السلطة الرمزية في الرواية العربية... والعنف

«فاكهة الغربان» لليمني أحمد زين و«عدن الخاوية» للعراقي فاروق السامر نموذجاً

السلطة الرمزية في الرواية العربية... والعنف
TT

السلطة الرمزية في الرواية العربية... والعنف

السلطة الرمزية في الرواية العربية... والعنف

هل يمكن للتفويض الثقافي أن يمنح مؤسسة أو آيديولوجية ما سلطة رمزية، بها تفرض مثالها الثقافي التعسفي، مالكة الحق في ممارسة العنف الرمزي، بوصف تلك السلطة هي المرجعية التي فوضتها الجماعات أو الطبقات أمرها وأعطتها الشرعية في تمثيلها؟
إن هذا التساؤل يتعلق بصلب كتاب (العنف الرمزي) لبيير بورديو، وفيه اهتم بالكيفية التي بها تتمكن السلطة الرمزية من جعل الثقافة نسقاً من الأمثلة الثقافية التعسفية، فتضيع الحقيقة الموضوعية ويصبح الجهل هو أصل التناقضات التي تطبع مختلف الآيديولوجيات بطابع رمزي تتعالق فيه الثقافات الغالبة والمغلوبة التي تعنى بالطبقات المقهورة وفي الوقت نفسه تمارس النماذج الثقافية الاستغفال بحقها كي لا تكون لها أي صحوة ثقافية.
وهو ما سماه بورديو (العنف الرمزي) الذي من أنماط تعسف نماذجه الاحتجاب أو التمويه أو الإرغام الثقافي إزاء جماعة أو طبقة، ممارسة عليها سلطتها الرمزية التي فيها يتجلى الازدواج والتناقض المستعصي في إثبات حقيقة الرموز الثقافية.
وبتعدد أنماط هذه النماذج وتنوع السلطات الرمزية تصبح لكل آيديولوجيا طريقتها الخاصة في إخفاء حقيقة عنفها الرمزي مظهرة إياه كحق مشروع به تدعم تعسفها وتؤكد تسلطها فيذعن لها الأفراد والجماعات ثقافيا ويضعونها من ثم في مقام أسطوري غير عقلاني.

فرض السلطة على القارئ
ونجد لهذه السلطة وأنماطها التعسفية تمثيلات روائية تقترب من هذه الصورة النظرية لثقافة العنف الرمزي، ومن ذلك رواية (فاكهة الغربان) للروائي اليمني أحمد زين والصادرة عن منشورات المتوسط إيطاليا 2020. وفيها شخصية (جياب) هي النموذج التعسفي «جياب الماركسي الذي يأخذ اسمه الحركي من المناضل الفيتنامي فون نغوين جياب العدو الشريف الذي هزم الغرب الأمبريالي» (ص42) والذي تحول فجأة من عامل صغير في مرفأ في عدن إلى شخص يرتدي بدلة سوداء بربطة عنق حمراء، ممارسا سلطة رمزية على سائر حيوات الرواية وأهمها (نورا) التي تحولت بسببه من راقصة في فرقة للفنون الشعبية إلى رفيقة جاسوسة وحبيبة مقربة.
ولأنها وحدها التي تعرف لغز جياب المحير، يدفعها ماضيها وعظم الورطة التي وضعت نفسها فيها إلى تدوين مذكراتها التي خصص لها السارد شخصية صلاح بينما أخفى الشخصية المدونة جياب. ويتضح في المذكرات عنف الآيديولوجيا الرمزي وحالة الشرخ الفكري الذي تخلفه تعسفية سلطة النموذج الرمزية أولاً من خلال إقحام السرد الذاتي داخل السرد الموضوعي مما فرض على القارئ نوعا من السلطة الرمزية مجبرا إياه على التماشي مع هذا الإقحام ولا سيما في مفتتحات الفصول التي فيها تظهر الشخصية وهي تتحدث بضمير الأنا ثم فجأة يسكتها السارد ليتحدث بدلا عنها بضمير الغائب. وثانياً، من خلال مركزية شخصية نورا التي لا تكف عن تكرار تقليب صور جياب (سرعان ما انشغلت بتقليب الصور) أو (تطيش نظراتها في صورهما معا) و(وصمتت وعادت لتنظر في الصور) و(تحدق طويلا في الصورة التي تظهر جياب شابا) و(تعيد التحديق في صورة جياب... لا يمكن أن يكون أمس ثوريا واليوم عميلا إمبرياليا). وثالثاً، انخراط الشخصيات في حزب واحد واجتماعهم في غرفة واحدة ومع ذلك هم متفرقون ذهنيا، كأن يعاشر أحدهم كل الفصائل بينما هو ينظر إليهم مجرد عبيد أو تكون شخصية حالمة بالثورية والنقاء الآيديولوجي لكنها تعترف في قرارة نفسها أنها لن تصل إلى ذلك أبدا. وهو ما دللت عليه المنولوجات المروية التي بها تبدو كل شخصية معطلة حياتيا ومخفية حقيقة شرخها ما بين عبادة الشعارات والأناشيد الثورية والوعود الوردية والالتزام الحزبي وتبجيل القيادات من جهة وبين الوشاية والعبث والتزوير والاغتيال وكتابة التقارير من جهة أخرى. ورابعا كتابة المذكرات التي فيها تبوح (نورا) بالأسرار وفي الوقت نفسه تنشغل بالتحديق التكراري في الغربان التي هي معادل موضوعي للعنف الرمزي «له ريش متسخ بدوره أخذ يبادلها التحديق بينما يميل بمنقاره ناحية أسلاك تتلوى في الشكل بلا غاية جمالية وتجد... نفسها في مواجهة مباشرة مع واحد منها... كانت تراه من مسافة بعيدة وهي تتملى في عيني الغراب القلقتين وتتوقف عند ساقيه النحيلتين ومنقاره الذي بدا ثخينا وطويلا قليلا وتفكر في احتمال أن يكون مؤذيا» (ص42).
وخامساً، مقصدية المؤلف في إضفاء العنف الرمزي على العنونة الرئيسة (فاكهة الغربان) ولا يخفى ما للغراب، صوتا ولونا وسلوكا، من دلالة شؤمية في المخيال العربي لذا يكون في تحديق نورا في الغربان إحساس بفشل النظرية الاشتراكية وعلم الجمال الماركسي والنزعات الثورية والمادية الجدلية (تطلق نداءات لم يجد العلماء لها تفسيرا بعد) والتي عبر عنها السارد بهذا التناص الشعري لمظفر النواب: (يا ريل طلعوا دغش والعشق جذابي نتوالف ويه الدرب وترابك ترابي) (ص49).
وأخيراً، تحالف السارد مع المؤلف على المستوى الآيديولوجي وهو يعدد نواقص وسلبيات الحزب كشعارات وقيادات واستراتيجيات وتواريخ منحازا له مرة بصورة علنية وهو يجعل نورا تتحين الفرص للثأر من كل الرفاق مظهرة حنينا للماضي الإمبريالي: «إن أحلامنا تواضعت بعد أن كنا حالمين كبارا... صنعت لنا مخيلاتنا جنات... وكأنما أجنحتنا كانت من شمع. إذا بها تذوب في حرارة عدن وجوها الجحيمي فتساقطنا مرتطمين بالأرض» (ص44).

عدن «الآيديولوجية»
في رواية (عدن الخاوية) للروائي العراقي فاروق السامر والصادرة عن دار تموز 2019 تخلف السلطة الرمزية عنفا في نفوس الذين فوضوها تلك السلطة. وتصبح عدن رمزا للأوهام الآيديولوجية التي بسببها صارت المدينة مكانا للخراب والتمزق والانحشار بالعنف والحرب كما ضاعت قيمة النموذج الثقافي ممثلا بشخصية الرجل مبتور الذراع العاطل والمنعزل الذي حطمه الإخفاق وعطله الخواء وهو واقع تحت رحمة المرض والموت والتفسخ.
ويكون فيها أيضاً للغراب فعل ترميزي داخل الرواية فهو البؤرة السردية التي فيها تتكثف تعسفية هذا النموذج الذي بقي بلا اسم متسائلا (حمامة أم غراب؟). وتظل الخيبة الآيديولوجية تمارس عنفها عليه وعلى الشخصيات النسوية الأخرى كسلطة رمزية، مرة في شكل طائر يرتطم بالنافذة (شق الضبابَ طائرٌ رمادي مجنون بصورة خاطفة وتهافت متهشما على سطح الزجاج الصقي فاختلطت دماؤه القانية بقطرات المطر المتفجرة) ص112 ويكون مرة أخرى عنكبوتا تراه زوجته (مسمرا وسط الغرفة عنكبوتا بنفسجيا جبارا هائلا يحدق متتبعا حركاتها المثيرة بعينيه المدورتين الملتهبتين لا يعرف ما يفعل) ص159.
ويظل التحديق في الغراب في الروايتين هو البؤرة التي فيها تتكثف الفكرة السردية لتكونا روايتين فكريتين، فيهما الآيديولوجيا سلطة رمزية لها هيأة الغربان، وفيها تتضح ازدواجية الشكل والفعل وتدجينية الفرد والقطيع كنوع من الإذعان إلى علاقات القوة التي بسببها ينهار المشروع النضالي والتحرري وتتكشف ازدواجيته وذرائعيته ومن ثم يبان عنف الآيديولوجيا وتعسفها والنهاية الكارثية التي تنتظرها.



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».