عقيلة صالح... «رهان القبيلة» وقاضي السياسة

كثيرون يرون أمامه فرصة للم شمل ليبيا

عقيلة صالح... «رهان القبيلة» وقاضي السياسة
TT

عقيلة صالح... «رهان القبيلة» وقاضي السياسة

عقيلة صالح... «رهان القبيلة» وقاضي السياسة

يندُر أن تجد اسم المستشار عقيلة صالح في المواقف الباهتة، إذ إنه يظهر عادة - كما يراه أنصاره - في الظروف شديدة الخصوصية التي تحتاج إلى حسم، غير آبهٍ بما مضى من خسائر، كل ما يهمه فقط استعادة سفينة الليبيين التي جرفتها «تيارات الكراهية»، وتقاذفتها أنواء الحرب.
صالح، المنتمي لمدينة القبة، بشمال شرقي ليبيا، ظل شخصية مغمورة، إلى أن جاءت به «انتفاضة 17 فبراير (شباط)» عام 2011 عضواً في اللجنة القضائية التي شكلها «المجلس الانتقالي المؤقت» للتحقيق في قضايا فساد عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، واندمج بعد ذلك في انتخابات برلمانية، ليصبح رئيساً لأول مجلس نواب منتخب.
وقُبيل أن تطوي السنوات التسع دفاترها، صار القاضي ابن قبيلة العبيدات ورهانها الذي ارتبط اسمه بغالبية المنعطفات السياسية التي مرت على ليبيا، رقماً مهماً. وبات يعوَّل عليه راهناً داخلياً وخارجياً لحل معضلة بلده، ولعب دور أكبر في قادم الأيام، مُعَزَّزاً بما يطرحه من مبادرات، وأفكار للحل، بكيفية انتزاعها من قبضة المجهول.
عقيلة صالح، القاضي السبعيني، يلخص رؤيته إزاء حل الأزمة الليبية الراهنة بـ«ضرورة إسقاط اتفاق الصخيرات، وطرد الميليشيات المسلحة، ووقف التدخلات الخارجية، والبدء في انتخاب مجلس رئاسي جديد على قواعد جديدة».

خبرة قضائية
يمتلك عقيلة صالح عيسى العبيدي، المولود في منتصف أربعينات القرن الماضي، خبرة قضائية قاربت نصف قرن، بموازاة سنوات انخراطه في السياسة. وهي - وإن رآها البعض محدودة - تعمقت على أثر حراك عمَّ مدن ليبيا، وكانت القبة واحدة منها.
لقد نضجت شخصية عقيلة صالح الذي تدرَّج عقب حصوله على ليسانس القانون العام من جامعة بنغازي عام 1970، بالعمل في وزارة العدل والسلك القضائي، قبل أن يصبح عام 1999 رئيساً لفرع إدارة التفتيش القضائي في محكمة استئناف درنة.
في تلك الأثناء، كان الاتجاه للعمل السياسي عقب رحيل القذافي محموماً، بعد 40 سنة وأكثر من تجريم العمل به. ورغم تأكيد صالح أنه لا ينتمي إلى أي تيار سياسي، فإنه اتجه هو وغيره لخوض أول انتخابات برلمانية تشهدها ليبيا، بعد انقضاء ولاية «المؤتمر الوطني العام» الذي كان يترأسه نوري أبو سهمين، بهيمنة كبيرة للإسلاميين.
ونجح عقيلة صالح في الانتخابات البرلمانية، وأصبح نائباً عن مدينة القبة؛ ليصار بعدها إلى انتخابه رئيساً للمجلس في اقتراع داخلي، بعد فوزه على منافسه الدكتور أبو بكر بعيرة، النائب عن مدينة بنغازي.

شريك الحرب
ومع انعقاد أولى جلسات مجلس النواب الجديد في مدينة طبرق (1500 كيلومتر شرق ليبيا) كانت أعمال العنف تتصاعد بين الميليشيات المتناحرة بالعاصمة وفي بنغازي، في ظل خلافات بين التيارين الإسلامي والوطني، بينما كانت قد انطلقت «عملية الكرامة» بقيادة (اللواء) خليفة حفتر، في السادس عشر من مايو (أيار) 2014؛ للتصدي لما يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي»، وتقوده جماعة «أنصار الشريعة»، المصنفة كمنظمة إرهابية. حينئذٍ بدأ صالح، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يمتلك صلاحيات رئيس البلاد، توفير الدعم السياسي للعملية التي استهدفت «تطهير» شرق ليبيا من الجماعات الإرهابية. وامتداداً لذلك أعاد البرلمان حفتر إلى الخدمة العسكرية مع 129 ضابطاً متقاعداً آخرين، قبل أن يؤدي في التاسع من مارس (آذار) من عام 2015 اليمين قائداً عاماً لـ«الجيش الوطني الليبي» بعدما منحه البرلمان رتبة إضافية، ورقَّاه إلى «فريق أول».
وبعد أقل من عام ونصف عام، رقى رئيس مجلس البرلمان حفتر إلى رتبة مشير، غداة سيطرة القوات التي يقودها على موانئ الهلال النفطي (رأس لانوف والسدرة والزويتينة) في المنطقة الواقعة بين بنغازي وسرت، ونجاحها في دحر قوات إبراهيم الجضران من دون قتال.
هنا بدأ نجم حفتر يبزغ، وبجواره صالح الذي منح الشرعية لقواته (الجيش الوطني) للدفاع عن موارد البلاد النفطية، وصد تغول الجماعات الأصولية التي رأت في ليبيا معقلاً لنشاطها بعد تفككها أمنياً.
وظل صالح ومجلسه سنداً لـ«عملية الكرامة» في حروبها ضد المجموعات المسلحة و«الجماعات الإرهابية» في مدن الشرق الليبي، إلى أن أعلن حفتر «تحريرها» مطلع يوليو (تموز) عام 2017، ومن ثم تحرك باتجاه مدينة درنة، ومنها إلى المعركة الآنية التي أمر بشنها على العاصمة، تحت نداء «لبيك طرابلس» لـ«تحريرها» - وفق قوله - من «الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة».
على مدار سبع سنوات من حروب «الجيش الوطني»، ظل رئيس مجلس النواب يرقُب الموقف، ويزن الأمور، بصفته القائد الأعلى الشريك في الحرب، والرافض للقرارات غير المحسوبة التي قد تنتهي بهزيمة. وهو يستغرب ويتساءل بلسان الحال: كيف لقوات أوشكت على إنهاء مهماتها أن تتقهقر، لتصير أبعد مما كانت عليه بستين كيلومتراً أو يزيد؟
هنا، وبحكمة القاضي الأريب، التجأ سريعاً إلى التفاوض، غير آبهٍ بما مضى من خسائر، مهموماً - كما يراه مؤيدوه - بإنقاذ ليبيا من «مخاطر التقسيم»، وعاملاً على «لم شملها». فهو يرى أن أزمتها يمكن تداركها على طاولة السياسة، بعيداً عن تدمير ما تبقى منها في ميدان الحرب.

برلمان مصر
مبكراً، وأمام جمود عسكري لم يمنع سفك مزيد من الدماء، رسم عقيلة صالح لنفسه خطاً موازياً لـ«حرب طرابلس»، سار فيه بهدوء. فالرجل - مع أنه كان يؤيد حتميتها - لم يكن راضياً عن مجرياتها تمام الرضى؛ خصوصاً مع انفتاح ميادينها على أطراف خارجية، وتحولها إلى حرب بالوكالة. لذا سارع إلى القاهرة في مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، وهناك، بعدما أطلع المسؤولين المصريين على طبيعة الأمور المتكلسة، اعتلى منصة مجلس النواب مجاوراً رئيسه الدكتور علي عبد العال، وقال إن ليبيا قد تضطر إلى دعوة القوات المسلحة المصرية للتدخل إذا حصل تدخل أجنبي.
قبل ذلك بقرابة 40 يوماً، كانت أنقرة قد وقَّعت مع «المجلس الرئاسي» مذكرتي تفاهم بشأن الحدود البحرية، والتعاون الأمني، لتدخل بثقلها العسكري لتقلب موازين الحرب لحساب شريكتها المستقبلية: «حكومة الوفاق»، محاولةً ضرب رصيد «الجيش الوطني» الذي سبق وأعلن غير مرة أنه بات على مقربة من قلب العاصمة.
هنا استشعر صالح خطراً جديداً؛ خصوصاً مع تدفق أفواج المقاتلين الأجانب على طرابلس، فاتجه إلى طرح مبادرة أولية من 12 بنداً في 20 فبراير الماضي، شكَّلت في مجملها «ثوابت وطنية». وهي تتمحور حول تفكيك الميليشيات المسلحة، وإخراج المرتزقة السوريين من غرب ليبيا؛ إلا أن ما ذهب إليه صالح لم يجد صدى لدى سلطات طرابلس، ومضت الحرب على طرابلس شهوراً جديدة.

ما قبل التفويض
الحاصل الآن أن ما كان يجري في العلن اتضح أنه مغاير تماماً لما كان يحدث في الكواليس، فصالح الذي يُنظَر إليه على أنه شريك المرحلة وحليف حفتر الوثيق، اعترته حالة من التململ والضيق، (عبَّر عنها لاحقاً لمقربيه) عندما شعر بأن الأمور تكاد تفلت من قبضة «المشير». وهكذا، بدأ في اتخاذ خطوات استباقية لوقف استنزاف الجهود، وقطع الطريق على كارثة قد تتحقق ما لم يمكن تداركها. في هذه اللحظة أدرك صالح - المستند إلى دعم قبائلي عريض - ضرورة استعادة المركب من عرض البحر، بعدما تقاذفتها «أنواء الحرب».
وبالفعل، مع حلول شهر رمضان، تحدث صالح في كلمة مصوَّرة، عن طرح مبادرة سياسية جديدة من ثماني نقاط، تتضمن بعض بنود مبادرته السابقة، وتهدف إلى إعادة انتخاب «المجلس الرئاسي» المنبثق عن «اتفاق الصخيرات»، بما يمثل أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان)، وإعادة كتابة الدستور. وفيها، لأول مرة، يقول صالح إنه مستعد «لتقديم المشورة المخلصة والصادقة مع الشخصيات الوطنية والنخب السياسية، للوصول إلى العناصر القادرة على تجاوز وحل مشكلات وقضايا هذا الوطن». ولكن، لم تمضِ ساعات حتى حل المساء، وجاء معه بحفتر ليطلب من الليبيين تفويضاً للمؤسسة التي يرونها أهلاً لقيادة المرحلة المقبلة وإدارة شؤون البلاد، وهي الخطوة التي بدأ من عندها «شريكا الحرب» في السير بخطين متقاطعين.
وتوالت التكهنات حول وجود خلافات، وتصاعدت الأنباء عن انقسامات داخل البرلمان بين فريقي حفتر وصالح. وعزز من ذلك صعود أسهم الأخير على المستوى الإقليمي والدولي، وذهاب البعض إلى القول إنه هو البديل القادم المؤهل للعب دور توافقي بين أبناء شعبه؛ لكن «خصومه» يردون متندِّرين: «أي مستقبل سياسي يُنتظر من طاعن في السن، ساهم في تدمير العاصمة»؟!

حديث القبيلة
على الرغم من ذلك، لم ينسَ عقيلة صالح أنه القائد الأعلى، وأنه هو من رقَّى حفتر وصعَّده إلى رتبة مشير، وذلك عندما جلس أرضاً وسط حشد كبير من مشايخ وأعيان العبيدات، قبيلته الكبيرة، بمدينة القبة، يُطلعهم على خطورة الأوضاع في العاصمة، وأن الأمور «على شفير الهاوية»...
في تلك المرحلة كانت الأطراف الدولية تطالب حفتر بالقبول بـ«هدنة إنسانية»، بينما كانت إمداداته العسكرية المتجهة إلى ترهونة (90 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس) تتعرض للقصف على أيدي قوات «حكومة الوفاق».
غير أن صالح قرأ المتغيرات الطارئة سريعاً، وكشف جانباً من خفايا ما يجري على الأرض، عبر شريط فيديو «مسرب»، قال فيه إن «الروس طلبوا من (خليفة) الموافقة على هدنة إنسانية؛ لأن الأوضاع على الأرض صعبة، ودخول العاصمة شبه مستحيل».
وحمل شريط الفيديو الذي يرى «خبثاء» أن مقربين من رئيس البرلمان سمحوا بتسريبه، إشارات عدة، أبرزها: التجاء صالح إلى قبيلته والفضفضة مع مشايخها بكل أريحية عن سياسات عليا، وأسرار حربية تخص مرحلة فارقة من تاريخ ليبيا، فضلاً عن تهكمه على طلب حفتر التفويض، بقوله: «كان يجب طلب التفويض في شيء يملكه»!
كل ذلك عزز من صدقية أقاويل فك الارتباط بين الرجلين. وبالتالي، لم تفلح زيارة أبو القاسم - نجل حفتر - إلى مدينة القبة للقاء صالح، في إزالة حالة الاحتقان التي اعترت العلاقة مع أبيه.
امتداداً لذلك، أظهر صالح نشاطاً غير معهود، فاتجه إلى تسويق مبادرته داخلياً بلقاء عديد من ممثلي القبائل، فضلاً عن التجمعات الشبابية التي جالسها بشرق البلاد، قبل أن ينتقل بها خارجياً، بالتواصل هاتفياً مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وزيارة للقاهرة مرتين في فترة وجيزة.
ومع ظهور صالح مجاوراً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مطلع يونيو (حزيران) الجاري، خلال «إعلان القاهرة»، قرأ ليبيون هذه التراتبية في المشهد على أن مصر قد ترى في صالح المفاوض الأول لشرق البلاد؛ وخصوصاً اعتماد الإعلان على جل بنود مبادرته السياسية، غير أن ثمة مَن يرى أن ذلك جاء وفق بروتوكول يقتضي أن رئيس البرلمان القائد الأعلى يجاور رئيس الجمهورية في هذه الحالة.
ويمضي صالح الذي يحرص على ارتداء «الشنة» بلونيها الأحمر والأسود، (غطاء الرأس التقليدي) في تسويق «إعلان القاهرة» خلال لقائه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، علَّه يتمكن من «كبح» آلة الحرب. ثم إنه لا يتردد في القول إن بلاده قد تطلب رسمياً من مصر التدخل بقوات عسكرية، إذا اقتضت ذلك ضرورات الحفاظ على الأمن القومي الليبي والمصري معاً، ودفاعاً عن النفس حال تجاوزت «الميليشيات المسلحة» و«الجماعات الإرهابية» ما وصفه الرئيس السيسي بـ«الخط الأحمر» ورسمه بمدينتي سرت والجفرة.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.