موسكو توسّع اتصالاتها السورية لعقد «الوحدة الوطني»

وثيقة لمعارضين تتحدث عن لقاء مع وفد روسي في جنيف و«شخصيات علوية»

موسكو توسّع اتصالاتها السورية لعقد «الوحدة الوطني»
TT

موسكو توسّع اتصالاتها السورية لعقد «الوحدة الوطني»

موسكو توسّع اتصالاتها السورية لعقد «الوحدة الوطني»

مضى مسؤولون روس في الأيام الأخيرة خطوتين إضافيتين، في التعاطي مع سوريا على أساس أنها تتألف من «مكونات» دينية وعرقية وطائفية واجتماعية مع عودة إلى اختبار إمكانية ترتيب نسخة معدلة من «مؤتمر الحوار الوطني» الذي عقد في سوتشي في بداية 2018 عبر الدعوة إلى «مؤتمر الوحدة الوطني، وتمثيل جميع المجموعات السورية» كي يقوموا بصوغ «عقد اجتماعي جديد»، إضافة إلى توجيه دبلوماسيين روس انتقادات إضافية تركزت على «مستوى الفساد» في سوريا مع التمسك بـ«تقوية الدولة».
الوثيقة التي أعدها الجانب الروسي لـ«مؤتمر الحوار الوطني» في سوتشي، تضمنت أن الدعوة ستشمل «الجماعات العرقية والدينية والمؤسسات التقليدية» من «المسلمين من السنة والعلويين والشيعة والدروز والإسماعيليين، والمسيحيين من الأرثوذكس والسيريانيين والكاثوليك والمارونيين»، إضافة إلى «العرب والأكراد والتركمان والآشوريين والسيريانيين والأرمن والجماعات القبلية، أي القبائل والشيوخ» إلى جانب القوى السياسية في النظام والمعارضة.
وقتذاك، لم تكن دمشق مرتاحة لـ«التصنيف الطائفي» القادم من روسيا. كما أنها أعربت مع طهران عن الانزعاج من «مسودة روسية» للدستور السوري، تضمنت إشارات في الاتجاه نفسه وتذويب صلاحيات الرئيس بتقوية مهمات رئيس الوزراء؛ إذ نصت المسودة - التي رفضتها الحكومة السورية - أن يكون تعيين نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء بـ«التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية، مع تخصيص بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية». وأن يتضمن البرلمان غرفتين: «جمعية المناطق» في إشارة إلى الإدارة الكردية وتطبيق اللامركزية أو «جمعية (مجلس) الشعب».

- عودة عميقة
اللافت، أن مسؤولين من روسيا عادوا مجدداً إلى ذلك، لكن بتفصيل أعمق؛ إذ كشف «محضر اجتماع» أعده معارضون التقوا البعثة الروسية في جنيف 15 الشهر الحالي باعتبار أنهم «مؤثرون من العلويين في الشتات». وحسب المحضر، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فإن الاجتماع حصل بين «البعثة الدبلوماسية الروسية إلى الأمم المتحدة في جنيف، وشخصيات علوية في المهجر»، تضمن بداية تقديم الوفد السوري تصوراته، بينها «أن المناقشات التي أحاطت بظهور الجمهورية العربية السورية كدولة مستقلة هي في الأساس تفويض للسلطة من قبل أقاليم ومناطق سورية مختلفة، لبدء دولة مركزية. المصدر الوحيد للشرعية في سوريا يأتي من مثل هذا التفويض الأقاليمي المناطقي وليس من فكرة الدولة المركزية».
وأشار السوريون، حسب المحضر - الوثيقة، إلى أن «النزاع أدى إلى تفاقم شقة الخلاف بين الدولة المركزية والمجتمعات المختلفة، وأصبحت النخبة الحاكمة تحتكر جميع موارد الدولة... واستخدم الفاعلون في الصراع وتحديداً النظام السرديات الطائفية العلنية، ودفعوا الطائفة العلوية إلى المقدمة». كما استعرضوا تأسيس الجيش و«دور العلويين» فيه ووصول حزب «البعث» إلى الحكم في 1963. وجاء في الوثيقة «ربما تكون أكثر المجموعات تضرراً في المجتمع العلوي، أولئك الذين خدموا في قوات الدفاع الوطني الذين حملوا مع أسرهم الخسائر الفادحة في النزاع، وتم تهميشهم وطردهم من مؤسسات الدولة المركزية المتغطرسة».
وتشكلت «قوات الدفاع الوطني» بدعم إيران في 2012 وقاتلت إلى جانب قوات الحكومة. ويقول مسؤولون سوريون إنهم يدافعون عن «وحدة سوريا وسيادتها» ويرفضون علناً الدخول في تصنيفات طائفية، مشيرين إلى أنهم يقاتلون ضد «تقسيم سوريا».
وأضافت الوثيقة «نعتقد أن روسيا تتخذ موقفاً متحيزاً متحالفة مع النظام دون شروط. إن عدم قدرة النظام على الإصلاح أو الالتزام بسيادة القانون يهدد دور روسيا في سوريا ويخاطر بوضعها العسكري في المستقبل. التصريحات الروسية غير الرسمية من أنهم لن يدعموا إلا رئيساً علوياً هي مثال على الخطاب في غير محله الذي نشرته روسيا. نرى فرصة كبيرة لروسيا لتتولى دور الوسيط بين القوة المركزية والحفاظ على مسافة متساوية بين جميع المجموعات والجهات الفاعلة السورية». وزادت «لن يقبل المجتمع العلوي أن يوصف أنه طائفة النظام. إن الطبيعة غير الطائفية للنظام لا تجعله حميداً أو علمانياً. يجب أن يسمح للنظام أن يشارك في المحادثات الوطنية أو الحوار كممثل للعلويين، ونرفض إلزام مستقبل الطائفة العلوية بمصير النظام».

- «دولة قوية»
في المقابل، نقلت الوثيقة عن «الجانب الروسي» قوله الكثير من النقاط، بينها «الدور الروسي في سوريا، ركز دائماً على تمكين دولة قوية قادرة على إرساء سيادتها ضمت القواعد والقانون الدولي في مواجهة الفظاعة ومحاولات الغرب لإملاء أجندة خاصة على السوريين».
وتحدث الوفد الروسي عن دعم المحادثات الدبلوماسية واللجنة الدستورية باعتبار مسار جنيف «منبراً للسوريين لمناقشة المسائل الصعبة خارج الدستور وإقرار الاعتراف المتبادل. للأسف الدول الغربية (...) فرضت عقوبات من جانب واحد على سوريا أو رفض المشاركة في بعض خطوات تخفيف العقوبات» في إشارة إلى العقوبات الأوروبية و«قانون قيصر» الأميركي. وأعرب عن اعتقاده أن «مواقف الصراع الصعبة تتطلب دولة قوية يمكنها الحفاظ على الهوية الوطنية والوحدة في أوقات الشدة. لذلك تركز روسيا على الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، مع الاعتراف أن مستوى قبولها ينخفض بسبب عدم الكفاءة والفساد، لكن أيضاً بسبب العقوبات العشوائية التي تفرضها القوى الغربية».
ونقلت الوثيقة عن الوفد الروسي قوله «روسيا ليست مشاركة في سوريا لدعم أفراد أو للعمل كقوة احتلال وستكون دائمة مستعدة لتمكين السوريين من الانخراط في محادثات سياسة لمناقشة مستقبلهم» وأن موسكو «تدرك الحاجة إلى تجديد العقد الاجتماعي في سوريا، وهذا الاعتراف دفعها إلى استضافة مؤتمر (الحوار الوطني) في سوتشي في 2018، على الرغم أن التمثيل في المؤتمر كان يميل نحو النظام وكان أبعد ما يكون عن المثالية، لا تزال روسيا تقوم بمحاولة تجريبية لتمكين السوريين من الحوار ومناقشة مستقبلهم وخلافاتهم». وأضاف «الوقت المحدود والتمثيل غير المتوازن أديا إلى تقويض نجاح سوتشي، لكن حتى شخصيات المعارضة ذات السمعة الحسنة، أكدت أن المناقشات كانت مهمة في شكل فريد، واكتشف المشاركون أن القضايا المشتركة التي يمكن أن تجمعهم أكبر من القضايا التي يمكن أن تفرقهم».
وأضافت الوثيقة، حسب محضر أحضره معارضون، أن الوفد الروسي «أعرب عن اهتمامه بقول المتحدثين أن النظام غير طائفي في طبيعته الحقيقية، رغم أن النخبة العسكرية والأمنية تنتمي في الغالب إلى العقيدة العلوية»، لافتاً إلى اهتمام موسكو بـ«فكرة مؤتمر الوحدة الوطني، حيث يتم تمثيل جميع المجموعات السورية ليتم البحث عن إطار وطني ملزم لما بعد الصراع للتوصل إلى التصالح».
وكان لافتاً أن الأيام الأخيرة شهدت سلسلة من الورشات والاجتماعية عبر الفيديو، بين شخصيات سورية تناولت المكونات السورية من دروز وسنة وعلويين وأكراد، خصوصاً بعد مظاهرات السويداء ذات الغالبية السويداء والتوتر في درعا المجاورة وظهور رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد. وكانت مؤسسة بحثية ألمانية نظمت عبر سنوات جلسات حوار غير معلنة بين شخصيات سنية وعلوية اتفقت على وثيقة من 11 بنداً، بينها «وحدة سوريا» و«المحاسبة الفردية»، مع أمل أن تكون «عقداً اجتماعياً فوق دستوري لمستقبل سوريا بعيداً من معادلتي النظام والمعارضة»
تزامن لقاء الوفد الروسي مع «الشخصيات العلوية» مع قيام نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بزيارة الدوحة للقاء الرئيس السابق لـ«الائتلاف الوطني السوري» المعارض معاذ الخطيب بـ«تكليف» من الرئيس فلاديمير بوتين، وسط أنباء عن «تواصل الروس مع عدد من شخصيات المعارضة سياسية وعسكرية». ولاحظ مصدر مطلع على الاجتماع، أن الجانب الروسي «لم يعد حماسهم للانتخابات الرئاسية في 2021 كما كان سابقاً، لكنهم يقولون إنهم لا يمنعون أي شخص من الترشح». كما تداول معارضون ورقة كتبها رامي الشاعر، الدبلوماسي السابق المقرب من الخارجية، تضمنت انتقادات لتصريحات وزير الخارجية وليد المعلم الذي أكد «استمرار التعاون... والأصدقاء الروس قدموا ضحايا في مكافحة الإرهاب على الأراضي السورية وبيننا تشاور شبه يومي».




إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.