زوجة البغدادي في قبضة الجيش اللبناني.. ومعطيات قد تقلب المعادلة في قضية العسكريين المخطوفين

مصادر مطلعة: ألقي القبض عليها بعد ترصد شبكة الاتصالات.. وعملية منسقة مع «سي آي إيه»

سجى الدليمي زوجة البغدادي
سجى الدليمي زوجة البغدادي
TT

زوجة البغدادي في قبضة الجيش اللبناني.. ومعطيات قد تقلب المعادلة في قضية العسكريين المخطوفين

سجى الدليمي زوجة البغدادي
سجى الدليمي زوجة البغدادي

انشغل لبنان أمس بتسريب خبر توقيف الجيش امرأة يعتقد أنها زوجة زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي مع ابنه، فيما بدا أن المؤسسة العسكرية التي تكتمت على الخبر 10 أيام، لا تريد إفشاء أي معلومات حول الموضوع بدليل غياب مسؤولي الجيش عن السمع منذ بعد ظهر أمس، وامتناع المصادر القضائية عن تأكيد أو نفي علاقة الموقوفة بالبغدادي، رغم تأكيدها لـ«الشرق الأوسط» اسمها، وأنها هي من تم إطلاقها من السجون السورية في صفقة تبادل راهبات معلولا.
وأكد مصدر لبناني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقوفة هي إحدى زوجات البغدادي، وأنها أوقفت في شرق البلاد مع ابنها الذي لا يتجاوز الـ10 سنوات، فيما قال مصدر قاضي بارز لـ«الشرق الأوسط» إن الموقوفة هي سجى الدليمي، رافضا تأكيد علاقتها بالبغدادي، رغم إعلانه أن «ذلك مرجح إلى حد كبير». وقال المصدر إن التحقيق جار الآن بإشراف القضاء، وهو يتركز على معرفة دورها في أي عمليات تجنيد عناصر للتنظيم المتطرف أو إنشاء خلايا في لبنان. وأوضح المصدر أن القضاء ينظر في ما إذا كانت الموقوفة ارتكبت أعمالا إجرامية على الأراضي اللبنانية، لكن مقايضتها بالعسكريين اللبنانيين الذين يحتجزهم المسلحون عند الحدود مع سوريا - أمر يتعلق بالسلطة السياسية.
وفيما كان الجميع يتوقع أخبارا إضافية عن الموقوفة، أعلنت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية أن استخبارات الجيش في زغرتا (شمال البلاد)، أوقفت زوجة المسؤول في «جبهة النصرة» أنس شركس المعروف بـ«أبو علي الشيشاني» مع شقيقها راكان، في منطقة حيلان زغرتا. وأفيد بأن أنس له علاقة بقضية العسكريين المخطوفين.
وأفادت مصادر أمنية وعسكرية لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن الجيش اللبناني أوقف إحدى زوجات زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي ونجلهما في شرق البلاد قرب الحدود مع سوريا قبل نحو 10 أيام، مشيرة إلى أن الزوجة تحمل الجنسية العراقية واسمها سجى الدليمي، وكانت تتنقل بهوية مزورة بين مناطق الشمال والبقاع. وقال مصدر أمني رفيع المستوى، وفق الوكالة، إن «مخابرات الجيش اللبناني تمكنت من اعتقالها عندما كانت تتنقل برفقة نجلها قرب بلدة عرسال» عند الحدود اللبنانية - السورية، وأشار إلى أن «السلطات تكتمت على عملية الاعتقال لإفساح المجال أمام اتخاذ الإجراءات الأمنية الاستباقية المناسبة».
فيما قال مصدر أمني لبناني إن اعتقال الدليمي يمثل ورقة مساومة مهمة لممارسة ضغوط في مفاوضات لتحقيق الإفراج عن 27 من أفراد قوات الأمن اللبنانية الذين أسرهم مقاتلو تنظيم داعش في أغسطس (آب) الماضي قرب الحدود السورية، وهو رأي يشاركه فيه مسؤولون لبنانيون آخرون ممن أكدوا احتجاز الدليمي. وقال مسؤول أمن لبناني كبير إن زوجة البغدادي كانت تسافر برفقة إحدى بناتهما، في تناقض مع تقارير سابقة قالت إنها كانت تتنقل برفقة أحد أبنائها. وذكر المسؤول أن اختبارات الحمض النووي «دي إن إيه» أجريت للتأكد من أنها ابنة البغدادي.
واحتجزت زوجة البغدادي وابنته في شمال لبنان بعدما تبين أن الزوجة تحمل جواز سفر مزورا. وذكر مسؤولو الأمن أنه يجري استجواب زوجة البغدادي في مقر وزارة الدفاع اللبنانية.
ولم يصدر على الفور رد فعل على مواقع «داعش» على الإنترنت على الرغم من أن بعض مؤيدي التنظيم رفضوا التقارير.
وقال فواز جرجس، خبير شؤون الشرق الأوسط في كلية الاقتصاد بجامعة لندن، إن عملية الاعتقال توضح أنه يبدو أن لدى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة جهاز مخابرات ذا كفاءة في سوريا والعراق. وقال لـ«رويترز»: «تحدثت إلى عدد قليل من الناس فأبلغوني أنها عملية اعتقال منسقة بين أجهزة المخابرات الأميركية والجيش اللبناني».
وأضاف: «لو كنت أبو بكر البغدادي لانتابني القلق البالغ من أنهم يقتربون جدا. إنه تطور... مخيف للغاية بالنسبة إلى (داعش)، لا سيما قياداتها».
وقال مصدر في الحكومة الأميركية، إن واشنطن غير متأكدة بشأن متى كانت هذه المرأة مع أبو بكر البغدادي آخر مرة وكم لديها من معلومات مفيدة في حال كان لديها معلومات مفيدة أصلا. وقالت السفارة الأميركية في لبنان، إنها عملية قامت بها حكومة لبنان. ولم تذكر مزيدا من التفاصيل.
وقالت مصادر مطلعة على العملية لـ«الشرق الأوسط»، إن مخابرات الجيش كانت تراقب منذ فترة شبكة الاتصالات وتبين أن هناك شخصية مهمة تتنقل في بعض المناطق اللبنانية، ولا سيما بين البقاع والشمال، وفي المرحلة الثانية ظهر لها أنها مرتبطة بـ«داعش» من دون أن تعرف هويتها، واستمرت المراقبة إلى أن ألقي القبض على زوجة البغدادي قبل نحو 10 أيام. ولفتت المصادر إلى أن الدليمي بقيت تنكر في الفترة الأولى أنها زوجة البغدادي، لكن عندما سردت سيرة حياتها تأكد الجيش أنها زوجته بعدما تقاطعت المعلومات التي ذكرتها مع تلك الموجودة لدى المخابرات، إضافة إلى إجراء فحوص الحمض النووي لابنها. وفيما أشارت المصادر إلى أنه ألقي القبض على الدليمي وابنها، نافية المعلومات التي قالت إنها كانت مع ابنتها أو 3 من أبنائها، أكدت أن قضية العسكريين اللبنانيين ستشهد في الفترة المقبلة تطورات إيجابية، ستؤدي بالتأكيد إلى الإفراج عنهم.
وكانت الدليمي بين 150 امرأة أفرج عنهن من سجن تابع للنظام السوري في مارس (آذار) في إطار مبادلة للسجناء تم بموجبها الإفراج عن 13 راهبة أسرهن مقاتلون من «جبهة النصرة» في سوريا.
وذكر مصدر على صلة بالمخابرات العراقية أن المرأة المعتقلة هي زوجة عراقية للبغدادي، مشيرا إلى أنه كان هناك تعاون بين السلطات العراقية واللبنانية مما أدى إلى اعتقالها، وفق ما أفادت وكالة «رويترز»، مشيرة إلى أن مصادر عشائرية في العراق قالت إن لزعيم «داعش» 3 زوجات؛ اثنتان من العراق والثالثة سورية.
وفي واشنطن، اكتفى المسؤولون بالخارجية الأميركية بالتعليق على اعتقال زوجة البغدادي بالقول إن «العملية تمت من خلال حكومة لبنان ويمكن سؤال الحكومة اللبنانية للحصول على مزيد من المعلومات». وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية ماري هارف: «هناك الكثير من التقارير التي تتحدث عن القبض على إحدى زوجات البغدادي، لكني لا أستطيع تأكيد هذه التقارير».
واكتسبت سجى الدليمي، منذ اللحظة الأولى لاعتقالها، أهمية كبرى في نظر «النصرة» و«داعش»، فسجى الدليمي هي الابنة الكبرى لحميد إبراهيم الدليمي، ووالدها هو أحد أمراء «داعش» في سوريا وأحد الممولين المؤسسين للتنظيم، ويقود شقيق سجى، عمر الدليمي، وحدة عسكرية تابعة لـ«داعش»، وقاتل شقيقها الصغير خالد في صفوف الكتيبة الخضراء.
وشهدت عرسال التي لها حدود طويلة مع منطقة القلمون السورية، معارك عنيفة في مطلع أغسطس بين الجيش اللبناني ومسلحين قدموا من سوريا ومن مخيمات للاجئين السوريين داخل البلدة استمرت 5 أيام وتسببت في مقتل 20 جنديا و16 مدنيا وعشرات المسلحين. وانتهت هذه المواجهات بانسحاب المسلحين من عرسال إلى الجرود وإلى سوريا، إلا أنهم خطفوا معهم عددا من العسكريين وعناصر قوى الأمن الداخلي، ولا يزالون يحتجزون 27 منهم.
وترافق هذا التوقيف الذي يعتبر ضربة أمنية للتنظيم المتشدد في موازاة تعرضه لضغوط عسكرية متصاعدة، مع معطيات وتطورات لبنانية متعلقة بملف العسكريين، من المتوقع أن تنعكس إيجابا على مسار المفاوضات مع الخاطفين. وهي المعلومات التي أشارت إلى أن المدير العام للأمن العام، عباس إبراهيم، سيزور سوريا خلال اليومين المقبلين لاستكمال البحث في القضية، إضافة إلى تأكيد الأمن العام اللبناني أن مصير قائد تجمع القلمون العقيد في «الجيش الحر»، عبد الله الرفاعي، الموقوف لديها منذ نحو أسبوعين، مرتبط بمجرى المفاوضات الهادفة إلى إطلاق العسكريين المخطوفين. وفي الإطار نفسه، أكد رئيس الحكومة تمام سلام أن «لبنان لن يخضع للابتزاز في قضية العسكريين الرهائن»، مشيرا إلى أن «الحكومة تنطلق في المفاوضات من قواعد وأصول، ولن نتخلى عن قواعدنا لنصبح رهينة للآخرين».
وكان لخبر توقيف زوجة البغدادي وقع الطمأنينة على أهالي العسكريين الذي أمضوا «ليلة مرعبة» وفق الناطق باسمهم حسين يوسف، وذلك بعدما كانت «النصرة» هددت ليلا بإعدام عسكريين مخطوفين اثنين لديها. وكان آخر اتصال مع الأهالي من قبل وزير الصحة وائل أبو فاعور ليل الثلاثاء، طمأنهم خلاله أن «النصرة» لن تقدم على إعدام أي من العسكريين، كما أكد يوسف لـ«الشرق الأوسط». وعن توقيف زوجة البغدادي، قال يوسف: «لم يتواصل معنا أحد من قبل الحكومة، لكن مجرد أن عرفنا بهذا الخبر شعرنا بالراحة النفسية، وخفف قلقنا، على أمل أن يؤدي إلى حل جدي ونهائي في قضية أبنائنا».
ويقود المفاوضات بشأن العسكريين كل من المدير العام للأمن العام عباس إبراهيم وموفد قطري يدعى أحمد الخطيب. وكان الخاطفون أرسلوا طلباتهم إلى الحكومة اللبنانية، مقترحين واحدا من 3 اقتراحات، وافقت الحكومة على السير بالأخير الذي يطالب بالإفراج عن 5 معتقلين من السجون اللبنانية من الموقوفين المتشددين و50 سجينة من السجون السورية مقابل كل عسكري مخطوف. لكن لغاية الآن، لم يصدر أي إشارات أو نتائج إيجابية، ولا يزال الخاطفون يهددون بين فترة وأخرى بذبح أحد العسكريين، وهو الأمر الذي أشار إليه مسؤول العلاقات العامة في لجنة الأهالي الشيخ عمر حيدر، قائلا «شبعنا من التطمينات، نريد ضمانات لعدم قتل أبنائها».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».