكونه كان «حماية». وهذه هي التسمية التي أطلقتها سلطات فرنسا الاستعمارية على احتلال تونس خلال الفترة بين عامي 1881 و1956. والمغرب الأقصى ما بين 1912 و1956، وميزت بين وضعيتها القانونية وشكل احتلالها للجزائر ما بين 1830 و1963. والتي كانت تصفها بـ«الجزائر الفرنسية»... ولذا، رفضت المصادقة على الاعتراف باستقلالها في الخمسينات من القرن الماضي رغم سقوط عشرات آلاف الشهداء والضحايا.
محمد ضيف الله قال شارحاً رداً على تصريحات الرئيس سعيد «حتى لو تمسكنا بالتسمية القانونية لاتفاقية الحماية المفروضة في 12 مايو (أيار) 1881. فإنها لم تكن إلا خطوة أولى، عقبتها اتفاقية المرسى المفروضة أيضا في 8 يونيو (حزيران) 1883 التي أصبحت فرنسا بموجبها تتحكم في كل شيء في تونس، بشرا وثروات». وتابع «يبدو أن قيس سعيد لم يقرأ تاريخ تونس. وواضح أيضاً أن التخصص في القانون والاشتغال بالسياسة كلاهما يتطلب حدا أدنى من معرفة العلوم الإنسانية والاجتماعية ومن بينها التاريخ».

في المقابل دعا المؤرخ الحبيب القزدغلي، العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة منوبة (غربي العاصمة تونس)، في مقال مشترك مع المؤرخة والأستاذة في جامعة تولوز الفرنسية كوليت زيت نيكي إلى «أبعاد السياسة عن دراسة التاريخ والعلوم الإنسانية» ورفض «توظيفهما في المعارك السياسية والبرلمانية». وتوجها بنداءات إلى المؤرخين التونسيين والفرنسيين وزملائهم في المنطقة ناشدوهم فيها إجراء أبحاث علمية تاريخية مشتركة عن الحقبة الاستعمارية بعيداً عن كل أشكال الانتقاء والإقصاء والتوظيف.
من جهة أخرى، أورد المؤرخ خليفة شاطر، المدير العام السابق للمكتبة الوطنية التونسية والعميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة تونس، أنه شارك منذ 1982 مع مجموعة من الجامعيين والساسة التونسيين والفرنسيين في نقل نسخ من الأرشيف السري العائد لعهد الاستعمار الفرنسي لتونس، وقال بأنه «موضوع على ذمة الباحثين والجامعيين منذ حوالي 40 سنة ولا داعي في نظره لمزايدات السياسيين». وتوقف سعيد بحيرة، المؤرخ الأكاديمي والكاتب العام السابق لوزارة الخارجية التونسية، عند الخلافات حول قراءة التاريخ المعاصر للمستعمرات الفرنسية والبريطانية في المنطقتين العربية والأفريقية ودعا إلى تناولها بحكمة ومنهجية علمية بعيدا عن الاعتبارات السياسية الظرفية. وسجل في مقال نشره بمناسبة زيارة سعيد الأولى إلى فرنسا أن الرئيس التونسي الجديد «يختلف عن الرؤساء السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي والمنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي الذين تخرجوا من مدارس فرنسا وجامعاتها». وأردف «قيس سعيد أصيل منطقة الوطن القبلي (70 كلم شمالي شرقي العاصمة تونس) التي شهدت أعنف الحملات القمعية استعمارية في بداية 1952… ومنها موطنه منطقة بني خيار التي احتلها الجنود الفرنسيون ثلاثة أيام من 29 يناير (كانون الثاني) إلى فاتح فبراير (شباط) 1952 وجرى نسف المنازل وتعذيب السكان وترويعهم وقتل أحد المقاومين وتغريم الأهالي بمائة ألف فرنك...».
وعقب بحيرة قائلاً «... وقيس سعيد متدين على الطريقة التونسية التي تربط بين الدين والسياسة... ويرى فيه عدد كبير من الشباب مثالا للقائد الوطني النزيه الذي يحمل جينات الوطنية التونسية... فهو يحترم رموزها وذكرياتها، وهو قريب من نقاباتها والمنظمات التي لعبت دوراً في تاريخ تونس في مرحلتي الكفاح ضد الاستعمار وبناء الدولة الحديثة، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة وعمادة المحامين واتحاد المرأة...».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.